يقول: "اعتقادنا أن القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيه محمد وهو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس، وليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربعة عشر (١) . سورة، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة، ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب"، ثم استدل بما جاء في رواياتهم في ثواب من قرأ سورة من القرآن، وثواب من ختم القرآن كله، وأن هذا ينفي تلك الدعاوى الباطلة.
ثم قال: "بل نقول: إنه قد نزل من الوحي الذي ليس بقرآن ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه مقدرًا سبع عشرة ألف آية". واستشهد على ذلك ببعض الأحاديث القدسية الواردة عندهم، ثم قال: "ومثل هذا كثير كله وحي ليس بقرآن، ولو كان قرآنًا لكان مقرونًا به وموصولًا إليه غير مفصول عنه كما قال أمير المؤمنين لما جمعه، فلما جاء به فقال لهم: هذا كتاب الله ربكم كما أنزل على نبيكم لم يزد فيه حرف ولم ينقص منه حرف، فقالوا: لا حاجة لنا فيه، عندنا مثل الذي عندك. فانصرف وهو يقول: فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون" (٢) .
هذا ما قاله ابن بابويه نقلته بطوله لندرة المصدر المنقول عنه، ولأن معظم من ينقل عنه من كتب الشيعة وغيرها يكتفي بنقل صدر كلامه مما لا يعطي تصورًا كاملًا عن مذهب الرجل.
ومن خلال الكلمات السابقة يلاحظ ما يلي:
أولًا: إن الرجل يعد هذا القول مذهب الشيعة الإمامية كلها، ولهذا قال صاحب فصل الخطاب بعد نقله لهذا النص: "وظاهر قوله: اعتقادنا، وقوله: نسب إلينا، اعتقاد الإمامية" (٣) . ثم انتقده في ذلك وقال: "وقد ذكر في هذا الكتاب ما لم يقل به
_________________
(١) كذا في الأصل وهو خطأ لغوي، والصحيح "أربعة عشرة سورة"
(٢) الاعتقادات: ص ١٠١-١٠٣
(٣) فصل الخطاب: ص٣٣
[ ١ / ٢٨٤ ]
غيره أو قال به قليل" (١) .
وقد سبق أن قلت: إن صاحب فصل الخطاب متحمس لأن يجعل جميع الشيعة على مذهبه.
ثانيًا: في قوله: "ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب" تكذيب للكليني صاحب الكافي وشيخه القمي صاحب التفسير والنعماني صاحب الغيبة وغيرهم الذين يجاهرون بهذا المعتقد، ويعدونه من مذهب الإمامية، أو كأنه يعتبر من يقول بهذا ليس في عداد الشيعة.
ثالثًا: لا نرى إشارة منه إلى وجود رأي آخر في هذا عندهم، كما أشار إلى ذلك الأشعري وغيره، وكأنه يعتبر من يخالف في هذا خارج نطاق التشيع إلا إن كان في الأمر تقية.
رابعًا: كأنه في قوله: " ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه سبع عشرة ألف آية" يفسر فيه رواية الكليني والتي تقول: "إن القرآن الذي جاء به جبرائيل ﵇ إلى محمد ﵌ سبعة عشر ألف آية" وآيات القرآن كما هو معروف لا تتجاوز ستة آلاف آية إلا قليلًا، لكن الكليني ينص كما ترى على أنها من القرآن، بينما ابن بابويه ينص على أنها ليست من القرآن ويحملها على الأحاديث القدسية - كما سلف -.
خامسًا: لم يتحرر - كما ترى - من رواسب وآثاره الروايات الأسطورية والتي علقت في ذهنه في هذا الباب.. فتراه يكاد ينقص ما قرره.. بالرواية الأخيرة التي ذكرها في عرض علي المصحف على الصحابة وردهم له.. إن إقراره لهذه الخرافة يفتح الباب لأن يقال فيه بأن إنكاره كان على سبيل التقية وهو ما قيل فعلًا من قبل بعض الشيعة، ومن لدن بعض أهل السنة، ولكنه على أية حال لم يتجرأ أن يقول
_________________
(١) فصل الخطاب: ص٣٣
[ ١ / ٢٨٥ ]
في كتاب الله شيئًا وأراد إنقاذ سمعة طائفته من العار الذي لحقها، ولم يستطع أن يجابه قومه بإنكار روايتهم رأسًا، أو لم يتمكن من الخلاص النهائي عن تلك السموم، أو أراد الإنكار على سبيل التقية وزرع في كلامه ما ينبئ عن ذلك. الله أعلم بالسرائر.
لكن أرى من الشيعة من يذهب إلى القول بأن إنكاره تقية كنعمة الله الجزائري، ولكن لا يقدم دليلًا معينًا على هذا القول، ويكتفي بمجرد الدعوى بأنه روى في كتبه بأن الآية هكذا أنزلت ثم غيرت إلى هذا.. وبالرجوع إلى بعض كتب ابن بابويه المعروف عندهم بالصدوق للبحث عن روايات هذه الأسطورة في كتبه، فنجد من روايات هذه الأسطورة حكاية الزنديق الذي جاء لسؤال علي بن أبي طالب - كما يزعمون - والذي مر بنا نقل بعض نصوصه، والذي رواه شيخهم الطبرسي (من القرن السادس) في كتابه الاحتجاج وفيه تسعة مواضع كلها تدل على هذا الكفر (١) . كما شهد بذلك النوري الطبرسي (٢)، نجد أن هذا الخبر يورده صدوقهم هذا في كتابه التوحيد وليس فيه ما يدل على أسطورة التحريف (٣) . فهل هذه الأسطورة زادت بعد قرنين من عصر ابن بابويه لتحشى بهذا الكفر، أو أن ابن بابويه نفسه حذف ذلك.. على آية حال هي تشهد بسلامته من التلبس بحكاية هذا الكفر الذي حملته رواية الطبرسي.
وقد احتار صاحب فصل الخطاب في تعليل هذا فقال: "وساق (يعني صدوقهم) الخبر (خبر الزنديق) مع نقصان كثير عما في الاحتجاج، منه ما يتعلق بنقصان القرآن وتغييره، إما لعدم الحاجة إليه كما يفعل ذلك كثيرًا، أو لعدم موافقته لمذهبه" (٤) . ولكن ألا يحتمل أن يكون الأصل هو ما في كتاب التوحيد، وأن تلك
_________________
(١) انظر: الاحتجاج ص ٢٤٠
(٢) النوري/ فصل الخطاب: ص ٢٤٠
(٣) انظر: التوحيد ص ٢٥٥ وما بعدها
(٤) فصل الخطاب: ص ٢٤٠
[ ١ / ٢٨٦ ]
المفتريات المتعلقة بالتحريف زيادة بعد الصدوق من صاحب الاحتجاج أو غيرها، هذا احتمال وارد ولاسيما أن صدوقهم لم يشر إلى أن حذف منه شيئًا.
ولقد اغتاظ - فيما يبدو - صاحب فصل الخطاب من صدوقهم بسبب ذلك وقال - نقلًا عن بعض شيوخه -: ".. وبالجملة فأمر الصدوق مضطرب جدًا، ولا يحصل من فتواه علم ولا ظن لا يحصل من فتاوى وأساطين المتأخرين وكذلك الحال في تصحيحه وترجيحه" (١)، ثم قال: "وقد ذكر صاحب البحار حديثًا عنه في كتاب التوحيد.. ثم قال: هذا الخبر مأخوذ من الكافي وفيه تغييرات عجيبة تورث سوء الظن بالصدوق" (٢) . كل ذلك بسبب أن صدوقهم لم ينقل ذلك الكفر الذي نقله صاحب الكافي. وساق هذه "الانتقادات" صاحب فصل الخطاب، لأن ابن بابويه لم يوافقه في مشربه.
ولكن لم تسلم كل كتب الصدوق من هذا "الإلحاد" فقد جاء في كتابه "ثواب الأعمال" في ثواب من قرأ سورة الأحزاب، عن أبي عبد الله ﵁ قال: "من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب كان يوم القيامة في جوار رسول الله ﵌ وأزواجه - إلى أن قال: - إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب وكانت أطول من سورة البقرة ولكن نقصوها وحرفوها" (٣) .
وفي كتاب الخصال جاء برواية تقول: "يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون إلى الله ﷿: المصحف، والمسجد، والعترة. يقول المصحف يا رب حرقوني ومزقوني.." (٤) .
_________________
(١) فصل الخطاب: ص ٢٤٠
(٢) فصل الخطاب: ص ٢٤٠، والمجلسي يقول هذا عن صدوقهم مع أنه يعتبر جميع كتبه ما عدا أربعة "لا تقصر في الاشتهار عن الكتب الأربعة التي عليها المدار في جميع الأعصار" (البحار: ١/٢٦) وقد أخرج له في بحاره عن سبعة عشر منها (البحار: ١/٧٣) وكتابه من لا يحضره الفقيه، أحد كتبهم الأربعة المعتمدة، فما هذا التناقض؟!
(٣) ثواب الأعمال: ص ١٣٩، وانظر: بحار الأنوار: ٩٢/٥٠
(٤) الخصال: ١/١٧٤-١٧٥
[ ١ / ٢٨٧ ]
وقد وردت في بحار الأنوار (١) . وعند بعض الناقلين (٢) . "حرفوني" وهي أدل على الوقوع في هذا الكفر، ولكنها خلاف الأصل.
وقد وردت بنحو ذلك في كتابه الأمالي، تقول الرواية التي يرويها صدوقهم بسنده عن جعفر الصادق عن أبيه عن آبائه ﵃ قال رسول الله ﵌: " اذكروا وقوفكم بين يدي الله.. فإنه لابد سائلكم عما عملتم بالثقلين من بعدي: كتاب الله، وعترتي، فانظروا أن لا تقولوا: أما الكتاب فغيرنا وحرفنا.." (٣) . وهذه الرواية لا تدل على فعلهم ولكنها تحذرهم، ولكن إذا قرنتها بما قبلها، وأنهم قد فعلوا - كما يزعمون - صارت من ذلك الكفر، وهناك روايات أخرى مماثلة نقلها صاحب فصل الخطاب بالواسطة أدع نقلها لعدم وقوفي عليها في كتب الصدوق (٤) .
كما أن ثمة روايات أخرى أوردها صاحب فصل الخطاب من كتب صدوقهم وهي قراءة واردة لا تدين الرجل وحدها (٥)، فليس هذا بغريب من ذلك الطبرسي، ولكن قد اغتر بصنيعه هذا بعض الكاتبين
_________________
(١) بحار الأنوار: ٩٢/٤٩
(٢) إحسان إلهي/ الشيعة والقرآن: ص ٦٨
(٣) أمالي الصدوق: ص ٢٣١
(٤) مثل ما نقله عن بشارة المصطفى للصدوق، بواسطة تفسير البرهان لمحدثهم "التوبلي" (فصل الخطاب: ص ١٥٧-١٥٨)
(٥) مثل الروايات الثلاث التي أوردها صاحب فصل الخطاب (ص ٢٥٩) عن معاني الأخبار (انظر: معاني الأخبار: ص ٣٣١) بأن في مصحف عائشة وحفصة "حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وصلاة العصر" وهذه قراءة ورادة. انظرهما في مصحف عائشة - تفسير الطبري: ٥/١٧٣ وما بعدها رقم ٥٣٩٣، ٥٣٩٤، ٥٣٩٧، ٥٤٦٦، ٥٤٦٧ (تحقيق الأخوين أحمد ومحمود شاكر) وانظر: تفسير ابن كثير: ١/٣٠٤، قال الشيخ أحمد شاكر: والخبر نقله الحافظ في الفتح: ٨/١٤٦، والسيوطي: ١/٣٠٤، ولم ينسباه لغير الطبري، وذكره ابن حزم في المحلى: ٤/٣٥٤، ورواه عبد الرزاق في المصنف: ١/١٢٨ (تفسير الطبري ص ١٧٦الهامش ج) وانظر عن وجود هذه القراءة في مصحف حفصة: تفسير الطبري: ٥/٢٠٩، ٢١٠ رقم ٥٤٠٦، ٥٤٦٢، ٥٤٦٣، تفسير ابن كثير: ١/٣٠٤. وقد جاء في صحيح مسلم ما يدل على نسخ هذه التلاوة (صحيح مسلم: ١/٤٣٨، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر)
[ ١ / ٢٨٨ ]
من السنة، وسلك مسلكه بلا تدبر (١) .
وننتهي من هذا إلى أنه جاء في كتب صدوقهم بعض روايات هذه الفرية، ومع ذلك فلا نجزم بالقول أنه هذه عقيدته وأن الإنكار تقية كما قال بعضهم، ذلك لأنه لا يوثق بخلو كتبه من الدس والزيادة عليه، وليس ذلك مجرد تخمين لا دليل عليه؛ بل إن الزيادة أمر ميسور عندهم، كما بدا لنا ذلك في كتاب: "سليم بن قيس" والذي اعترف بوضعه والتغيير فيه شيوخهم - كما سلف - وكما زادوا في روايات كتاب: "من لا يحضره الفقيه" لابن بابويه نفسه أكثر من الضعف كما سيأتي في فصل: "اعتقادهم في السنة".