مناهج المخالفين للسلف في الصفات
خالف السلف في الصفات فرقتان: الممثلة والمعطلة.
وسنفرد الحديث عن كل واحدة منهما:
أولا: الممثلة
الممثلة هم كل من قاس صفات الله ﷿ بصفات خلقه ﷿ بأن جعل ذات الله ﷿ أو صفاته مثل صفات المخلوقين أو نص على التشبيه بأن يقول بصر كبصري وسمع كسمعي ونحو ذلك.
هذا هو مراد السلف في إطلاق هذا الوصف وهو التمثيل. قال الإمام أحمد ﵀: "المشبهة تقول بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، ومن قال ذلك فقد شبه الله بخلقه" ١.
وقال نعيم بن حماد الخزاعي ﵀: "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه" ٢.
وقال إسحاق بن راهويه: "من وصف الله، فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم".وقال: "علامة جهم وأصحابه: دعواهم على أهل السنة والجماعة ما ألهموا به من الكذب أنهم مشبهة بل هم المعطلة" ٣، فعلى هذا يكون مراد السلف بالممثلة والمشبهة هم من نص على التشبيه والتمثيل.
وهذا لا يعرف مذهب لمشهورين بعلم وديانة، وليس عليه فرقة معلومة، وإنما يعزى لأناس من غلاة الشيعة أو من المغمورين المجهولين، وممن يعزى إليهم ذلك:
_________________
(١) ١ إبطال التأويلات /٤٥. ٢ العلو للذهبي ص١١٦، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ص٩٣٦. ٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ص٩٣٧، وانظر شرح الطحاوية ص٨٥.
[ ٢ / ١٥ ]
هشام بن الحكم وهو من الرافضة الإمامية: فيعزى إليه أنه قال: إن الله جسم ذو أبعاض، وله مقدار هو سبعة أشبار بأشبار نفسه.
وهشام بن سالم الجواليقي وهو من الرافضة ويعزى إليه القول: بأن الله ﵎ جسم على صورة الإنسان أعلاه مجوف وأسفله مصمت١.
كما يعزى التشبيه والتمثيل إلى الكرامية أتباع محمد بن كرام السجستاني. ولا يتضح في قوله التشبيه، وإنما يظهر فيما نقل عنه من الأقوال خطأ لا يصل إلى حد التشبيه والتمثيل. ومن ذلك أنه نسب إليه القول: بأن الله جسم كالأجسام وليس ذلك ممتنعا دائما، وإنما الممتنع أن يشابه المخلوقات فيما يجب ويجوز ويمتنع.
كما يعزى إليه وصف الله ﷿ بالصفات الفعلية التي تتعلق بها المشيئة والإرادة إلا أنه يزعم أن الله يوصف بها بعد أن لم يكن موصوفا بها وفي هذا يقولون: إن الله تكلم بعد أن لم يكن متكلما٢.
هؤلاء هم الممثلة على العموم في عرف السلف وهم من أطلقوا وصف التشبيه ونصوا عليه.
وهذا خلاف مراد المعطلة من هذا الوصف: فإن المعطلة من الجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية يطلقون هذا الوصف على كل من خالفهم في إثبات ما ينكرونه من الصفات.
فالمعتزلة يصفون كل من أثبت شيئا من الصفات أو أثبت الرؤية أو لم يقل بخلق القرآن أنه مشبه ٣، فيدخل في ذلك السلف الذين يثبتون سائر الصفات، كما يدخل فيه أيضا الأشعرية الذين يثبتون بعض الصفات.
_________________
(١) ١ الفرق بين الفرق، ص٢٢٧، الملل والنحل ١/١٠٥. ٢ مجموع الفتاوى ٦/٣٦، ٥٢٤. ٣ انظر شرح الأصول الخمسة ص١٨٣ حيث وصف أبا الحسن الأشعري بأنه وقح وغير مبال بالإسلام والمسلمين لأنه أثبت بعض الصفات وهو العلم والقدرة والإرادة، وانظر كتاب العدل والتوحيد ونفي التشبيه ص١٣٣ ضمن رسائل العدل والتوحيد.
[ ٢ / ١٦ ]
أما الأشعرية والماتريدية فيطلقون هذا الوصف على كل من أثبت شيئا من الصفات الذاتية التي ينكرونها مثل الوجه واليد والقدم. وكذلك الصفات الفعلية التي ينكرونها أيضا جملة وتفصيلا وذلك مثل العلو والاستواء والإتيان والغضب والرضى ونحو ذلك، ويزعمون أن من وصف الله بشيء من ذلك فقد جسم الله ومثله وشبهه ووصفه بصفات الحدوث والنقص١.
ولا شك أن كل ذلك من الضلال والانحراف: لأن الله ﷿ قد أثبت لنفسه الصفات وأثبتها له رسوله ﷺ، ونفى الله عن نفسه التمثيل في مثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى١١] فعلم أن المثبت إنما وافق القرآن ثم إنه إذا صرح بنفي التمثيل والتشبيه بين صفات الخالق وصفات المخلوق. فبأي وجه يطلق عليه أنه مشبه أو ممثل وهو ينفيه ويرده ويبطله، كما نفاه الله وأبطله. لا شك أن ذلك من الكذب على مثبتة الصفات من السلف ومن وافقهم ومن الاعتداء والظلم لهم بوصفهم بهذه الصفات الشنيعة، وهذا إنما هو من التشنيع عليهم بالباطل والمعطلة أحق بهذا التشنيع والوصف كما قال
أبو حاتم الرازي ﵀: "وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل السنة حشوية يريدون إبطال الأثر وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة" ثم قال: "ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء" ٢.
منهج الممثلة:
يتضح من منهج الممثلة على العموم أنهم يرون أن ما ورد عن الله ﷿ أو عن رسوله ﷺ من النصوص الدالة على الصفات إنما هو على ظاهرها الذي يعرف عن المخلوقات. فاعتبروا الصفات من جنس صفات المخلوقين فقالوا
_________________
(١) ١ انظر الإرشاد للجويني ص٥٨. ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/١٧٩.
[ ٢ / ١٧ ]
بالتمثيل. وبطلان هذا ظاهر واضح فإن الله ﷿ قد نص على إثبات الصفات ونفي التمثيل، فلا يسع المسلم غير ذلك. كما أن المخلوق صفاته ناقصة فتشبيه الخالق ﵎ بالمخلوق هو تنقص للخالق وطعن فيه سبحانه وتعالى عما يصفون.
[ ٢ / ١٨ ]