هذه القاعدة تعني أنه يجب على المسلم أن يربط عقيدته وسائر أمور دينه بكلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ. فيكون مصدره في كل ذلك القرآن والسنة لأنهما مصدر الدين، فما كان فيهما فهو الدين وما ليس فيهما فهو ليس من الدين عظم شأنه أو حقر، كما أن العقيدة جلها أمور غيبية لا يستقل العقل بمعرفتها وإدراكها، فوجب الرجوع في ذلك إلى خبر العليم الحكيم وإلى خبر من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والوقوف عند ذلك وعدم تجاوزه إلى غيره.
وقد أمر الله ﷿ بالتزام كتابه فقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة ٤، ٥] . وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام١٩] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء٩] وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف٣] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب ١-٢] وغيرها كثير.
أما الأدلة الموجبة للالتزام بالسنة فكثيرة، منها قول الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران٣١]، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور٦٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ
[ ١ / ٥ ]
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء٦٥، وقال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب٢١] .
أما الأحاديث عن النبي ﷺ فكثيرة منها:
حديث أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" ١.
وحديث العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا "وفي رواية: فما تعهد إلينا" قال: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ولا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " وفي رواية: "أوصيكم بتقوى الله والطاعة والسمع وإن كان عبدا حبشيّا، فإنه من يعش منكم بعدي سيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ٢.
وحديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان يقول في خطبته: "نحمد الله بما هو أهله"، ثم يقول: "من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أصدق الحديث كتاب الله ﷿، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب الانتهاء عما نهى عنه النبي ﷺ. ٢ أخرجه الآجري في الشريعة ١/١٧١، كما أخرجه حم ٤/١٢٦،١٢٧، والترمذي رقم ٢٦٧٨ وقال: حسن صحيح.
[ ١ / ٦ ]
الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ١.
وهنا يحسن التنبيه على أمرين:
أحدهما: أن الكتاب والسنة حويا أصول الدين وفروعه.
من المعلوم أن علماء الأمة يلتزمون في مسائل الفقه كلها بالنصوص الشرعية ويجعلون أدلة الأحكام الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس. ولكن الذين وقعوا في الكلام المذموم أو البدع والأهواء إذا أتوا على باب الاعتقاد أعرضوا عن الكتاب والسنة، مع أن مسائل الاعتقاد من الغيب الذي لا يمكن أن تستقل العقول بمعرفتها، كما أننا نجد أن الله ﷿ قد علمنا فيه بأخبار الأولين بل ذكر لنا فيه ما يتعلق ببعض الحشرات كالنحل في قوله ﷿: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل٦٨، ٦٩] .
كما ذكر النمل والطير والدواب، بل ذكر جل وعلا دقائق مما يتعلق بالإنسان من ناحية خلقه في بطن أمه وتكوينه. فكيف يمكن مع هذا أن لا يعرف القرآن به جل وعلا من ناحية صفاته وأسمائه ومن ناحية أفعاله، هذا لا يمكن أن يكون مع قوله ﷿: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨] .
مع أن الوحي لم ينزل والرسل لم ترسل إلا لتعريف الخلق بربهم جل وعلا وحقوقه وجزائه للمطيعين والعاصين قال عزمن قائل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق١٢]،بل أول أية من القرآن نزلت تضمنت التعريف بالله ﷿ قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
_________________
(١) ١ الآجري في الشريعة ١/١٧٠ ومسلم حديث رقم ٨٦٧.
[ ١ / ٧ ]
خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق١-٥] .
وكذلك رسوله ﷺ لايمكن أن يكون علمنا آداب قضاء الحاجة وآداب الأكل والشرب والجماع وعلاقة الإنسان بوالديه وإخوانه وأهله ثم يغفل المعلومات المعرفة لنا بربنا جل وعلا من ناحية صفاته وأسمائه وأفعاله. إن من يدعي هذا أو يظنه فقد طعن في الرسول ﷺ ونسبه إلى التقصير في أهم واجباته التي لا يمكن أن تعرف إلا عن طريقه ﵊ وحاشاه من ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور،وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة فمحال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله، والعلم به ملتبسا مشتبها، ولم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا وما يجوز عليه وما يمتنع عليه، فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس وأدركته العقول. فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادا وقولا ومحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين – وإن دقت – أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه في قلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين الذي معرفته غاية المعارف،وعبادته أشرف المقاصد والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام "١.
_________________
(١) ١ الفتاوى: ٥/٦-٧.
[ ١ / ٨ ]
ثانيهما: عدم معارضة القرآن والسنة بعضها ببعض.
القرآن الكريم وحي الله وكلامه جل وعلا، وهو أنزل على نبينا محمد ﷺ هداية للناس ونورا فلا يمكن أن يكون فيه ما هو متعارض أو متناقض، فهو تنزيل الحكيم العليم، قال ﷿: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء٨٢.
فمن أدرك ما فيه من المعاني حمد الله على ذلك ومن لم يستطع فهم شيء منه فليتهم نظره وليقف حيث فهم وعلم ولا يتكلف ما لا علم له به. قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء٣٦] .
وإذا كان القرآن وحيا من عند الله فكذلك السنة من وحي الله ﷿، قال جل وعلا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم٣، ٤] . فلا تعارض بينهما ولا تناقض فإن السنة تفسر القرآن وتشرحه كما قال جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل٤٤] .
ومن زعم أن بين السنة والقرآن تعارضًا فقد ضل وأخطأ، من زعم أنه يأخذ بالقرآن دون السنة فقد ضل ضلالا مبينا. وقد روى الإمام أحمد عن المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه" ١.
وروى الآجري عن عمران بن الحصين ﵁ أنه قال لرجل: "إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله تعالى الظهر أربعا لا تجهر بها في القراءة"، ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ثم قال: "أتجد هذا في كتاب الله تعالى مفسرا؟ إن كتاب الله أحكم
_________________
(١) ١ رواه أحمد ٤/١٣١.
[ ١ / ٩ ]
ذلك وإن السنة تفسر ذلك"١.
وروي عن سعيد بن جبير ﵀ أنه حدث عن النبي ﷺ حديثًا فقال رجل: إن الله تعالى قال في كتابه كذا وكذا فقال: "ألا أراك تعارض حديث رسول الله ﷺ بكتاب الله تعالى، رسول الله ﷺ أعلم بكتاب الله تعالى" ٢.
_________________
(١) ١ الآجري في الشريعة ١/١٧٨. ٢ الآجري في الشريعة ١/١٨٠.
[ ١ / ١٠ ]