المتكلمون لما عزلوا الشرع الشريف عن أن يكون مصدرهم في توحيد الله ﷿، وجعلوا مصدرهم في ذلك العقل أو المسائل العقلية المقررة في علم الكلام المستوردة من فلاسفة اليونان الوثنيين، ضلوا في هذا الباب ضلالًا بعيدا.
فمن يقرأ الكتب الموسومة بأنها أصول الدين أو قواعد العقائد أو المطالب العالية من العلم الإلهي، ونحو ذلك من كتب المتكلمين يرى أنها تقرر نوعين من التوحيد فقط، وهما:
توحيد الربوبية والأسماء والصفات، أما توحيد الألوهية فتهمله تمام الإهمال، فلا يذكرونه جملة وتفصيلا، مع أنهم في تقريرهم لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات أخطأوا أخطاءً بليغة، أثمرت لهم الانحراف الذي هم عليه في تلك العقائد. وهذا منهج عام سلكه سائر المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية.
فمن أقوالهم في بيان المراد بالتوحيد وما يدخل فيه من الأنواع:
قول عبد الجبار الهمذاني المعتزلي، المتوفى سنة٤١٥هـ يقول عن التوحيد في اصطلاح المتكلمين: "هو العلم بأن الله تعالى واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفيًا وإثباتًا على الحد الذي يستحقه والإقرار به".١
وقال الجويني الأشعري المتوفى سنة٤٧٨هـ: "وإذا أحاط العاقل بحدث العالم واستبان أن له صانعًا، فيتعين عليه بعد ذلك النظر في ثلاثة أصول يحتوي أحدها على ذكر ما يجب لله تعالى من الصفات، والثاني يشتمل على ذكر ما يستحيل عليه، والثالث ينطوي على ذكر ما يجوز من أحكامه، وتنصرم بذكر هذه الأصول قواعد العقائد". ٢
_________________
(١) ١ شرح الأصول الخمسة ص١٢٨. ٢ الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ص٥٠.
[ ١ / ١٠٢ ]
وقال الغزالي وهو أشعري توفي سنة٥٠٥هـ بعد أن ذكر أن الله ميز عصابة السنة بأنوار اليقين حتى اعتصموا من مقتضيات العقول بالحبل المتين، ومن سير الأولين وعقائدهم بالمنهج المبين، فجمعوا بين نتائج العقول وقضايا الشرع المنقول، وتحققوا أن النطق بما تعبدوا به من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله ليس له طائل ولا محصول، إن لم يتحقق الإحاطة بما تدور عليه هذه الشهادة على إيجازها تتضمن إثبات ذات الإله وإثبات صفاته وإثبات أفعاله وإثبات صدق الرسول ﷺ، وعلموا أن بناء الإيمان على هذه الأركان وهي أربعة".١
فيظهر من هذه النصوص أن التوحيد لدى المتكلمين يتعلق بإثبات، أولًا: ربوبية الله تعالى، وثانيًا: إثبات أسمائه وصفاته.
أما توحيد الألوهية فلم يذكروه ولا بكلمة واحدة، وأغفلوا الحديث عنه تمامًا، فلا ذكر له في كتبهم. وسنبين موقفهم منه، بعد أن نبين كلامهم وموقفهم من توحيد الربوبية.
أولًا: توحيد الربوبية.
توحيد الربوبية لدى المتكلمين هو الغاية من أنواع التوحيد عندهم، وقد أجهدوا أنفسهم وكدوا أذهانهم في تقريره بالعبارات المطولة والمقدمات المنطقية والفلسفية والنتائج، حتى توصلوا في النهاية إلى إقرار هذا النوع من التوحيد.
والملاحظ في كلامهم في هذا النوع من التوحيد أنهم يقررونه من ناحيتين:
الناحية الأولى: إثبات وجود الله تعالى، والناحية الثانية: إثبات خلقه لهذا العالم.
_________________
(١) ١ قواعد العقائد للغزالي ص١٤٤.
[ ١ / ١٠٣ ]
قولهم في إثبات وجود الله ﷿.
المتكلمون عمومًا من المعتزلة والأشعرية بدأوا كتبهم في العقيدة والتوحيد بإثبات وجود الله تعالى، باعتبار أن أول ما يجب على الإنسان قبل أن يدخل في هذا الدين أن يعرف الله ﷿، وقبل أن يعرفه فعليه إثباته والإقرار بوجوده.
وقد جعلوا عمدتهم في الاستدلال لإثبات الربوبية الاستدلال بحدوث العالم. وسلكوا في إثبات ذلك مسلكًا وعرًا ومنهجًا عسرا، لا يتناسب مع خطورة المسألة وأهميتها ألا وهي وجود الله ﷿، وإضافة إلى ذلك فإن المتكلمين جعلوا أول واجب على المكلف النظر في معرفة الله تعالى، وهذه المعرفة مبنية على إثبات حدوث العالم، فإذا كان حادثًا فلابد له من محدث، وهو الله تعالى.
ولإثبات ذلك سلكوا طرقًا منها:
الطريقة الأولى: الاستدلال بحدوث الأجسام أو الجواهر أو الأعراض، ولإثبات ذلك مقدمات:
أولها: إثبات الأجسام أو الجواهر أو الأعراض، وثانيها: إثبات حدوثها، وثالثها: إثبات استحالة تعري الجواهر أو الأجسام عن الأعراض، ورابعها: إثبات استحالة حوادث لاأول لها، خامسها: أن الجواهر لا تسبق الحوادث، سادسها: أن ما لا يسبق الحادث فهو حادث. وكل حادث لابد له من محدث، وهذا المحدث هو الله ﷿. وقد قال بهذه الطريقة عبد الجبار المعتزلي ١والجويني ٢.
_________________
(١) ١ انظر شرح الأصول الخمسة ص٩٢-٩٦. ٢ الإرشاد ص٣٩-٤٠. واستدل بحدوث الجواهر من ناحية إثبات ألأعراض، وإثبات عدم خلو الجواهر عنها.
[ ١ / ١٠٤ ]
الطريقة الأخرى: الاستدلال عليه بالإمكان والوجوب. ومعنى هذه الطريقة أن الموجودات منقسمة إلى قسمين، إما واجب الوجود لذاته، وإما ممكن الوجود لذاته.
وهذا الدليل مبني على مقدمات:
أولها: أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا لمرجح.
ثانيها: بيان أن هذه الحاجة حاصلة في حال الحدوث أو في حال البقاء.
ثالثها: أن ذلك المرجح يجب أن يكون موجودًا.
رابعها: أنه يجب أن يكون موجودًا حال حصول الأثر.
خامسها: أن الدور ١باطل.
سادسها: أن التسلسل ٢ باطل.
ثم عند تمام الكلام في تقرير هذه المقدمات الست يحصل الجزم بأنه لابد من الاعتراف بوجود موجود واجب الوجود لذاته. ثم إذا تبين أن هذا العالم المحسوس يمتنع أن يكون واجب الوجود لذاته، فعند ذلك نعلم أن هذا العالم المحسوس يحتاج في وجوده إلى وجود موجود واجب الوجود لذاته، وهو الله تعالى.
وقد قال بهذه الطريقة الرازي ٣. وهاتان الطريقتان هما من أهم الطرق عند هؤلاء المتكلمين في إثبات وجود الله تعالى.
_________________
(١) ١ الدور هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، مثل: لا يوجد هذا إلا مع هذا، ويسمى الدور المعي أو الإقتراني، وقد يراد به أنه لا يوجد هذا إلا بعد هذا، ولا هذا إلا بعد هذا وهو الدور البعدي. انظر درء التعارض ٣/١٤٣، التعريفات ص١٤٠. ١ هو ترتيب أمور غير متناهية، وهو على أنواع تسلسل في الآثار والشروط، والتسلسل في الفاعلين والعلل الفاعلة، والأخيران ممتنعان. انظر درء التعارض ٣/١٤٤، التعريفات ص٨٠. ٢ المطالب العالية من العلم الإلهي ١/٧٢-٧٣.
[ ١ / ١٠٥ ]
الرد على المتكلمين في مسلكهم لإثبات وجود الله ﷿:-
إن المسلك الذي سلكه المتكلمون لإثبات وجود الله ﷿ لاشك مسلك باطل، بل محرم. والدليل على بطلانه وتحريمه ما يلي:
أولًا - إن وجود الله ﷿ يثبته جل بني آدم، ولم ينكره إلا طائفة قليلة من الملاحدة١، الذين هم أتباع فرعون إمام الملاحدة ومن أخذ بقوله وقولهم من السابقين واللاحقين، وهؤلاء لا يشكلون إلا نسبة قليلة من مجموع بني آدم، أما الغالبية العظمى من بني آدم من أصحاب الأديان كاليهود والنصارى والهنود ومشركي العرب فضلًا عن المسلمين فيثبتون وجود الله ﷿.
كما أن الله حكى عن فرعون أنه كان في قرارة نفسه مقرًا بوجود الله ﷿ وربوبيته، وإنما جحد ذلك تكبرًا وعلوًا. قال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل١٣، ١٤] .
وقال موسى ﵇ لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء١٠٢] . فإذا كان الأمر كذلك فهل يسوغ الاشتغال بتلك الطرائق التي يزعم المتكلمون أنهم يريدون أن يثبتوا بها وجود الله ﷿ وإرغام أنوف الملاحدة؟! .
ثانيًا - إن أعظم الدعاة إلى الله ﷿ وأشدهم نصحًا للخلق هم الأنبياء ﵈، وقد جادلهم أقوامهم فأقاموا الحجة عليهم بأوضح عبارة وأبين مقال، وما رأيناهم دعوا الناس إلى الإقرار بوجود الله ﷿، وإنما دعوهم إلى عبادة الله ﷿ وحده، مما يدل على أن من جاء إليهم الأنبياء ودعوهم كانوا يقرون بوجود
_________________
(١) ٣ ذكر الشهرستاني أن الملاحدة قلة وشرذمة من طوائف مجهولين. انظر: الشهرستاني في نهاية الاقدام في علم الكلام ص ١٢٨، والآمدي في غاية المرام ص٩.
[ ١ / ١٠٦ ]
الخالق، بل يقرون أنهم مربوبون له ومخلوقون، وإنما نازعوا في عبادة الله وحده لاشريك له. فإذا كان أنبياء الله ﷿ لم يدعوا الناس إلى الإقرار بوجود الله ﷿ فمعنى ذلك أن وجود الله ﷿ أمر مسلم لا خلاف فيه.
ثالثًا - إن الإقرار بوجود الله ﷿ أمر فطري فطر الله عليه الناس. قال ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف ١٧٢] . بل إن المشركين كانوا يقرون بربوبية الله فضلًا عن وجوده، كما قال الله ﷿ عن المشركين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]
فعلى ذلك فلا حاجة إلى إتعاب النفس في أمر قد فطر عليه بنو آدم.
رابعًا - إن من أنبياء الله ﵈ من واجه الملحدين وأقام عليهم الحجة، إلا أنهم لم يستدلوا بتلك الأدلة التي استدل بها المتكلمون، فهذا إبراهيم ﵇ فيما حكى الله لنا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة٢٥٨] .
وهذا نبي الله موسى ﵇ واجه زعيم الملاحدة وإمامهم فرعون حين أنكر وجود رب العالمين، ورد عليه وأفحمه كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ
[ ١ / ١٠٧ ]
اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء٢٣ – ٢٩] فلم يستطع فرعون أن يدفع الدليل وتحير في الإجابة، حتى اضطر إلى إخفاء خزيه وفضيحته بالتهديد بالسجن.
فلا شك أن الدليل الذي استخدمه كل من إبراهيم وموسى ﵉ كان كافيًا بدليل أن الطغاة لم يستطيعوا أن يردوه.
خامسًا - إنا نعلم قطعًا ويقينا أن النبي ﷺ لم يدع الناس إلى الاستدلال على وجود الله ﷿ بدليل حدوث الأجسام أو دليل الإمكان، بل ولا أثر عن أحد من الصحابة حرف واحد في ذلك. وهذا فيه واحد من أمرين:
- إما أنه دليل باطل غير صحيح.
- أو أنه دليل ضعيف لا يوصل إلى الغاية منه بالدرجة والسرعة المطلوبة.
سادسًا - إن الأجسام والجواهر والأعراض وكذلك الإمكان مصطلحات فلسفية مختلف في إثباتها وتعريفها وتحديدها إلى أقوال عديدة ١، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأصل الذي أراد المتكلمون أن يجعلوه دليلًا على وجود الله ﷿ مختلف فيه، فكيف يستدل بشيء مختلف فيه على شيء المقصود من إثباته الوصول إلى اليقين.
_________________
(١) ١ انظر في ذلك مقالات الإسلاميين ٢/٥-٥٧، والمعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى ص٣٥-٣٧.
[ ١ / ١٠٨ ]
سابعًا – إن لتلك المقدمات التي استدل بها المتكلمون، -والتي سبق ذكرها- لإثبات حدوث العالم مقدمات طويلة مختلف فيها، فقد عارضها معارضون وأنكرها منكرون، فقد ذكر الرازي في "الأربعين" إثبات حدوث العالم وذكر له ست حجج، وذكرها عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في "درء التعارض"، ثم ذكر معارضات أبي الثناء الأرموي في كتابه "لباب الأربعين" عليها فاستغرقت أكثر من خمسين صفحة في كتابه "درء التعارض" ١، ثم ذكر الحجج الأخرى والاعتراضات عليها فاستغرقت قرابة الثلاثين صفحة ٢. وبعد أن ذكر شيخ الإسلام قدح المتكلمين بعضهم في بعض في استدلالهم بتلك المقدمات على حدوث الأجسام قال: " وإنما المقصود القدح في هذه المسالك التي يسمونها براهين عقلية، ويعارضون بها نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف، ثم إن نفس حذاقهم قدحوا فيها".٣
أما الاستدلال بالإمكان فقد ذكره الرازي في كتابه "المطالب العالية من العلم الإلهي" كما سبق ذكر ذلك إلا أنه حين أراد تقرير ذلك الدليل ذكر الاعتراضات والشبه حول الدليل، واستغرق ذلك حوالي مائة صفحة في كتابه المذكور ٤.
فهل من المقبول عقلًا أو شرعًا أن يكون إثبات وجود الله ﷿ بهذا العسر الشديد، وهل يمكن أن يحصل القطع واليقين بوجود الله تعالى بمثل تلك الحجج الضعيفة؟
لاشك أن المعتمد على مثل تلك الحجج لن يجد في قلبه سوى الحيرة والشك وتخلخل اليقين، وهي الحالة التي وصل إليها كثير من أهل الكلام،فظهرت حسرة
_________________
(١) ١ درء التعارض بين العقل والنقل ٢/٣٤٤-٣٩٩. ٢ درء التعارض ٣/٣-٣٠. ٣ درء التعارض ٣/٣١. ٤ انظر المطالب العالية ١/٧٤-١٧٥.
[ ١ / ١٠٩ ]
جرت على ألسنتهم لفوات ما فوتوا من برد اليقين، ورسوخ الاعتقاد، استعاضوا عنه بقيل وقال، كما هو ظاهر في كلام الرازي:
نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال
وكذلك قول أبي المعالي الجويني: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أنه يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به". وقال عند موته: "لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، وهاأنذا أموت على عقيدة أمي. أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور". ١
ويظهر لنا من ذلك كله عظيم نصح أئمة الإسلام حين نهوا عن الكلام وحذروا منه، فهذا أبو يوسف ﵀ يقول: "من طلب العلم بالكلام تزندق" ٢. وقال الشافعي ﵀: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في الأسواق، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" ٣.
وقال الإمام أحمد: "لا يفلح صاحب الكلام" ٤. وقال: "لا يكاد أحد نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل" ٥. وغيرهم كثير.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ٢٠٨. ٢ انظر الإبانة لابن بطة ٢/٥٣٨. ٣ انظر قول الشافعي في شرف أصحاب الحديث للخطيب ص١٦٨، الذهبي في السير ١٠/٢٩. ٤ الإبانة الكبرى لابن بطة ٢/٥٣٩. ٥ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/٩٥.
[ ١ / ١١٠ ]
ثامنًا –إن الاستدلال بحدوث الأجسام وحدوث الأعراض ونحوها من الأدلة هي أدلة محرمة، لأن المتكلمين لما استدلوا بها جعلوها قواعد مطردة ليست خاصة بالمخلوق، بل عمموها فأدخلوا فيها الخالق والمخلوق، فما جعلوه دليلًا لحدوث المخلوق وإيجاده من العدم جعلوه من وجه آخر دليلًا على وجود الخالق وإيجاده لهذا الكون، وقطعوا بأن ما ثبت به الخلق والحدوث لا يصح أن يوصف به الخالق بوجه من الوجوه، فأداهم هذا إلى إنكار أمور مقطوع بها شرعًا ونصوصها وأدلتها من أوضح الأدلة والبراهين، ومع ذلك فقد أنكروها وردوها حتى يسلم لهم الاستدلال بتلك البراهين على وجود الله ﷿، وخلقه لهذا العالم.
فقد أنكر المعتزلة سائر الصفات بدعوى أن إثباتها يدل على الحدوث والجسمية، وأنكر الأشاعرة والماتريدية الصفات الذاتية مثل الوجه واليد والعلو وغيرها بدعوى أن ذلك يدل على الجسمية، ونفوا أيضًا الصفات الفعلية مثل الاستواء والنزول والمجيء والإتيان والكلام بحرف وصوت بدعوى أن ذلك يدل على الحدوث، وليس لهم حجة على نفي ذلك إلا هذه المسالك التي استدلوا بها على إثبات وجود الله.
فهذا يدل على أنه مسلك محرم إذ أوصل القائلين به إلى تعطيل الباري جل وعلا، وإبطال النصوص الشرعية أو ردها وعدم قبولها. وكفى بهذا دليلًا على التحريم.
[ ١ / ١١١ ]