منهج السلف الصالح في التوحيد
التوحيد: مصدر وحد يوحد توحيدا فهو موحد، والواحد والأحديدور معناه على الانفراد.
وشرعًا: هو اعتقاد أن الله تعالى واحد في ذاته وواحد في ريوبيته وواحد في صفاته لا مثيل له وواحد في ألوهيته وعبادته لا شريك له.
فهذا التعريف تضمن اعتقاد وحدانية الله ﷿ من جميع الوجوه فهو واحد في ذاته لا ولد له ولا والد، وليس ثلاثة كما يدعي النصارى، تعالى الله عن ذلك كما يبطل دعوى من زعم وحدة الوجود، وأن الله هو هذا الكون من حولنا متوزع في ذراته تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وهو سبحانه واحد في ربوبيته لا معاون له ولا ظهير ولا مساند ولا معين لا في الخلق ولا في التدبير.
وهو سبحانه واحد في صفاته لا مثيل له في شيء من صفاته فهو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
كما يتضمن التعريف وجوب إخلاص العبادة له وحده لا شريك له، إذ لا معبود بحق سواه.
أنواع التوحيد الثلاثة:
يصرح السلف ﵏ بأن الواجب على العباد إخلاص التوحيد لله تعالى، والتوحيد عندهم ثلاثة أنواع، هي:
أولا: توحيد الربوبية.
هو توحيد الله بأفعاله مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير ونحوها مما هو من خصائص الربوبية.
[ ١ / ٧٤ ]
وهذا النوع من التوحيد، وهو الإقرار بربوبية الله جملة وأنه الخالق والرازق ليس فيه كبير خلاف بين بني البشر، فقد ذكر الله تعالى إقرار المشركين بذلك. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت ٦١] وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت٦٣] وقال ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون٨٤ – ٨٩] وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَأَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل٦٠ – ٦٤] .
فهذه الآيات وغيرها كثير تقرر أن المشركين الذين قاتلهم النبي ﷺ كانوا يقرون بربوبية الله تعالى ولكنهم يكفرون بالألوهية.
قال ابن جرير في تفسيره لآية العنكبوت: "ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من خلق السموات والأرض فسواهن ليقولن الذي خلق ذلك وفعله الله فأنى يؤفكون يقول جل ثناؤه، فأنى يصرفون عمن صنع ذلك فيعدلون عن إخلاص العبادة له".١
وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف١٠٦] قال: "من إيمانهم إذا قيل
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير الطبري ٢١/١١
[ ١ / ٧٥ ]
لهم من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا الله وهم مشركون.
وروى نحوه عن عكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء وابن زيد، ونذكر رواية ابن زيد لما فيها من التفصيل حيث جاء فيها أنه قال: "ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله يعرف أن الله ربه وأن الله خالقه ورازقه وهو يشرك به ألا ترى كيف قال إبراهيم "أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين" قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون قال فليس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبي لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، المشركون كانوا يقولون هذا".
وقال ابن جرير مفسرا للآية السابقة: "وما يقر أكثر هؤلاء الذين وصف ﷿ صفتهمبالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء إلا وهم به مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام واتخاذهم من دونه أربابا وزعمهم أن له ولدا تعالى الله عما يقولون"١
كما روى ابن جرير في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت٦٥] عن قتادة أنه قال:"فالخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك".٢
فهذه النصوص تثبت أن المشركين كانوا يقرون بالربوبية لله ﷿ ولكنهم يشركون في العبادة والألوهية وهذا ما كانوا أنكروه على النبي ﷺ كما ذكر الله ﷿ في قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص٥] وهو الذي استنكره أيضا المشركون قبل مشركي مكة، كما
_________________
(١) ١تفسير ابن جرير ١٣/٧٧-٧٩ ٢ تفسير ابن جرير ٢١/١٣
[ ١ / ٧٦ ]
ذكر الله تعالى عن قوم هود أنهم قالوا له ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِين﴾ [الأعراف٧٠] .
وهذا أمر معلوم ظاهر لكل من نظر إلى النصوص الشرعية،أدرك أن أهل الجاهلية كانوا يعرفون الله ويقرون له بالربوبية يقرون له بأمور أكثر من الخلق والرزق كما قال زهير بن أبي سلمى:
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ليخفى ومهما تكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينتقم١
وكما قال عنترة:
يا عبل أنى من المنية مهرب إن كان ربي في السماء قضاها٢
بل كانوا يعبدونه بأنواع من العبادة كالحج والدعاء والاستغاثة به في حال الشدائد إلا أنهم كانوا يشركون معه آلهتهم ويزعمون أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده، قال جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر٣] .
أدلة توحيد الربوبية:
إن الأدلة على توحيد الربوبية ظاهرة واضحة وكثيرة عديدة، نذكر منها:
أولًا: دليل الفطرة:
الفطرة لغة: هي الخلقة. ٣
والمراد بدليل الفطرة أن الله تعالى خلق العباد مفطورين على الإقرار به، واعتقاد أنه خالقهم وربهم. وهذا هو المروي عن كثير من السلف، فقد روى ابن جرير الطبري
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الحميد ص٣٤. ٢ تيسير العزيز الحميد ص٣٤. ٣ اللسان ٥/٣٤٣٣.
[ ١ / ٧٧ ]
بسنده أن عمر ﵁ مر بمعاذ بن جبل فقال: "ما قوام هذا الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص، وهو الفطرة ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم٣٠]، والصلاة: وهي الملة، والطاعة: وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.
وروى عن مجاهد أنه قال: فطرة الله الإسلام ". ١ وهو قول أكثر السلف.٢ وقد دل على ذلك أدلة عديدة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف١٧٢] .
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ مرفوعا قال: "إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان –يعني عرفه- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا قال: "ألست بربكم"قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين".٣
وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء".٤
وحديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ٢١/٤٠. ٢ انظر شفاء العليل ٢/٢٩٧-٣١٥، وانظر القائد إلى تصحيح العقائد ص١٨. ٣ حم ١/٢٧٢ وذكر ابن كثير في تفسيره ٢/٢٤١ روايات عديدة في هذا المعنى ورجح وقفها على ابن عباس ﵁. ٤ أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، فتح الباري ٣/٢٤٦
[ ١ / ٧٨ ]
سلطانا " ١ الحديث.
فهذه الأدلة تدل على أن الخلق مفطورون على الإقرار بالخالق وأنه ربهم وخالقهم وأنهم تتغير فطرهم تلك بما يحرفهم إليه آباؤهم من اليهودية والنصرانية وغيرهما.
ثانيًا: دليل الآيات
المراد بدليل الآيات، هي العلامات الدالة على ربوبية الله تعالى، وهي كثيرة:
١ - الآيات الكونية: وهي جميع ما يحيط بالإنسان ويصل إليه بنظره وفكره من مخلوقات الله، كالسماء والأرض والشجر والجبال والدواب والبحار والإنسان ففي كل ذلك آيات باهرات واضحات على ربوبية الله تعالى.
وقد لفت الله تعالى نظر الإنسان إلى ذلك. قال عز من قائل ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران١٩٠]، و﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات٢٠.
ولما سأل فرعون موسى ﵇ عن رب العالمين، أجابه موسى ﵇ بما يقطع حجته ويفضح كذبه. قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء ٢٣ – ٢٦] .
فهذه آيات ظاهرة ألجمت إمام الملاحدة وأخرسته وأظهرت خزيه وفجوره.
والآيات الكونية ظاهرة لكل إنسان لا تحتاج إلى كبير عناء في إدراك أن لها موجدًا أوجدها له كل صفات الكمال والجلال، وقد حدد الله تعالى وحصر الأوجه
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم كتاب الجنة، باب ١٦ ٤/٢١٩٧، وأحمد ٤/١٦٢.
[ ١ / ٧٩ ]
الممكنة في إيجاد الخلق وذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور ٣٥] .
فلا يخرج الأمر عن واحد من هذه الثلاثة، إما أن تكون الأشياء مخلوقة هكذا صدفة بدون موجد وخالق، وذلك باطل ببديهة العقول، وإما أن يكون الإنسان أوجد نفسه وأوجد غيره، وهذا باطل يعلمه كل إنسان من نفسه ويتيقنه. فإذا لم يكن واحدًا من هذين فلا يبقى إلا الأمر الثالث، وهو أن لها خالقًا وهو الله تعالى الذي أوجدها ودبرها وهو المتصرف وحده فيها.
٢ - الآيات التي أظهرها الله تعالى على أيدي أنبيائه.
الآيات والمعجزات التي أجراها الله تعالى على أيدي أنبيائه، هي دلائل عظيمة دالة على ربوبية الله وألوهيته،وصدق أنبيائه تعالى فيما دعوا إليه أقوامهم من التوحيد وقد سماها الله تعالى آيات.قال تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة ٢١١] .وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرائيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا، قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء ١٠١ – ١٠٢] .
قال ابن القيم ﵀: "وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله، وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله آيات بينات". ١
_________________
(١) ١ الصواعق المرسلة ٣/١١٩٧.
[ ١ / ٨٠ ]
٣ - الآيات المتلوة.
المراد بالآيات المتلوة كلام الله المنزل على أنبيائه، ومن أعظم ذلك القرآن الكريم، فهو آية مستقلة كافية من جميع الوجوه في الدلالة على الخالق ﵎ أصرح دلالة وأوضحها وأصدقها وأكملها. قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ، وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت ٤٩ – ٥١] .
فمن رام إثبات وجود الخالق ﵎ وربوبيته وألوهيته من خلال النص على ذلك فهو متوفر في القرآن، ومن رام إثبات ذلك من خلال إعجاز النص المنزل فذلك متوفر، فيكون من جنس آيات الأنبياء المحسوسة، بل هو أعظمها. وقد قال ﵊: "ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما أمن على مثله البشر وأوتيت روحًا فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة".١
ومن هذه الناحية الأخيرة فإن كل إنسان يستطيع أن يجد في القرآن الدلالة على أن القرآن تنزيل من حكيم حميد،فالعالم بالتاريخ أو الجغرافيا أو الأحياء أو الطب أو الفلك أو غير ذلك من العلوم لو نظروا في القرآن لوجدوا فيه الآيات البينات التي ترشدهم إلى أنه حق نزل بالحق،ويدعوا إلى الحق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت ٥٣] .
_________________
(١) ١انظر مسلم كتاب الإيمان رقم ٣٨٣،١/٣٦٣ من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٨١ ]
ولأهمية هذا النوع من التوحيد إذ يرتبط به الغاية التي من أجلها خلق الإنسان وهي عبادة الله ﷿ جعله الله سبحانه مستقرا في الفطر،وجعل الإقرار به بين بني البشر عاما كما جعل دلائله من أوضح الدلائل والبراهين حتى تقوم الحجة على الإنسان بأكمل صورها وأوضح مبانيها. وهذا من عظيم لطف الله بخلقه ورحمته بهم، إذ علق نجاتهم وفلاحهم على مطلب دليله مستقر في فطرهم ودلائله غير ذلك من أوضح الدلائل والبراهين بل هي في كل شيء، كما قيل:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد١
ولذا نجد أن الله ﷿ قد استدل في القرآن الكريم بآيات ربوبيته على ألوهيته واستحقاقه للعبادة دون ما سواه،وهذا ظاهر في الآيات السابقة من سورة يونس والنمل والعنكبوت والروم وغيرها.
_________________
(١) ١ اختلف في نسبته، فنسبه الصفدي إلى أبي فراس. انظر: الوفيات ٧/١٣٨، وأما أبو الفرج فقد نسبه إلى أبي العتاهية. انظر ألأغاني ٤/٣٥.
[ ١ / ٨٢ ]