وهو اعتقاد أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، وله الصفات العلى الكاملة،التي ليس فيها نقص بوجه من الوجوه، ولا يماثله فيها أحد من خلقه، ولا يماثل فيها سبحانه أحدًا من خلقه. وسيأتي مزيد بيان لذلك في فقرة مستقلة.
العلاقة بين أنواع التوحيد الثلاثة:
أنواع التوحيد الثلاثة التي سبق ذكرها بينها علاقة تضمن والتزام، فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، بمعنى أن من أقر بتوحيد الربوبية فإنه يلزمه أن يقر بتوحيد الألوهية.
[ ١ / ٨٨ ]
وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، بمعنى أن من عبد الله فإن ذلك متضمن لإقراره بأن الله ربه وخالقه ورازقه.
وتوحيد الألوهية والربوبية متضمن لتوحيد الأسماء والصفات، فإن الإله المعبود والرب الخالق لابد أن يكون له الصفات العلى الكاملة الدالة على استحقاقه للربوبية والألوهية.
ومن اعتقد أن الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فيلزم من ذلك أن يعتقد أنه الرب،وأن لا يعبد إلا هو ﷾.فبين أنواع التوحيد علاقة التزام وتضمن.
ومن العلماء من يقول: إن توحيد الأسماء والصفات شامل لتوحيد الربوبية والألوهية، من ناحية أن الإقرار بأسمائه وصفاته يتضمن الإقرار بأن الله هو الرب والإله، وذلك توحيد الربوبية والألوهية.١
جواب من أنكر تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
من الناس من ينكر تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، ويزعم أن هذا التقسيم اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة، وأن أول من اخترعه شيخ الإسلام ابن تيمية. والجواب عن ذلك من وجوه:
١ - أن هذا التقسيم لأنواع التوحيد مستفاد من النصوص الشرعية،فكل نوع من أنواعه له مميزاته وخصائصه، وإن كان بينهما ترابط من وجه آخر، فتوحيد الربوبية تعلقه بإثبات الخلق والسيادة والتدبير، وتوحيد الألوهية تعلقه بعبادة الرب جل وعلا، وتوحيد الأسماء والصفات تعلقه بإثبات الأسماء والصفات لله ﷿.
_________________
(١) ١ انظر: درء التعارض ٩/٣٤٤، شرح الطحاوية ١/٤١، معارج القبول ١/٢٥٥. وقد جعل الأنواع الثلاثة متلازمة، وانظر: الكواشف الجلية ص٤٢١، معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات ص٤٧، حيث جعلا توحيد ألسماء والصفات شاملًا لتوحيد الربوبية والألوهية.
[ ١ / ٨٩ ]
كما أن اعتقاد الربوبية لا يتحقق للعبد به النجاة، ولا الدخول في الإسلام، أما توحيد الألوهية فهو الذي يتحقق به للعبد النجاة، ويدخل به الإسلام،وهذا لا يكون إلا مع الإيمان بالربوبية. أما الأسماء والصفات فتتعلق بالعلم والإثبات،فلو جهل شيئًا منها، فإنه لا يخرج من الإسلام أما الربوبية والألوهية فلو جهلها فإنه لا يكون مسلمًا، فإن ذلك ينقض إسلامه.
٢ - أن هذا التقسيم هو من جنس تقسيمات العلماء الأخرى المتعلقة بالأمور الشرعية، مثل تقسيم العلماء الأمر الشرعي إلى: واجب ومندوب، أو تقسيمهم النواحي الشرعية إلى محرم ومكروه. أو قولهم إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، أو تقسيمهم الصفات إلى ذاتية وفعلية.
فسائر هذه التقسيمات وغيرها كثير لم ترد في كلام الشارع منصوصًا عليها، وإنما استنبطها العلماء من خلال استقراء كلام الشارع. والتقسيم إنما يرد عليه ويبطل إذا كان الاستقراء غير صحيح أو غير كامل، كأن يقول: إن الإيمان هو الاعتقاد فقط أو القول فقط، أو يقول إن المطلوب من العباد هو توحيد الربوبية والأسماء والصفات فقط، أو يقول: إن الأوامر الشرعية كلها أركان أو واجبات في مستوى واحد من حيث الطلب أو نحو ذلك. أما إذا كان الاصطلاح صحيحًا فلا يعاب من قال به، لأن ذلك من تدبر كلام الشارع والاستنباط منه حتى يعلم عن الشارع مراده.
[ ١ / ٩٠ ]
٣ - أن هذا التقسيم قد ثبت عن كثير من السلف المتقدم ذكرهم ١،خلافًا لدعوى من أنكر ذلك، فقد سبق النقل عن ابن عباس وتلاميذه في إثباتهم لإقرار المشركين بالربوبية وإنكارهم للألوهية، ومثله ورد عن ابن جرير الطبري.
كما أورد العديد من السلف ذلك في كتبهم، فهذا الإمام الطحاوي المتوفى سنة ٣٢١هـ أبان في مقدمة عقيدته أنه إنما يذكر عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة، أبي حنيفة وتلميذيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وقال: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله أن الله واحد لا شريك له ولاشيء مثله ولاشيء يعجزه ولا إله غيره".
فقوله "واحد لا شريك له" شامل لأنواع التوحيد الثلاثة، ثم فصلها بقوله: "لاشيء مثله"، وهذا في أسمائه وصفاته.وقوله "ولاشيء يعجزه" هذا في قدرته ومقدوراته، وهو من توحيد الربوبية، وقوله" ولا إله غيره "هذا في توحيد الألوهية، فلا إله غيره يعني معبودًا يستحق العبادة
وهذا ابن بطة العكبري المتوفى سنة ٣٨٧هـ يقول في كتابه الإبانة: "إن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مباينًا لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعًا.
والثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مباينًا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره. والثالث: أن يعتقده موصوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها".
وممن أثبت ذلك أيضا ابن منده المتوفي سنة ٣٩٥هـ في كتابه "كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله ﷿ وصفاته على الاتفاق والتفرد"، فعقد فيه أبوابًا في توحيد
[ ١ / ٩١ ]
الربوبية، مثل: بدء الخلق، وخلق العرش، وتقدير المقادير، وخلق السموات والأرض، وغير ذلك مما هو دليل على توحيد الربوبية. ثم ذكر أبوابًا متعلقة بتوحيد الألوهية، مثل: الدعاء والذكر واسم الله الأعظم، وهو لفظ الجلالة، ثم ذكر أبوابًا متعلقة بتوحيد الأسماء والصفات،وغيرهم كثير.١
٤ - أن سبب ظهور التقسيم بشكل واضح في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم من جاء بعده من تلاميذه وغيرهم، وخاصة الكلام في توحيد الألوهية يعود إلى ظهور الخلل في الأمة والانحراف في هذا النوع من التوحيد متأخرًا، فقد صار كثير من المتأخرين من المسلمين يجهلون الغاية من دعوة الرسول ﷺ، ألا وهي دعوة الناس إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، كما جهلوا ما يناقض هذه الدعوة أو يقدح فيها من الشرك والأسباب الموصلة إليه، بسبب عوامل كثيرة منها:
إعراض المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية فضلًا عن الجهمية والمعتزلة عن توحيد العبادة، ومعنى لا إله إلا الله، فلم يذكروها في كتبهم التي رمزوا إليها بأنها في أصول الدين أو قواعد العقائد،أو ما يجب على المسلم اعتقاده جملة وتفصيلا، فصار عند المسلمين عدم إحساس وانتباه لهذا الأصل الأصيل، فانتشر الشرك وعم وطم أكثر البلاد الإسلامية، وهم يظنون أن الشرك الذي حاربه الرسول ﷺ إنما هو أن يصنع تمثالًا على شكل من الأشكال فيصلي له ويسجد، ولم يشعروا أن دعاء غير الله والإستغاثة به أو النذر والذبح عند القبور أو الطواف حولها، سواء كانت قبور أنبياء أو من يسمون أولياء؛ أن كل ذلك شرك أكبر مخرج من الملة، وما ذلك إلا لجهلهم بتوحيد الألوهية وبدعوة النبي ﷺ وما قاتل عليه المشركين.
_________________
(١) ١ من أراد الاستزادة فليرجع إلى الكتاب القيم في هذا، كتاب أخينا عبدا لرزاق بن عبدا لمحسن العباد "القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد" فقد أجاد فيه وأفاد جزاه الله خيرا.
[ ١ / ٩٢ ]
فلما ظهرت هذه البدع في وقت شيخ الإسلام ابن تيمية بذل طاقته ﵀ وجهده في نصح المسلمين وتحذيرهم من خطورة ما عليه كثير من المسلمين من الانحراف والضلال بوقوعهم في الشرك وهم لا يشعرون، فظهر في كلامه الدعوة إلى توحيد الألوهية، وأبان عن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أنواع،وأن تلك الأنواع الثلاثة مطلوبة من العبد لا يغني واحد منها عن الآخر، كما أنا نقول إن الله موصوف بصفة السمع والبصر والقدرة والحياة ونحو ذلك. والمطلوب من العبد الإيمان بكل ذلك أنه من صفات الله تعالى، كذلك
التوحيد المطلوب من العباد أن يؤمنوا به هو أن الله ﵎ له الأسماء الحسنى والصفات العلى،وأن لا رب غيره، وأن لا يعبد إلا هو، فلا يشرك معه في العبادة غيره.
وهو في تقسيمه ﵀ إنما هو متبع لمن سبق من العلماء لا مبتدع في تقسيم التوحيد.
ونشير هنا إلى أن دأب السلف ﵏ أنه كلما ظهرت بدعة من البدع تكلم فيها ونصح للأمة فيها من عاصرها من العلماء والأئمة، ويكون من تقدم منهم على تلك البدعة فلم تظهر في زمانه لا يوجد له كلام فيها، مع أن الحق الواضح والراد على كل بدعة موجود ضمن الشرع في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، وإنما يستنبطه من الشرع أهله.
فلو نظرنا في بدعة نفي الصفات فإنا لا نجد أحدًا من الصحابة تكلم فيها، وذلك لأنها لم تظهر في زمانهم،وإنما ظهرت في زمن التابعين فكثر كلام التابعين فيها بخلاف بدعة الخوارج فإنا نجد للصحابة كلامًا كثيرًا فيها، وذلك لأنهم أدركوها. وكذلك بدعة نفي القدر أدركها صغار الصحابة فظهرت في كلامهم،وأبانوا عن بطلانها وردوا على دعاتها.
[ ١ / ٩٣ ]
وهكذا سائر البدع إنما تظهر في كلام العلماء الذين أدركوها فيجتهدون في دعوة الخلق إلى الحق نصحًا لله ولرسوله ولكتابه وللمسلمين لا أنهم مبتدعون في ذلك.
كذلك الأمر بالنسبة لتقسيم التوحيد وإبراز توحيد الألوهية الذي وقع عند المتأخرين من المسلمين الخلل في فهمه وتطبيقه، فظهر في كلام من أدرك ذلك،كشيخ الإسلام ابن تيمية ومن جاء بعده ﵀ من تلاميذه، وغيرهم من العلماء الداعين إلى الله على نهج القرآن والسنة وسلف الأمة.
[ ١ / ٩٤ ]