أما شيخهم الطوسي (ت٤٥٠هـ) فقد قال: "وأما الكلام في زيادته ونقصانه مما لا يليق به أيضًا؛ لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضًا من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، ورويت روايات كثيرة من جهة العامة والخاصة بنقصان كثير من آي القرآن ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، لكن طريقها الآحاد التي لا توجب علمًا، فالأولى الإعراض عنها، وترك التشاغل بها، لأنه يمكن تأويلها، ولو صحت لما كان ذلك طعنًا على ما هو موجود بين الدفتين، فإن ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأئمة ولا يدفعه، ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته والتمسك بما فيه ورد ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه وعرضها عليه، فما وافقه عمل عليه، وما يخالفه يجتنب ولم يتلفت إليه، وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وآله رواية لا يدفعها أحد أنه قال: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر، لأنه
_________________
(١) مثل: إحسان إلهي ظهير/ الشيعة والقرآن ص ٩٦، محمد مال الله/ الشيعة وتحريف القرآن: ص ١٢٢
[ ١ / ٢٨٩ ]
لا يجوز أن يأمر الأمة بالتمسك بما لا تقدر على التمسك به، كما أن أهل البيت ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت، وإذا كان الموجود بيننا مجمعًا على صحته فينبغي أن نتشاغل بتفسيره وبيان معانيه وترك ما سواه" (١) .
هذا كلام شيخهم الطوسي صاحب كتابين من كتبهم المعتمدة في الحديث عندهم، وكتابين من كتبهم المعتمدة في الرجال، فهل هذا الإنكار تقية..؟.
أقول: إن مسألة التقية من أماراتها التناقض والاختلاف، ولكن التناقض صار قاعدة مطردة في رواياتهم، بل وجد مثل ذلك في إجماعاتهم، كما وجد في كلام شيوخهم، وأصبح معرفة حقيقة المذهب ليست متيسرة حتى على شيوخهم الذين لا يجدون دليلًا على التمييز بين ما هو تقية وما حقيقة إلا بالاستناد إلى أصل وضعه زنديق ملحد وهو قولهم: "إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم" (٢) . يعني أهل السنة، فأوشك أن ينتهي بهم هذا المهذب إلى مفارقة الدين رأسًا (٣) .
وعليه، فإن قضية الاختلاف هي ظاهرة طبيعية لكل دين ليس من شرع الله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾: فهو حينما ينقل رواياتهم في كتبه فمن الطبيعي وجود مثل هذا الاختلاف، وبالتالي فإنه لا يدين الرجل إدانة أكيدة بعد إنكاره، ولا سيما أن العبرة بالنسبة لبيان مذهبه بما رأى لا بما روى.
لقد لوحظ أن الطوسي هذا نقل في تهذيبه لرجال الكشي بعض روايات هذه الأسطورة كنقله للرواية التي تقول: "لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله، وخانوا أماناتهم، إنهم اؤتمنوا على كتاب الله جل وعلا فحرّفوا وبدّلوه.." (٤) . كما أنه قد
_________________
(١) التبيان: ١/٣
(٢) البحار: ٢/٢٣٣
(٣) سيأتي إن شاء الله بحث في هذه المسألة في: "فصل الإجماع"
(٤) رجال الكشي: ص٤
[ ١ / ٢٩٠ ]
نقل بعض أخبار هذه الأسطورة على أنها قراءة في تفسيره التبيان (١) .
ولكن يرى أن كل هذه الروايات من قبيل روايات الآحاد التي لا يعتمد عليها - كما ذكره في إنكاره - ولا تدفع ما تضافر من رواياتهم التي توجب العمل بالقرآن والرجوع إليه عند التنازع.
أما صاحب فصل الخاطب فقد اختلفت أقواله في توجيه هذا الإنكار الذي يقلقه لمخالفته لمذهبه؛ فهو مرة يرى أن هذا القول لا يمثل إلا رأي الطوسي وفئة قليلة من الشيعة معه يقول: ".. إنه ليس فيه حكاية إجماع عليه، بل قوله: نصره المرتضى صريح في عدمه، بل في قلة الذاهبين إليه" (٢)، ثم يرجع ويقول: بأن هذا القول منه تقية، لأن هذا الإنكار جاء في تفسير التبيان و"لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان أن طريقته فيه على نهاية المدارة والمماشاة مع المخالفين" (٣) . ويعلل ذلك باستناده لأقوال أئمة أهل السنة في التفسير (٤)، ولا يكاد يجزم بهذا الحكم كما يشعر به قوله: " وهو - أي نقل الطوسي لأقوال أئمة السنة - بمكان من الغرابة لو لم يكن على وجه المماشاة، فمن المحتمل أن يكون هذا القول - يعني
_________________
(١) كما في تفسيره قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قال: وفي قراءة أهل البيت: ﴿وآل محمد على العالمين﴾ وهذا تلطف في التعبير، أو محاولة للتغير في أساطيرهم التي تنص على أن هذه ليست قراءة، وإنما هي من باب التحريف بفعل الصحابة كما يفترون، (وسيأتي ذكر نصوصها بعد قليل في مناقشة الطبرسي) . وهذا التغيير قد يكون الهدف منه التستر على الفضيحة، أو محاولة لانتشال طائفة من قومه من تلك الوهدة التي تردوا فيها بفعل ذلك الأساطير، وربما يكون ما عند الطوسي هو الأصل والزيادات التي تصرح بالتحريف هو ما جعل شيوخ الدولة الصفوية. لكن يرد على ذلك أن تلك الروايات موجودة في كتب معاصرة للطوسي أو أقدم، كتفسير القمي والعياشي وفرات، إلا إذا قلنا إن الشيعة يغيرون في كتب قدمائهم كما فعلوا في كتاب سليم بن قيس
(٢) فصل الخطاب: ص ٣٨
(٣) فصل الخطاب: ص ٣٨
(٤) وقد مضى نقل النص بتمامه ص: (١٩٨-١٩٩)
[ ١ / ٢٩١ ]
إنكار التحريف - منه (من الطوسي) فيه (في تفسير البيان) على نحو ذلك (أي من المدارة والتقية) ".
وثم يتجه وجهة أخرى ويشير إلى أن في كلام الطوسي تناقضًا يشعر أنه تقية فقال: "إن إخباره بأن ما دل على النقصان روايات كثيرة يناقض قوله: لكن طريقه الآحاد، إلا أن يحمل ما ذكرنا" (١) . أي من التقية.
ثم يعرض عن هذا كله ويقول: إن الطوسي "معذور (في إنكاره) لقلة تتبعه من قلة تلك الكتب عنده" (٢) .
هذا جانب من حيرة الطبرسي في أمر الطوسي وغيره من المنكرين لهذه الفرية، فإذا كان هذا أمر شيوخهم لا يكادون يقفون على حقيقة مذهب أئمتهم وشيوخهم القدامى بسبب أمر التقية فنحن أعذر في عدم الوصول إليه نتيجة جازمة يقينية.
والطوسي كما يلاحظ في إنكاره قد دس في الشهد سمًا، وتناقض في حكاية مذهبه كما لا يخفى (٣) .
_________________
(١) فصل الخطاب: ص ٣٨
(٢) فصل الخطاب: ص ٣٥١
(٣) من ذلك زعمه أن العامة - يعني بهم أهل السنة - قد شاركوا طائفته في رواية هذا الكفر. وهذا كذب، وقد شهد شيخهم المفيد بتفرد طائفته بهذا البلاء (أوائل المقالات ص ١٣) . وأجمل أهل السنة، بل المسلمون جميعًا على صيانة كتاب الله ﷿ وسلامته من التحريف أو الزيادة أو النقص، محفوظ بحفظ الله له. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الحجر، آية: ٩ وانظر ما قاله في هذا علماء التفسير من أهل السنة حول هذه الآية (انظر: القرطبي/ جامع أحكام القرآن: ١٠/٦٥، النسفي/ مدارك التأويل: ٢/١٧٩، تفسير الخازن: ٤/٤٧، تفسير ابن كثير: ٢/٥٩٢، تفسير البغوي: ٣/٤٤، البيضاوي/ أنوار التنزيل: ١/٥٣٨، الألوسي/ روح المعاني: ١٤/١٦، صديق خان/ فتح البيان: ٥/١٦٨، ١٦٩، الشنقيطي/ أضواء البيان: ٣/١٢٠، سيد قطب/ في ظلال القرآن: ٥/١٩٤ وغيرها. وانظر في نقل أئمة السنة لإجماع المسلمين على حفظ كتاب الله وسلامته، وتكفيرهم لمن خالف ذلك: انظر: القاضي عياض/ الشفاء: ٢/٣٠٤-٣٠٥، ابن قدامة/ لمعة الاعتقاد: ص٢٠، البغدادي/ الفرق بين الفرق: ص ٣٢٧، ابن حزم/ الفصل: ٥/٢٢ وغيرها.
[ ١ / ٢٩٢ ]