الفلاسفة: هم الذين ينظرون إلى طبائع الأشياء بفكرهم لمعرفة عللها وأسبابها الخفية وراء ظواهرها.
والفلاسفة لم يتوقفوا في النظر والتفكر فيما هو ظاهر أمام أعينهم من المخلوقات، وإنما راحوا يبحثون فيما وراء ذلك وهو الخالق جل وعلا، ويسمون ذلك ما وراء الطبيعة أو يسمونه الإلهيات. ١
وقبل أن نبين ما في كلام الفلاسفة في التوحيد من الخلل والخطل نشير إلى أن الفلاسفة دخلوا في هذا العلم بعقولهم المحدودة ونظرهم القاصر، وقد أدركوا أن كلامهم هو في أمر لا سبيل إلى التحقق منه بالعقول المجردة، وإنما هي محاولات لن يصلوا منها إلى نتيجة حاسمة أبدًا، فتبقى هكذا محاولات بلا نتائج لهذا قالوا: "إن عالم ما بعد الطبيعة عالم درج في غير عشه ببحثه عن شيء فوق الحقائق، فإذا هو شاعر". ٢
ومرادهم بقولهم "فإذا هو شاعر" أي يعبر عن خيالاته وأحاسيس نفسه بالعبارات المنمقة التي لا تعتمد على عرض الحقائق على ما هي عليه.
مدار المنهج الفلسفي في التوحيد:
إن الفلاسفة المتقدمين وخاصة من كان لهم دور في المتأخرين من فلاسفة اليهود والنصارى والمسلمين وهم فلاسفة اليونان ممن كانوا قبل المسيح ﵇ في حدود
_________________
(١) ١ مبادئ الفلسفة ص٢٤،٢٥. ٢ المرجع السابق ص٢٦.
[ ١ / ٩٥ ]
خمسمائة عام نظروا إلى الألوهية والربوبية نظرهم إلى سائر ما يحيط بهم من المخلوقات فكانوا على قولين في إثبات الخالق وإثبات وجوده:-
القول الأول: الملاحدة – وهم المنكرون لوجود الخالق ﵎. وهم فرقتان:
الأولى: الدهريون. القائلون بالجوهر١ الفرد، وهم جماعة من الفلاسفة يعتقدون أن الكون تكون من جواهر مفردة، أي ذرات صغيرة كانت موجودة تتحرك في الفضاء، ثم بسبب الحركة الوقتية تتجمع فتحدث مظاهر الحياة والوجود. وعلى هذا المذهب ديمقريطس وهيرقليطس وأبيقور فيما يبدو. ٢
الثانية: الوجوديون – وهم الذين يزعمون بأن الله تعالى عما يقولون هو هذا الكون كله، وليس له ذات قائم بنفسه، بل هو حال في كل شيء. وعلى هذا المذهب الرواقية ومنهم "زينون ٣وسبينوزا" اليهودي. ٤
وهذا المذهب من جنس سابقه في عدم إثبات وجود الله ﷿ وجودًا متميزًا عن سائر مخلوقاته، إلا أن من يسمون بالملاحدة أنكروا وجوده جملة وتفصيلا، أما هؤلاء فقد زعموا أن هذا الكون هو وجوده وهو ذاته، ولم يميزوه عن شيء من المخلوقات – تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرا -.
_________________
(١) ١ الجوهر كلمة ليست عربية ألأصل، بل معربة من الفارسية. انظر: اللسان ٤/١٥٣، فكرة الجوهر ص٢٦. ومعنى الجوهر هو عين الشيء، ومنهم من يقول: هو الحامل للأعراض المختفي خلف الظواهر، أو القائم بنفسه، إلى غير ذلك. انظر فكرة الجوهر ص٥٣. ٢ مبادئ الفلسفة ص١٦٤. ٣ موسوعة الفلسفة ١/٥٣٩. ٤ الموسوعة الفلسفية ص٢٤٠.
[ ١ / ٩٦ ]
القول الثاني: المؤلهة ١ - وهم القائلون بوجود موجود أعلى يسمونه الإله. وهم كثير من الفلاسفة منهم: سقراط وأفلاطون وأرسطو وأفلوطين وغيرهم من الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، إلا أنهم يختلفون في كلامهم عن هذا الإله بالنسبة لصفاته وأفعاله إلى أقوال تعود في جملتها إلى ادعاء أن الله ﵎ عقل أوحد لا يتغير ولا يتحرك، وهو محرك للأشياء كتحريك المعشوق لعاشقه، وهو علة وجود الأشياء.
وقالوا في إيجاد هذا الكون: إن المادة٢ والصورة٣ للأشياء أزلية غير مخلوقة، ثم إن الله ﵎ في زعمهم أوجد ما يسمونه النفس الكلية، ثم النفس الكلية صنعت نفوس الكواكب وجعلتها آلهة مثلها، ثم إن هذه النفوس تعاونت مع الله تعالى في صنع بقية العالم وتدبيره. ٤
فهذا القول مما يعزى إلى أكبر الفلاسفة وأعظمهم عند أتباعهم كسقراط وأفلاطون وأرسطو وأفلوطين وغيرهم. وهو قول في غاية السقوط والانحراف، ولا يقاربه في الانحراف والسخف إلا قول الملاحدة الذين ينكرون وجود الخالق جل وعلا ويتضح بطلانه من وجوه:
١ - أن كلامهم عن الخالق ﵎ كله من باب الظن والتخمين، لأنهم لم يروا الباري ﵎، ولم يروا شبيهًا له، ولم يشهدوا خلق السماوات
_________________
(١) ١ لا يعني قولنا: "المؤلهة" سوى أنهم يثبتون وجود موجود أعلى قد يعزون إليه ترتيب الموجودات الأخرى أو إيجاده منه آلهة أخرى، أو يعزون إليه التصرف في الموجودات وتدبير شؤونها. ٢ المادة: المراد بها عندهم جرم الشيء وجسمه قبل تصويره وإعطائه هيئة محددة. ٣ الصورة: المراد بها الهيئة والشكل الذي يكون عليه الشيء. ٤انظر هذا في كلام سقراط في موسوعة الفلسفة ١/٥٧٩، وفي كلام أفلاطون في موسوعة الفلسفة ١/١٠٤، وفي كلام أرسطو في الموسوعة الفلسفية ص٣٨.
[ ١ / ٩٧ ]
والأرض ولا خلق أنفسهم، كما لم يأخذوا قولهم هذا عن مخبر صادق، فبالتالي لا يعدو أن يكون ظنًا وتخمينا.
٢ - إن ما ذكروه في وصفهم لله ﵎ كلام فاسد لا يعدو أن يكون إثبات شيء ليس هو بشيء. وذلك يتضح من وجوه:
أولًا – قولهم إن الله تعالى عقل، وذلك يعني أن الله فكر أو فكرة أو شيء معقول ويعقل ويعقل. وهذا كله إثبات معنى بدون ذات، وهو أمر لا يعقل ولا يفهم، إنما المفهوم منه أنه لا ذات له جل وعلا، وكل مالا ذات له في الحقيقة لا وجود له أو لا وجود له بنفسه، بل يكون قائمًا في غيره، أو صادرًا عن غيره، مثل الأفكار والكلام، فهذه معاني تقوم بغيرها ولا تقوم بنفسها.
ثانيًا – قولهم بأنه واحد أو أوحد إنما مرادهم بذلك نفي صفاته، وهذا تعطيل له ونفي لوجوده، لأن كل موجود لابد أن يوصف بالصفات، فإذا نفيت عنه الصفات فذلك نفي لوجوده.
ثالثًا – قولهم إنه لا يتغير معناه نفي لفعله وتشبيه له بالمعدوم أو الجماد، فإن الذي لا يتغير هو الذي لا يفعل، لأن الفعل يلزم منه التغير، بمعنى أنه يريد ويأمر وينهى إلى غير ذلك. أما إذا كان لا يتغير فمعنى ذلك أنه جماد أو معدوم وحاشاه تعالى من ذلك.
رابعًا – قولهم إنه لا يتحرك فيه نفي لحياته، لأن فرق مابين الحي والميت الحركة، فالشيء الذي لا يتحرك هو الميت.
خامسًا – قولهم إنه محرك لغيره بدون أن يتحرك كلام غير صحيح، ولا يمكن وجوده مع دعاويهم السابقة التي تضمنت نفي ذاته ونفي فعله ونفي حياته، فكيف يمكن أن يقال عنه إنه محرك لغيره وهو لا ذات ولا صفات ولا فعل ولا حياة. ولو دقق الإنسان في هذا لبان له وظهر أنهم ينفون وجوده فالمعدوم كاسمه لا يمكن أن يوجد شيئًا ولا أن يؤثر في شيء.
[ ١ / ٩٨ ]
فكل هذه الدعاوى التي ذكرها الفلاسفة في الله ﵎ دعاوى فاسدة معلوم فسادها ببداهة العقول، فإن أي عاقل نظر في المخلوقات المحيطة به أو نظر في نفسه أدنى نظرة أدرك أن خالقه لابد أن يكون ذا صفات عظيمة وجلال وكمال من جميع الوجوه، لأنه ما لم يكن كذلك فإنه لا يمكن أن يوجد هذا الخلق وهذا الكون، فإذا لم يكن له ذات فكيف يوجد ماله ذوات، وإذا لم يكن موصوفًا بصفات الكمال من السمع والبصر والعلم والحكمة والإرادة وغيرها فكيف يوجد الموصوفين بهذه الصفات، وما لم يكن فاعلًا مختارًا كيف يوجد الفاعلين المختارين، وما لم يكن حيًا كيف يوجد الحياة، ففاقد الشيء لا يعطيه، فلا يمكن لجاهل أن يعلم الناس القرآن أو الشرع أو الدين لأنه فاقد للعلم، وغير البصير لا يمكن أن يرشد الناس إلى الطريق، والميت لا يمكن أن يفعل ولا يحي الموتى ولا يبعث الحياة في الموجودات ففاقد الشيء لا يعطيه. ولكن هؤلاء الفلاسفة لم ينظروا إلى المخلوقات ليستدلوا بها على الخالق بعين صحيحة، وإنما نظروا إليها بعقول قد لوثتها الوثنية والإلحاد فأثمرت هذه المقولات التي إن دلت على شيء فإنما تدل على إفلاسهم من النظر الصحيح والرأي السديد الذي يتوصل إليه أقل الناس حظا من العلم. فهذه المخلوقات المحكمة الصنع والعظيمة في خلقها وهيئتها والعظيمة في دورها وعملها تدل على حكيم عليم بصير خبير، لابد أن يكون موصوفًا بكل صفات الكمال ألا وهو الله جل وعلا.
أما قولهم في إيجاد المخلوقات فمتضمن للفساد من وجوه عديدة:
أولًا – إن قولهم إن المادة والصورة أزليتان وغير مخلوقتين قول فاسد، لأنه يلزم منه وجود المادة والصورة من غير شيء، وهذا معلوم الفساد ببداهة العقول، فإن كل موجود لابد له من موجد حتى ينتهي الأمر إلى الموجد الأول والخالق ﵎، وإلا لزم التسلسل إلى ما لانهاية.
[ ١ / ٩٩ ]
ثانيًا – قولهم بأنه أوجد النفس الكلية ثم أوجد نفوس الكواكب الأخرى، كل هذا ضرب من الظن والتخمين، كما أنه مبني على ما ألفوه في مجتمعاتهم من الوثنية وعبادة الكواكب. ودعاوى أن لها تصرفًا في الكون بالإيجاد والخلق والتصرف، فصاغوا من كل ذلك تلك الدعاوى التي ظاهرها أنها مبنية على النظر والعقل وهي مبنية على الوثنية الجاهلة السخيفة.
وقبل أن ننهي الكلام عن قول الفلاسفة ودعاويهم في صفات الله ﵎ وفعله وإيجاده لهذا الكون لابد أن نشير إلى أمر مهم، وهو:
أن الفلاسفة قد يكونوا أجادوا بعض الإجادة في الكلام عن بعض المخلوقات أو الأمور المعنوية المتعلقة بالسياسة أو التربية ونحو ذلك، وكلامهم هذا مهما بلغوا فيه من حسن القول والإجادة لا يلزم أن يكونوا أهلًا لأن يتكلموا فيما وراء طاقة الإنسان وقدرته، سواء فيما يتعلق بالله ﷿، أو المخلوقات غير الظاهرة للعيان، فإن ذلك غيب عن الإنسان، وعقل الإنسان وقدراته متعلقة بما يراه أو يرى شبيهًا له فيقيس عليه.
فبالتالي حديثهم عن الله جل وعلا وحديثهم عن تكوين الكون ومادته وأصله كله غير داخل تحت طاقتهم وقدرتهم، وكلامهم فيه لا يعدو أن يكون ككلام المتطفل على علم لا يحسنه. وهم في هذا مثل طبيب من أمهر الناس في الطب مثلًا هل يليق أن يذهب إليه بناءً على حذقه في الطب فيسأله عن مسألة شرعية أو مسألة متعلقة بالسياسة أو مسألة متعلقة بالهندسة، فلا شك أن هذا لا يليق ولا يصح.
ومن رام أن يأخذ من الطبيب جواب مسألة شرعية دقيقة أو مسألة متعلقة بالهندسة أو المحاسبة فهو مخطئ. فكذلك من رام أن يجد عند هؤلاء الفلاسفة علم ما يتعلق بالله ﷿ فقد أخطأ الطريق وأخطأ الهدف.
[ ١ / ١٠٠ ]
ثم إنه من رحمة الله ﷿ لما كانت وسائل البشر إلى معرفته المعرفة الصحيحة مسدودة إلا من خلال الوحي أنزل الله في ذلك كتبه وأرسل رسله لتعليم الناس وتعريفهم به، وهذا من أعظم الرحمة وأعظم المنة من الله ﷿ على خلقه، لأنه بذلك يهيئ من شاء الله منهم إلى رحمته العظمى ورضوانه الأكبر في جنات عدن.
[ ١ / ١٠١ ]