وهو: توحيد الله بأفعال العباد، أو هو: إفراد الله ﷿ بالعبادة لا شريك له، وهذا النوع من التوحيد هو الذي خلق الله ﷿ الإنسان من أجله، قال جل وعلا ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات٥٦] قال ابن عباس: "إلا ليوحدون" وهو الذي بعثت الرسل في الدعوة إليه وتقريره. قال جل وعلا ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء٢٥] .
وهو الذي وقعت الخصومة فيه بين الرسل ﵈ وأقوامهم، قال جل وعلا عن نوح ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا
[ ١ / ٨٢ ]
اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون٢٣] . وهكذا قال هود وصالح ولوط وشعيب وهكذا سائر الأنبياء ﵈ إلى آخرهم نبينا محمد ﷺ.
وهو أول أمر في القرآن الكريم. قال جلا وعلا في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [.البقرة٢١]
وهو الذي أباح الله بسبب إنكاره دماء الكفار كما قال ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" ١
وأهمية هذا النوع من التوحيد وخطورته تتضح وضوحا بينا بخطورة الوقوع في ضده وهو الشرك في العبادة حيث هو- نسأل الله العافية -الموجب لغضب الرب وانتقامه وعذابه السرمدي الذي لا نهاية له في نار جهنم لمن مات على ذلك ولم يتب. قال جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ . [المائدة٧٢]
وهذا النوع من التوحيد هو معنى لا إله إلا الله إذ معناها لا معبود بحق إلا الله ﷿.
وهو توحيد العبادة الذي يعني إخلاص العبادة لله ﷿ وحده لا شريك له.
والعبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع،ومنه طريق معبد إذا كان مذللا بكثرة الوطء٢.
_________________
(١) ١ البخاري في الزكاة رقم ١٣٩٩، ومسلم في الإيمان رقم ١٢٤،١/١٥٠ من حديث عمر ﵁. ٢ اللسان: ٣/٢٧٣
[ ١ / ٨٣ ]
والعبادة في الشرع: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. أو هي عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف.
وفي هذا يدخل جميع أنواع الطاعات الباطنة بالقلب والظاهرة على الجوارح. فمن صرف شيئا منها لغير الله ﷿ فقد أشرك. ومن أهم أنواع العبادة الصلاة والزكاة والصيام والحج والدعاء والخوف والرجاء والتوكل والنذر والاستغاثة والاستعانة.
شرطا قبول العبادة:
لقبول العبادة شرطان: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا بد في عبادته من أصلين: أحدهما: إخلاص الدين لله. والثاني موافقة أمر الله الذي بعث به رسله" ١.
والمراد بالإخلاص: أن يكون العمل مرادا به وجه الله ﷿.
أما موافقة أمره الذي بعث به رسله: فهو أن لا يعبد الله إلا بما شرع".
قال الفضيل بن عياض في قوله ﷿: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود٧]
قال: "أخلصه وأصوبه"، قيل يا أبا علي: "ما أخلصه وأصوبه؟ " قال: "إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل
_________________
(١) ١ التدمرية ص ٢٣٣
[ ١ / ٨٤ ]
حتى يكون خالصا صوابا، والخالص إذا كان لله ﷿ والصواب إذا كان على السنة". ١
فهذان الشرطان هما معنى شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله. ولأهميتهما نبين شيئًا مما يتعلق بهما:
أولًا: الإخلاص:-
الإخلاص في اللغة: تنقية الشيء مما يشوبه،وكل شيء خالص فهو منقىمن الشوائب.٢
والإخلاص في العبادة: هو أن يقصد بها وجه الله ﷿، فلا يشرك معه غيره، لا شركًا أكبر ولا أصغر، كالرياء ونحوه.
والأدلة الشرعية على هذا الشرط كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة ٥] . ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر٢]، ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر١١]، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر٢، ١١، ١٤] ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف٩]، وقال ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر١٤]، وقال ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر٦٥] .
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو من نفسه".٣
وضد الإخلاص الشرك.
_________________
(١) ١ التدمرية ص ٢٣٢. ٢ اللسان ٧/٢٦. ٣ البخاري. انظره مع فتح الباري ١/٢٣٣.
[ ١ / ٨٥ ]
والشرك نوعان: أكبر وأصغر.
أما الأكبر: فهو صرف شيء من العبادة لغير الله تعالى من شجر أو حجر أو ملك أو نبي أو أي كائنا من كان، فمن دعا غير الله أو استغاث به أو رجاه أو ذبح أو نذر له أو سجد له أو صرف شيئًا من العبادة لغير الله فقد أشرك الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [.فاطر١٣، ١٤]
فدل كلام الله ﷿ هنا على أن كل من دعا غيره فإنه لا يملك شيئًا، حتى ما يكون على نواة التمر من القشرة الرقيقة، كما دل أيضًا على أن ذلك الدعاء شرك، وذلك في قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر١٤] .وقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف٥، ٦] .
فجعل الله تعالى دعاء غيره عبادة للمدعو، وجعل ذلك كفرًا.
والشرك الأكبر محبط للعمل من أصله، كما أنه يفسد الإيمان ولا يقبل الله معه صرفًا ولا عدلا. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر٦٥]، وقال جل وعلا بعد ذكره للعديد من الأنبياء ﵈ ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام٨٨] .
وهو الذنب الذي لا يغفره الله لمن مات عليه.قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء١١٦] .
[ ١ / ٨٦ ]
وصاحبه مخلد في النار أبد الآباد. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة٧٢] .
أما الأصغر، فمنه الرياء: وهو أن يعمل العمل مما يقصد به وجه الله ﷿ يقصد به رياء الناس.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف١١٠] .
فقوله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ فسرها ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهم بأن المقصود بها الرياء. ١
وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ "قال الله ﵎ أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه".٢
وعن محمود بن لبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: "الرياء، يقول الله ﷿ لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء".٣
والرياء يحبط من العمل بقدره، فإذا دخل على العمل من أوله أحبطه وأبطل أجره وإذا دخل على العبد أثناء العمل نقص من الأجر بحسبه.
وإذا كان الرياء في الإيمان فهو النفاق الأكبر المخرج من الملة.٤
_________________
(١) ١ الدر المنثور ٤/٤٥٨. ٢ مسلم في الزهد رقم ٢٩٨٥. ٣ المسند ٥/٤٢٨. ٤ معارج القبول ١/٣٢٦-٣٢٧.
[ ١ / ٨٧ ]
ثانيًا: المتابعة.
والمقصود بها: تجريد متابعة النبي ﷺ، فلا يعبد الله تعالى إلا بما شرع رسوله ﷺ لأن ذلك هي العبادة التي يحبها الله تعالى، فإنما أرسل رسله ليعبد سبحانه بما شرع على ألسنة رسله ﵈. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء٦٤] .
ونبينا محمد ﷺ هو حظنا من الأنبياء، فلا تصح عبادة المسلم إلا إذا كانت وفق شرعه ﷺ. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران ٣١] .
وقال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر٧] إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على وجوب التزام السنة وتحريم البدعة، وقد سبق ذكرها عند الحديث على منهج السلف في تقرير العقيدة.
[ ١ / ٨٨ ]