وبعدما رأينا أن معظم كتب الشيعة سقطت في هذه الهوة المظلمة، وعرضنا لشيء من مضامين هذه الروايات مما تتضح به صورتها وتتبين به حقيقتها، ثم حاولنا التعرف على القدر الكمي، والوزن الإسنادي لهذه الروايات، ورأينا أن مهندسي التشيع عملوا جاهدين على الوضع والزيادة لأخبار هذه الأسطورة عبر القرون، حتى اعترف طائفة من شيوخهم المعتبرين عندهم باستفاضتها وتواترها، وأنه لا ينبغي لذلك النظر في أسانيدها.. فهل جميع شيوخ الاثني عشرية يتفقون معهم في هذا الحكم؟
يقول شيخهم المفيد (ت٤١٣هـ) في كتابه أوائل المقالات وهو من كتبهم
_________________
(١) فصل الخطاب - الورقة ١٢٤ (النسخة المخطوطة)
(٢) الخوئي/ البيان ص ٢٢٦
[ ١ / ٢٧٤ ]
المعتبرة عندهم باعتراف شيوخهم المعاصرين (١)، يقول: "واتفقوا - أي الإمامية - على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي ﷺ، وأجمعت المعتزلة، والخوارج، والزيدية، والمرجئة، وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية" (٢) .
وهذه شهادة مهمة واعتراف صريح من مفيد الشيعة بأن سائر الفرق الإسلامية لم تقع في هذا الكفر الذي وقعت فيه طائفته. وهي شهادة تلجم أولئك الروافض الذين يحاولون من منطلق جبان أن يصموا أهل السنة من هذه الفرية؛ كمحاولة مكشوفة لإثبات هذا الكفر بطريق النسبة الكاذبة لأهل السنة. وعصمة أهل السنة من هذا الضلال لا تحتاج إلى هذا الاعتراف، ولكن ذكرناه هنا لأنه صادر من المخالف وإنصاف المخالف أشد وقعًا في النفس من إنصاف الموافق، ولأن في هذا وأمثاله ما يسكت أولئك المفترين الذين يفترون الكذب ولا يؤمنون.
كما أن مفيدهم يعترف أيضًا بأن إجماع طائفته قائم على هذا الكفر البين، ولم يذكر مفيدهم وجود خلاف بين علمائهم في هذا!! مع أن شيخه ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق (ت٣٨١هـ) قد أنكر هذا في رسالته في "الاعتقادات" (٣) . وأنكر نسبة الاعتقاد بالتحريف إليهم - كما مر -، وتبعه على ذلك الشريف المرتضى (٤) . (ت٤٣٦هـ)، والطوسي (٥) . (ت٤٥٠هـ) وهما من تلامذة المفيد، ورابعهم الطبرسي (ت٥٤٨ أو٥٦١هـ) فلِمَ لَمْ يشر المفيد إلى خلاف شيخه القمي؟ هل تجاهل المفيد لذلك من قبيل اقتناعه بأن مخالفته بسبب التقية أو ماذا؟! وليس ذلك فحسب بل إن المفيد نفسه، وفي الكتاب ذاته ذكر أن طائفة
_________________
(١) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان: ص ١٤
(٢) أوائل المقالات: ص١٣
(٣) الاعتقادات: ص ١٠١-١٠٢
(٤) انظر: التبيان: ١/٣، مجمع البيان: ١/٣١
(٥) انظر: التبيان: ١/٣
[ ١ / ٢٧٥ ]
من أهل الإمامة أنكرت ذلك (١) .
ومثل دعوى المفيد يدعي النوري الطبرسي أن إجماع الشيعة قائم على هذا الكفر، إلى أن جاء ابن بابويه القمي فخالف ذلك حتى قال: "إن ابن بابويه القمي أول من أحدث هذا القول في الشيعة في عقائده" (٢) .
ولعل القارئ يدرك محاولة هذا الطبرسي، لأن يجعل الشيعة منذ نشأتها كانت على مذهبه، وأن مخالفة هذا المذهب كانت طارئة، والحقيقة التي لا يماري فيها مسلم، ولا يشك فيها من سبر التطور العقدي عند هؤلاء القوم أن أوائل الشيعة ما كانت على هذا الكفر، ما كان خلاف الشيعة في أول الأمر إلا في مسألة الإمامة ومن أحق بالإمامة، ثم ما لبثت أن انجرت من بدعة إلى أخرى حتى رأينا شيوخهم في القرن الثالث يتسابقون للوقوع في هذا الكفر، فأورثهم ذلك ذلًا وعارًا ومقتًا من المسلمين، فأراد ابن بابويه الرجوع بهم إلى الأصل - كما هو الظاهر - ولكن عقيدة التقية لديهم جعلت محاولة ابن بابويه لا تثمر ثمارها، وتبع ابن بابويه ثلاثة آخرون من شيوخهم، كلهم أنكروا هذا - كما مر -.
ويذكر النوري الطبرسي بأنه لا يوجد من القرن الرابع إلى القرن السادس خامس لهؤلاء الأربعة الذين ذكرناهم، ويقول إنه: "لم يعرف الخلاف صريحًا إلا من هؤلاء الأربعة" (٣) .
إذن بعدما استشرى هذا البلاء في الإمامية لم نجد من شيوخهم من يعلن إنكاره
_________________
(١) حيث ذكر أن "جماعة من أهل الإمامة (قالت): إنه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة" (انظر: أوائل المقالات: ص ٥٥)، وسنرى في مبحث "عقيدتهم في الإجماع " اضطرابهم في أمر الإجماع حيث تجد الإجماعات المتعارضة، ودعوى الشخص منهم للإجماع مع نقله للخلاف فيه
(٢) فصل الخطاب، الورقة ١١١ (النسخة المخطوطة)
(٣) فصل الخطاب: ١٥ (المخطوط) وص ٣٤
[ ١ / ٢٧٦ ]
لهذا إلا هؤلاء الأربعة (١) . وقد أشرنا من قبل إلى أن ابن حزم يذكر بأن الإمامية كلها على هذا الباطل إلا ثلاثة، ومن هؤلاء الثلاثة الشريف المرتضى.
وقد تحدث شيوخهم أن الإمامية لم تتفق على هذا الكفر. يقول صاحب "قوامع الفضول": "إن المحكي عن ظاهر الكليني وشيخه عليّ بن إبراهيم القمي والشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج وقوع التحريف والزيادة والنقصان فيه، بل وحكي ذلك عن أكثر الأخباريين، وعن السيد الصدوق (٢) . والمحقق (٣) . إنكار ذلك، بل وحكي عن جمهور المجتهدين، وظاهر الصدوق في اعتقاداته أن المراد بما ورد في الأخبار الدالة على أن في القرآن الذي جمعه أمير المؤمنين - ﵁ - كان زيادة لم يكن في غيرها أنها كانت من باب الأحاديث القدسية لا القرآن" (٤) .
_________________
(١) وقد نقل الشيخ إحسان إلهي ظهير هذا القول، وتحدى الشيعة أن تأتي بخامس لهؤلاء (الشيعة والسنة ص ١٢٤) . والذي يجب ملاحظته في هذا الأمر ما يلي: أولًا: أن مفيدهم ذكر أن الخلافة لهذا الكفر قد ذهب إليه جماعة من أهل الإمامة (انظر: أوائل المقالات ص ٥٥)، فهل هو يشير بهذا إلى خلاف الثلاثة (لأن الطبرسي من القرن السادس) أو يشير إلى أكثر من ذلك ولاسيما أن وصفهم بأنهم جماعة، يشعر بكثرتهم؟. وقد شك في هذا صاحب فصل الخطاب نفسه وقال: "ولم يعرف من القدماء موافق لهم إلا ما حكاه المفيد من جماعة من أهل الإمامة، والظاهر أنه أراد منها الصدوق وأتباعه" (انظر: فصل الخطاب ص ٣٣) . ثانيًا: أن أوائل الشيعة كلهم على خلاف هذا الكفر، وقد استحدث هذا القول فئة من الزنادقة قد اندسوا في الروافض، فقول النوري: "لم يعرف من القدماء موافق لهم" هو كذب ظاهر؛ إذ إن كل أوائل الشيعة وقدمائها معهم. ثالثًا: أن الأشعري في مقالات الإسلاميين نسب الإنكار لهذه الفرية إلى طائفة منهم، وهو يشعر بأنهم ليسوا بثلاثة فقط (انظر مقالات الإسلاميين: ١/ ١١٩-١٢٠)
(٢) لقب يطلقونه على ابن بابويه القمي صاحب من لا يحضره الفقيه
(٣) يطلق لقب المحقق على محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، وعلى جعفر بن الحسن ابن يحيى المتوفى سنة (٦٧٦هـ) (انظر: أغابزرك/ الأنوار الساطعة ص ١٤٦) وهو هنا يريد الأول (الطوسي)
(٤) قوامع الفصول: ص ٢٩٨
[ ١ / ٢٧٧ ]
وكذلك أشار الطبرسي في فصل الخطاب إلى مثل ذلك وتوسع في ذكر الذاهبين إلى التحريف فمما قاله: "اعلم أن لهم في ذلك أقوالًا مشورها اثنان: الأول وقع التغيير والنقصان فيه"، ثم ذكر من قال بذلك من شيوخهم، ونقل كلمات بعضهم في هذا، ويلاحظ أنه يحاول المبالغة في جعل معظم رجالات طائفته على هذا القول، بل إنه ذكر مصنفات لا يوجد لها عين ولا أثر، وذكر أنها تسمى باسم "التحريف" أو "التبديل"، واستظهر أن أصحابها كانوا على مذهبه (١)، ولمعارضه أن يقول: ما المانع أن تكون هذه المصنفات لنقد تحريف الشيعة لمعاني القرآن، أو لنقد دعواهم تحريف ألفاظه وأخذت ذلك الاسم.
ثم ذكر القول الثاني فقال: "الثاني: عدم وقوع التغيير والنقصان فيه وأن جميع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله هو الموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين، وإليه ذهب الصدوق في عقائده والسيد المرتضى، وشيخ الطائفة في التبيان، ولم يعرف من القدماء موافق لهم إلا ما حكاه المفيد عن جماعة من أهل الإمامة، والظاهر أنه أراد منها الصدوق وأتباعه" (٢) .
وقوله: "لم يعرف من القدماء موافق لهم" يعني قدماء شيوخه الإمامية، الرافضة، أم أسلافهم من الشيعة فلم يصل بهم الأمر إلى هذا الحد - كما تقدم -.
ثم قال هذا النوري: "ثم شاع هذا المذهب (يعني إنكار التحريف) بين الأصوليين من أصحابنا واشتهر بينهم حتى قال المحقق الكاظمي في شرح الوافية: إنه حكي عليه الإجماع" (٣) . ثم حاول رد دعوى الإجماع.. ليجعل جل الشيعة الاثني عشرية على مذهبه.
فإذن هل ننتهي من هذا إلى أن الاثني عشرية لم يتفقوا على هذا الكفر،
_________________
(١) انظر: فصل الخطاب: ٣٠-٣١
(٢) فصل الخطاب: ص ٣٣
(٣) فصل الخطاب: ص ٣٨
[ ١ / ٢٧٨ ]
بل لهم قولان في هذه المسألة، كما أشار إلى ذلك الأشعري في مقالاته كما سلف، أو أنه قول واحد والإنكار تقية؟ هذا ما سنعرض له في المسألة التالية: