أولًا: يحتمل أن هذه الأسطورة نشأت عند الشيعة في القرن الثاني، والذي تولى كبرها بعض الغلاة (وقد مر ذكر بعض أسمائهم)، وكان من أسبابها خلو كتاب الله مما يثبت بدعهم في الإمامة، والصحابة وغيرهما.
ثانيًا: أكثر كتب الشيعة المعتمدة عندهم قد روت هذا الكفر، وجاءت معظم هذه الروايات صريحة في ذلك لا يمكن حملها على أنهم يقصدون تأويل الآية، أو بيان القراءات التي وردت فيها، بل جاءت تصرح بأن الآية هكذا والصحابة -
_________________
(١) انظر: ص (٢١٣)
(٢) انظر: ص (٢٧٩)
[ ١ / ٢٩٩ ]
بزعمها - غيرت ذلك، مثل الألفاظ التالية: "هذه الآية مما غيروا وحروفوا.." (١) . يعنون الصحابة، وقولهم: "أنزل الله سبعة بأسمائهم فمحت قريش ستة وتركوا أبا لهب" (٢)، "كانت فيه أسماء رجال فألقيت" (٣)، وقولهم: "هكذا والله نزل به جبرائيل على محمد ولكنه فيما حرف من كتاب الله" (٤)، وقولهم: "بلى والله إنه لمثبت فيها وإن أول من غير ذلك لابن أروى" (٥) . ومثل ذلك كثير.
فمن يقل من الشيعة: إن رواياتهم الواردة في كتبهم من جنس روايات القراءات، ونسخ التلاوة فهو يتستر على هذا الكفر، ويساوي بين الحق والباطل.
ثالثًا: ادعى جمع من شيوخهم استفاضة هذه "الأساطير" وكثرتها في كتبهم المعتمدة، وهذا طعن في كتبهم لا في كتاب الله سبحانه، ولهذا حاول بعض عقلائهم الخروج بالمذهب من هذا "المأزق" الذي وقع فيه، أو التستر على هذه الفضيحة.. ولكن هذه الأسطورة كانت رواياتها تزيد - عبر القرون - رغم إنكار المنكرين، وتبنى إشاعتها طائفة من الزنادقة الذين اندسوا في الشيعة.. ولا ريب بأن من يقل بهذه الأسطورة فليس من الإسلام في شيء، ولا علاقة له بكتاب الله ودينه، ولا برسول الإسلام وأهل بيته، بل له دين آخر غير دين الإسلام.
لكن هؤلاء القائلون بتغير القرآن الناقلون لتلك الأساطير كالمجلسي في بحار الأنوار، والطبرسي في فصل الخطاب نراهم يستشهدون من كتاب الله، ويفتتحون كل باب من أبواب كتبهم بآيات من القرآن، كما يفعل المجلسي في بحاره، والطبرسي في "مستدرك الوسائل" وغيرهما، بل إن الطبرسي الذي كتب في فصل الخطاب ما كتب قد عقد في كتابه: "مستدرك الوسائل" بابًا بعنوان: "باب استحباب الوضوء
_________________
(١) بحار الأنوار: ٩٢/ ٥٥
(٢) رجال الكشي: ص٢٩٠، بحار الأنوار: ٩٢/٥٤
(٣) تفسير العياشي: ١/١٢ بحار الأنوار: ٩٢/٥٥
(٤) بحار الأنوار: ٩٢/٥٦
(٥) تفسير فرات: ص ١٧٧، بحار الأنوار: ٩١/٥٦
[ ١ / ٣٠٠ ]
لمس كتابة القرآن ونسخه، وعدم جواز مس المحدث والجنب كتابة القرآن" (١)، بل إن شيخ الشيعة المجلسي الذي قال - كما سلف - باستفاضة تلك الأساطير وأنها لا تقصر عن أخبار الإمامة يقول مع ذلك: "بأن الذي بين الدفتين كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان" (٢) .
ثم استشعر التناقض بين هذا القول وبين أساطيرهم في تحريف القرآن فقال: "فإن قال قائل: كيف يصحّ القول بأن الذي بين الدفتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان، وأنتم تروون عن الأئمة ﵈ أنهم قرؤوا: "كنتم خير أئمة أخرجت للناس" أو "كذلك جعلناكم أئمة وسطًا" وقرؤوا: "يسألونك الأنفال" وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس؟ قيل له:.. إن الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله بصحتها، فلذلك وقفنا فيها، ولم نعدل عما في المصحف الظاهر على ما أمرنا به.. مع أنه لا ننكر أن تأتي القراءة على وجهين منزلتين أحدهما ما تضمنه المصحف، والثاني ما جاء به الخبر، كما يعترف مخالفونا به من نزول القرآن على وجوه شتى" ثم أشار إلى بعض القراءات (٣) .
فما دام هذه نهاية الذين أثاروا تلك العقائد الكفرية، فلماذا أثاروا تلك المفتريات وتناقلوها.. والجواب واضح من خلال ما سبق أن عرضناه وهو إقناع قومهم وأتباعهم بصحة ما هم عليه من معتقدات، وأن آيات من القرآن قد حذفها الصحابة تشهد لمذهبهم، ولهذا لاحظنا أنهم أيضًا ادعوا نزول كتب إلهية غير القرآن، وفزعوا إلى التفسير الباطني؛ كل ذلك لإثبات شذوذهم.. فإذن تحولت تلك الدعاوى إلى مجرد محاولات للتخلص من الإلزامات الواردة عليهم بخلو كتاب الله مما يثبت عقائدهم، ولكن تلك الروايات كان لها آثارها على فرق
_________________
(١) مستدرك الوسائل: ١/٤٣
(٢) بحار الأنوار: ٩٢/٧٥
(٣) بحار الأنوار: ٩٢/٧٥
[ ١ / ٣٠١ ]
الشيعة (١)، بل على الاثني عشرية نفسها، فإن الأخباريين منهم يقدّمون أخبارهم على كتاب الله كما سلف (٢) . حتى أشيع بأن الاثني عشرية لهم مصحف خاص بهم.
رابعًا: كما أن لديهم روايات تقول بالتحريف، فإن عندهم روايات أخرى تنفي هذا الباطل وتنكره مثل قول إمامهم: "واجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الاحتجاج عليه مصيبون، وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون، لقول النبي ﷺ: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (٣) . ومثل ما جاء عندهم في ثواب قراءة القرآن (٤)، وفضل حامل القرآن (٥)، ووجوب عرض أحاديثهم عليه (٦)، والتمسك به إلى قيام الساعة، وهذا يبطل أن يكون محرفًا أو مخفيًا عند منتظرهم.
خامسًا: تبين لنا أن هذه الأسطورة حملت بذاتها باطلها، وتبين من عناصر تكوينها فسادها، وكان مجرد عرضها كافيًا في الرد عليها. ويكفي في بيان كذب الروافض.. أن علي بن أبي طالب الذي هو عند أكثرهم إله خالق، وعند بعضهم نبي ناطق، وعند سائرهم إمام معصوم ولي الأمر وملك، فبقي خمسة أعوام وتسعة أشهر خليفة مطاعًا ظاهر الأمر.. والقرآن يقرا في المساجد في كل مكان وهو يؤم الناس به، والمصاحف معه وبين يديه. فلو رأى فيه تبديلًا كما تقول الرافضة أكان يقرهم على ذلك؟
_________________
(١) كالدروز الذين اتخذوا لهم مصحفًا سموه: "مصحف المنفرد بذاته". (انظر: مصطفى الشكعة، إسلام بلا مذاهب، مقدمة الطبعة الخامسة، الخطيب/ عقيدة الدروز ص١٣٨-١٨٤)
(٢) انظر: ص (١١٦)
(٣) انظر: الشعراني/ تعاليق علمية (على شرح الكافي للمازندراني) ٢/٤١٤، وراجع تتمة النص في فصل: اعتقادهم في الإجماع
(٤) انظر: أصول الكافي، كتاب فضل القرآن: ٢/٦١١
(٥) أصول الكافي: ٣/٦٠٣
(٦) أصول الكافي / باب الرد إلى الكتاب والسنة: ١/٥٩
[ ١ / ٣٠٢ ]
ثم أتى ابنه الحسن وهو عندهم كأبيه فجرى على ذلك.
فكيف يسوغ لهؤلاء النوكى أن يقولوا إن في المصحف حرفًا زائدًا أو ناقصًا أو مبدلًا مع هذا؟!
ولقد كان جهاد من حرف القرآن وبدل الإسلام أوكد عليه من قتال أهل الشام الذين إنما خالفوه في رأي يسير رأوه ورأى خلافة فقط، فلاح كذب الرافضة ببرهان لا محيد عنه. والحمد لله رب العالمين (١) .
_________________
(١) ابن حزم/ الفصل: ٢/٢١٦-٢١٧
[ ١ / ٣٠٣ ]