إن التزام الكتاب والسنة يوصل المسلم إلى بر السلامة وشاطئ الأمان في جميع شؤونه،لأن الخير منوط بهما والشر بالإعراض عنهما وابتغاء الهدى في غيرهما.
وإن لالتزام السلف بالكتاب والسنة ثمرات وأثار عظيمة دنيوية وأخروية وسنشير في عجالة مختصرة إلى أثار وثمرات منهج السلف في الإيمان وهي:
١ - الالتزام بالتحديدات الشرعية في المسألة.
من آثار منهج السلف في الإيمان هو الارتباط بكلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ في هذه المسألة العظيمة. وهذا له أهمية كبرى من ناحية تعظيم كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وابتغاء الهدى منهما، كما أن في الوقوف على مراد الشارع في المسألة عصمة من الوقوع في مناقضة كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ في الأمور المترتبة على المسميات الشرعية في العقائد والأحكام. وأيضا فإن الوقوف على مراد الشارع في ذلك فيه أجر عظيم لأن ذلك من تدبر كلام الله والتفقه في دين الله الذي أُمر به المسلم.
٢ - فتح باب التنافس في ارتقاء درجات الإيمان للوصول إلى أعلى الجنان.
إن اعتقاد السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية يفتح الباب واسعا للتنافس المحمود بين أهل الإيمان لأنه كلما ازداد طاعة كلما ازداد إيمانا وكلما ازداد إيمانا ازداد إقبالا على الخير والطاعة وبالتالي ازداد رفعة وقربا من خالقه جل وعلا وهذا ما وصف الله ﷿ به عباده الصالحين، قال جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء٥٧] وقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا
[ ١ / ٥١ ]
فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر٢٢] .
٣ - تنزيل الناس منازلهم وعدم التسوية بين المؤمنين والفجار.
إن من الآثار المترتبة على قول السلف في الإيمان عدم المساواة بين الناس في الإيمان، فلا يساوى العبد الصالح التقي بالعبد الفاجر الفاسق. فعدم المساواة بينهما من العدل الذي يحبه الله ﷿، أما المساواة بينهما فهو من الظلم الذي نفاه الله تعالى عن نفسه، قال جل وعلا: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية٢١] وقال جل وعلا: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص٢٨]
٤ - عدم فتح باب التمني والرجاء الكاذب للعصاة بظنهم أنهم أهل الإيمان الداخلون فيما وُعد به المؤمنون.
إن العصاة لا يصح أن يقال عنهم بإطلاق إنهم مؤمنون، لأن وصف الإيمان اسم مدح رتب الله ﷿ عليه دخول الجنة.قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة٧٢] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد١٢] والعصاة ليسوا من أهل هذا الوعد بل هم تحت المشيئة.
والسلف يمنعون أن يوصف العصاة بالإيمان المطلق فلا يقال عنهم مؤمنون بإطلاق وإنما يقال عن العاصي مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته أومؤمن عاص. وذلك حتى لا يظن في نفسه أو يغرر به الشيطان أنه من أهل الوعد مع أن حقيقته أقرب إلى الوعيد بسبب عصيانه وانحرافه، وهذا له دور كبير في تنبيه العاصي وتخويفه لعله يقلع عن ذنبه ويثوب إلى رشده ويستقيم على أمر ربه.
[ ١ / ٥٢ ]
٥ - إثبات أصل الإيمان للعصاة وتصحيح إسلامهم وعدم تكفيرهم.
العصاة لهم إيمان وهم مسلمون، وفسقهم لا ينافي إسلامهم، وقول السلف في
الإيمان يثبت لهم ذلك، وذلك أمر مهم جدا حتى يندرجوا في عداد المسلمين وتصح أيضا عباداتهم وقرباتهم التي أتوا بها على وجه صحيح لأن فسقهم بناء على قول السلف لم يخرجهم من الإيمان ولا يصح أن يحكم عليهم بالكفر بسببه.
٦ - فتح باب الرجاء للعصاة وعدم تقنيطهم من رحمة الله ﷿ لوجود أصل الإيمان معهم.
من آثار مذهب السلف أنه يفتح باب الرجاء في رحمة الله تعالى للعصاة،وأنه لا يقنطهم من رحمة الله ﷿، وهذا له دور كبير في أن الفاسق يشعر بأنه غير مطرود وأن حباله ممدودة وأن سبل نجاته متيسرة وما عليه إلا أن يحطم أغلال هواه وينتشل نفسه من أسر شيطانه فيسلك سبيل الصالحين، ويدرج على خطى المؤمنين ليكون من عباد الله المتقين الفالحين.
[ ١ / ٥٣ ]