مناهج المخالفين في التكفير
ما سبق ذكره هو موقف أهل السنة من التكفير ويخالفهم في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والمرجئة والرافضة، وسنذكر مذهب كل فرقة من هؤلاء في هذا الموضوع.
أولا: الخوارج
الخوارج هم كل من كفر المسلمين وخرج على إمامهم.
وقد ابتلي المسلمون بهذه الفتنة وهذه الفرقة في عصر مبكر من تاريخ المسلمين حيث كان أوائلهم ظهر في عهد عثمان ﵁، وهم الذين قتلوه رضوان الله عليه ثم خرجوا على علي ﵁ وقاتلهم وقتلهم إلا أنهم قتلوه غيلة بعد، ثم خرجوا على حكام المسلمين تباعا إلى أزماننا هذه، ويعتبر الخوارج من أشد بلايا المسلمين عبر تاريخهم الطويل حيث نشروا القتل والدمار في كل مكان وجدوا فيه، بل صاروا من أكبر العقبات في انتشار الإسلام وانطلاقه إلى أمم الأرض بسبب إشغالهم الدول الإسلامية والخلفاء واستنزافهم لطاقات الدول وجهودها ومجهودها.
موقف الخوارج من التكفير:
الخوارج يكفرون المسلمين بالذنوب فيرون أن من ارتكب كبيرة من الكبائر فقد كفر بذلك وخرج من الإسلام وهو في الآخرة مخلد في النار لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.
ومنهم من يرى ذلك في الكبائر والصغائر ١.
_________________
(١) ١ انظر مقالات الإسلاميين ١/١٧٤-١٩٨، الفرق بين الفرق ص ٨٢-٩٠، الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار ٣/٦٦٨.
[ ٢ / ٧٤ ]
وهم يغلون في هذا غلوا شديدا حتى قد يعدون ما ليس ذنب ذنبًا، كما فعلوا مع عثمان ﵁ فكفروه بأمور أخذوها عليه وعلى ولاته هي في حقيقتها ليست ذنبا فضلا عن أن تكون كفرا، وكذلك فعلوا مع علي ﵁ فكفروه في مسألة التحكيم وخرجوا عليه مع أن الحق كان معه فيما فعل، وليس عليه فيما فعل ذنب فضلا عن أن يكون كفرًا.
ومنهم من يكفر من لا يخرج معهم ولا يكون في معسكرهم وهم يرون أن من كفروه فهو في النار خالدا مخلدا فيها أبدا١.
والإباضية من الخوارج يسمون مرتكب الكبيرة كافر نعمة وكافر نفاق ويجرون عليه أحكام الموحدين في الدنيا أما في الآخرة فحكمه الخلود في نار جهنم لا يخرج منها أبدًا ولا تقبل فيه شفاعة٢.
واحتج الخوارج لقولهم بالتكفير بأدلة منها:
قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن٢]، فزعموا أن الله ذكر أن الناس فريقان كافر ومؤمن.
واستدلوا أيضا بقوله ﷿: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون١٠٢، ١٠٣]، فدل ذلك على أن كل من يدخل النار لا بد أن يكون كافرا ٣.
وكذلك قوله – ﷺ - "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٤ ونحوهما ويستدلون لذلك أيضا بأن الإيمان كل لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب
_________________
(١) ١ انظر مقالات الإسلاميين ١/١٦٧-١٧٠، الخوارج في العصر الأموي ص ١٩٥ ٢ الإباضية عقيدة ومذهبا ص ١٢١، الحق الدامغ لأحمد الخليلي ص ١٩١، مختصر تاريخ الإباضية لأبي الريع الباروني ص ٦٥. ٣ مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٣٣٧. ٤ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان عن ابن مسعود ﵁ ١/١٣٥.
[ ٢ / ٧٥ ]
كله. وعندهم أن الإيمان قول واعتقاد وعمل فإذا نقص شيء من القول أو العمل انهدم الإيمان كله وبطل.
الرد عليهم:
ما سبق ذكره هو من أهم أدلتهم في تكفير أصحاب الذنوب.
والرد عليهم من شقين:
الشق الأول: أنه ثبت بالشرع أن الفاسق من أهل الإسلام لا يكفر وذلك بأدلة كثيرة منها:
أولا: أدلة تدل على عدم تكفيره:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات٩]، فسماهم مؤمنين مع وجود القتال.
وقال ﷿ عن القاتل ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة١٧٨]
فسمى القاتل أخا لولي المقتول، فهذا دليل على عدم تكفيره، كما أن الشارع لم يعامل مرتكب الذنوب معاملة الكافر حيث أوجب في شارب الخمر الجلد والتغريب وفي السارق القطع، وقد أقام النبي ﷺ هذه الحدود على من وقع منه شيء من تلك المنكرات ولو كانوا بذلك كفارًا لوجب قتلهم لردتهم.
ثانيًا: أدلة دلت على أنه في الآخرة تحت المشيئة، ومن دخل النار يخرج منها، فقد دلت الأدلة العديدة على أن مرتكب الكبيرة تحت المشيئة من ذلك قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء٤٨] .
كما دلت الأدلة على أن من دخل النار من أهل الإيمان فإنه يخرج منها وقد سبق ذكر ذلك.
فهذا كله يدل على عدم تكفير مرتكب الكبيرة.
[ ٢ / ٧٦ ]
الشق الثاني: بيان بطلان استدلالهم بما استدلوا به.
الرد على استدلالهم بالآية الأولى، بأن يقال: إن الآية نصت على أن الناس صنفان مؤمنون وكفار، ومرتكب الكبيرة لا نعده من الكفار بل هو من المؤمنين وإن كان ناقص الإيمان فإنه لم يخرج عن دائرة الإيمان بما سبق ذكره من الأدلة.
أما الآية الثانية، فإن من خفت موازينه بالكفر بدليل أن الله ﵎ ذكر في آخر الآية علة خفة موازينهم ودخولهم النار بقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون١٠٥]، وأهل الكبائر ليسوا من المكذبين لآيات الله ﷿.
أما الأحاديث الوارد فيها إطلاق لفظ الكفر على بعض الأعمال فليس المراد به الكفر المخرج من الملة وإنما هو كفر دون كفر، وقد سبق ذكر الدليل على أن الشارع أطلق مثل هذه الألفاظ على بعض الأعمال، ولم يقصد بها الكفر المخرج من الملة.
أما قولهم: بأن الإيمان كل لا يتجزأ فإذا ذهب بعضه ذهب كله: فهذه حجة غير صحيحة لأن الإيمان مركب من أجزاء وشعب، وزوال الاسم في المركبات على وجهين:
منها ما يكون التركيب شرطًا في إطلاق الاسم، مثل اسم العشرة، شرط في إطلاق الاسم على ما يتكون من عشرة أجزاء،إذا نقصت عن العشرة زال عنها اسم العشرة وصارت تسعة أو ثمانية.
ومنها ما يكون التركيب ليس شرطا في إطلاق الاسم بل يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء، وأكثر المركبات من هذا النوع مثل المكيلات والموزونات فالحنطة وهي بعد النقص حنطة وكذلك التراب والماء لا يتغير اسمه بالنقص.
واسم الإيمان من هذا النوع، فلا يلزم من زوال بعض شعبه زوال الاسم بالكلية وذلك مثل الصلاة والحج فإنه إذا نقص يعض أعمالها لا يلزم بطلانها وإنما
[ ٢ / ٧٧ ]
تكون ناقصة، ما لم يكن النقص أتى على ما يكون بقاء الاسم شرطا فيه مثل الركوع والسجود بالنسبة للصلاة فتبطل بذلك، وكذلك الإيمان يبطل لو كان النقص أتى على أصل من أصوله مثل الشهادتين أو أحد أركان الإيمان، وما لم يكن كذلك فإنه لا يزول الاسم به،وإنما يزول عنه اسم الكمال فيكون إيمانه ناقصا بارتكابه لشيء من المنهيات لكن لا يزول عنه اسم الإيمان١.
_________________
(١) ١ مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص ٣٨٢، مجمع الفتاوى ٧/٥١٤-٥٢٠.
[ ٢ / ٧٨ ]