أما الطبرسي فيقول: ".. ومن ذلك الكلام في زيادة القرآن ونقصانه، فإنه لا يليق بالتفسير، فأما الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييرًا ونقصانًا، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى قدس الله وروحه، واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات" ثم ساق بعض كلامه في ذلك (٢) .
فهو يشير هنا إلى أن جماعة من أصحابه رووا روايات في نقص كتاب الله وتغييره، وأن مذهب محققي الشيعة على خلافه، ويحاول - كعادة هؤلاء - أن يشرك بعض أهل السنة الذي عبر عنهم "بحشوية العامة" في هذا الكفر كنوع من الدفاع عن المذهب، وحفظ ماء الوجه، ولون من النقد المبطن لأهل السنة، وهو كما قال الألوسي: "كذب أو سوء فهم، لأنهم أجمعوا على عدم وقوع النقص فيما تواتر قرآنًا كما هو موجود بين الدفتين اليوم.
نعم أسقط زمن الصديق ما لم يتواتر ونسخت تلاوته - وكان يقرأه من لم يبلغه النسخ - وما لم يكن في العرضة الأخيرة ولم يأل جهدًا ﵁ في تحقيق ذلك إلا أنه لم ينتشر نوره في الآفاق إلا زمن ذي النورين.." (٣) . وقد ناقش الألوسي ما قاله الطبرسي وبين أوهامه (٤) .
_________________
(١) أخرجه ابن أبي داود بسند صحيح كما قاله ابن حجر في فتح الباري: ١٣/١٨
(٢) تقدم ذكره ص (٣٥٨)
(٣) روح المعاني: ١/٢٥
(٤) روح المعاني: ١/٢٤-٢٥
[ ١ / ٢٩٥ ]
وقد ذكر الألوسي أن كلامه هذا في إنكار هذه الفرية دعاه إليه ظهور فساد مذهب أصحابه حتى للأطفال، والحمد لله على أن ظهر الحق وكفى الله المؤمنين القتال (١) .
وقد اكتشفت أثناء قراءتي في مجمع البيان أن الطبرسي قد قام بحيلة أو محاولة لستر هذا العار، فأتى إلى بعض روايات أصحابه في هذه الأسطورة والتي فيها أن الآية كذا ثم غيرت إلى كذا، فغير صورة عرضها بما ينخدع به أهل السنة، أو بما لا تتضح به صورة هذا الخزي، فعبر عن بعض هذه الأساطير بأنها قراءة ورادة.
ولنعرض على سبيل المثال بعض الأمثلة لأساطيرهم في التحريف كما جاءت في مصادرهم، وتغيير الطبرسي لها:
جاء في تفسير القمي في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٢) . قال العالم (٣) .- ﵁ - نزل: "وآل عمران وآل محمد على العالمين" فأسقطوا آل محمد من الكتاب (٤) .
وفي تفسير فرات عن حمران قال: سمعت أبا جعفر يقرأ هذه الآية: (إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل محمد على العالمين: قلت: ليس يقرأ هكذا، قال أدخل حرف مكان حرف) (٥) .
وفي تفسير العياشي عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قال: "هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين فوضوا اسمًا مكان اسم" (٦) .
والهدف من
_________________
(١) روح المعاني: ١/٢٤
(٢) آل عمران، آية: ٣٣
(٣) كناية عن الإمام
(٤) تفسير القمي: ١/١٠٠
(٥) تفسير فرات: ص١٨، بحار الأنوار: ٩٢/٥٦
(٦) تفسير العياشي: ١/١٦٨، البرهان: ١/٢٧٨، فصل الخطاب: ص ٢٤٤
[ ١ / ٢٩٦ ]
هذا الافتراء والتزوير هو محاولة إثبات قولهم باثني عشر إمامًا من كتاب الله، وفاتهم أن آل محمد لفظ عام، والاثني عشر عندهم هم عليّ وابناه وأولاد أحد أبنائه فقط، وما سواهم ينالون السب أو التفكير - كما سيأتي - فلم يتحقق الهدف لهم من التزوير ولا من التأويل، وهذه الأساطير التي تفتري على كتاب الله، وصحابة رسول الله بما فيهم أهل بيته، والتي تناقلتها كتب التفسير عندهم، نلاحظ أن صاحب مجمع البيان يعبر عنها بقوله: "وفي قراءة أهل البيت: وآل محمد على العالمين" (١) . وكذلك فعل في عدة من مفترياتهم جعلها قراءات (٢) .
وأحيانًا يجعل تلك الفرية معنى للآية؛ ففي أسطورتهم حول قوله جل شأنه:
_________________
(١) مجمع البيان: ٢/٦٢
(٢) كما في قوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ التوبة، آية: ٧٣ جاء في تفسير القمي: "إنما نزلت: "جاهد الكفار بالمنافقين" لأن النبي ﷺ لم يجاهد المنافقين بالسيف". (تفسير القمي: ١/٣٠١)، وهي أسطورة وضعت لتوافق مذهب الرافضة في الصحابة في رميهم بالنفاق، وزعمت أن الله يأمر رسوله بالاعتماد على المنافقين في الجهاد، وجعلت الجهاد في الإسلام قائمًا على أكتاف المنافقين، فهي جهل فاضح بالإسلام، وتاريخ المسلمين، وتفسير القرآن، أو زندقة إلحاد، ومع ذلك فإن الطبرسي يعبر عن هذه الأسطورة بقوله: "وروي في قراءة أهل البيت: جاهد الكفار بالمنافقين"، وحاول أن يوجه الآية بقوله: "وإنما كان يتألفهم لأن المنافقين لا يظهرون الكفر، وعلم الله تعالى بكفرهم لا يبيح قتلهم، إذ كانوا يظهرون الإيمان" (مجمع البيان: ٣/١٠٠)، ولكن هذا التعليل لا ينسجم بحال مع معنى الآية، فالله يأمر نبيه بجاهد الكفار والمنافقين، فكيف تجعل تألف المنافقين هو جهاد للكفار بهم، ولم يقم الجهاد في الإسلام بالمنافقين ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا﴾ التوبة، آية: ٤٧ وقد قال السلف في تفسير الآية: جاهد الكفار بالسيف والقتل، وكذلك جاهد المنافقين باللسان وترك الرفق، كما قال ابن عباس، أو باليد أو اللسان أو القلب على حسب القدرة، ولا تلقهم إلا بوجه مكفهر كما قال ابن مسعود، أو بإقامة الحدود عليهم كما قال الحسن وقتادة. وكلها معان تدل على مجاهد المنافقين وعدم العفو عنهم. ولهذا قال عطاء: نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح (انظر: تفسير الطبري: ١٢/١٨٣-١٧٤، تفسير البغوي: ٢/٣١١) وأنت ترى الفرق الكبير بين نص الآية الذي يأمر بجهاد المنافقين، وبين تلك القراءة المفتراة التي تأمر بالجهاد بهم
[ ١ / ٢٩٧ ]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (١) . قالت الأسطورة: "عن أبي جعفر نزل جبرائيل على رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الآية هكذا: "ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله (في علي) فأحبط أعمالهم" انظر إلى هذه الزيادة التي افتروها وهي قولهم: "في علي" (٢) . تجدها تتحول عند الطبرسي إلى معنى للآية يقول: "كرهوا ما أنزل الله في حق علي ﵁" (٣) .
هذا بعض ما جاء في كتاب مجمع البيان، الذي سار في تأليفه على منهج الطوسي في التبيان، وقرر ثقة الشيعة في العصور المتأخرة "النوري الطبرسي" أن كتاب التبيان موضوع على أسلوب المداراة وتقية الخصوم، فإن صدق هذا الوصف انطبق على الاثنين معًا، لأن منهجهما واحد، وقد انخدع بأسلوب "مجمع البيان" قلة من المنتسبين لأهل السنة ممن ينتمي لدار التقريب في القاهرة، والتي كانت حية إلى وقت قريب قبل أن تتبين حقيقتها.. فقاموا بإخراج هذا الكتاب باسم التقريب وعمل على مراجعته وتصحيحه وضبطه ستة من الشيوخ المنتسبين لأهل السنة (٤)، وذلك لأن من لم يتعرف على نصوصهم لا يدرك "الخدعة" التي انطوى عليها هذا التفسير.. ويبدو أن ذلك الأسلوب هو الذي جعل بعض الشيعة يعتبر إنكار الطبرسي تقية.
هؤلاء هم الأربعة الذين نقلت أقوالهم، وقد يكون هناك من أنكر غيرهم ولم تصلنا أقوالهم، فإن المفيد في أوائل المقالات نسب الإنكار إلى جماعة من الإمامية - كما سلف - ولا نجزم بأن هؤلاء الأربعة لا يوجد لهم خامس في القرون المتقدمة كصاحب فصل الخطاب الذي يريد أن يخنق هذا الصوت، ويجعل جل الشيعة على مذهبه (٥) .
_________________
(١) سورة محمد، آية: ٩
(٢) انظر: فصل الخطاب: ٣٣٠ - ٣٣١
(٣) مجمع البيان: ٦/٣٢
(٤) انظر: مجمع البيان: ١٠/٥٧٥ (كلمة ختامية) ط. دار التقريب
(٥) انظر: ص (٣٣٨) هامش (٢) من هذه الرسالة
[ ١ / ٢٩٨ ]
وفي النهاية أقول: بأن هذا الموقف من كبار علماء الشيعة في رد وإنكار ما ورد في كتبهم مما يمس كتاب الله - سبحانه - لا نقول: إنه تقية فلا سبيل إلى معرفة ذلك على وجه اليقين، وإن كان البعض من السنة (١) . والشيعة (٢) . قد ذهب إلى ذلك، فقد لاحظت الصراع الدائر بين الطائفتين في فصل الخطاب، كما تبين شيوع الكذب والدس فيكتبهم كما بينا، ثم إن من يتبرأ من هذا الكفر (بعد إيمانه بالله ورسوله) نقبل ذلك منه والله يتولى السرائر.
وهذا الإنكار خطوة يجب أن تتلوها خطوات، وذلك بأن يعيدوا النظر في سائر ما شذوا به عن جماعة المسلمين، وقد أشار شيخهم المجلسي - كما مر - إلى أنهم يجب أن يسلكوا هذا المسلك، إذ يترتب في رأيه على إنكار أخبار التحريف التي تواترت من طرقهم بالكذب والافتراء يترتب على ذلك رفع الثقة والاعتماد في سائر أخبارهم.. وهذا حق، فإن تواتر هذا الكذب في كتبهم من أكبر الأدلة على وضعها وفشو الكذب فيها.