المعتزلة هم أصحاب الأصول الخمسة وهي:
التوحيد: الذي هو عندهم نفي الصفات، والوعيد: الذي هو نفي القدر، والوعد والوعيد: ويقصدون به أن الله لا يغفر لمرتكب الكبيرة بل هو مخلد في النار، والمنزلة بين المنزلتين: وهو أن مرتكب الكبيرة لا يسمى في الدنيا مؤمنا ولا كافرًا بل هو في منزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ويقصدون به الخروج على الحكام إذا جاروا وظلموا١.
فالمعتزلة كما هو الأصل الرابع عندهم فإن مرتكب الكبيرة قد من الإسلام ولم يدخل في الكفر ويقولون هو في منزلة بين المنزلتين أي بين الإيمان والكفر، وفي الأصل الثالث عندهم، فإن مرتكب الكبيرة في الآخرة مخلد في النار لا يخرج منها أبدا، ويرون أن عذابه دون عذاب الكفار إلا أنه مخلد في النار مثله مثل الكفار وأول من ابتدع بدعة المنزلة بين المنزلتين واصل بن عطاء الغزال، الذي كان من ضمن حلقة الحسن البصري، فجاء سائل يسأل الحسن عن مرتكب الكبيرة فقبل أن يجيب الحسن أجاب واصل بن عطاء بأنه في منزلة بين المنزلتين، ثم اعتزل في ناحية المسجد يقرر ذلك فقال الحسن اعتزلنا واصل فسموا لذلك معتزلة.
أما دعواهم في الحكم على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار فقد أخذوا ذلك عن الخوارج.
أدلة المعتزلة على دعواهم في مرتكب الكبيرة:
استدل المعتزلة بالأدلة الدالة على أن الله مدح المؤمنين ووصفهم بالصفات الحسنة مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون١] ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس٢] ونحوها من الآيات.
_________________
(١) ١ شرح الأصول الخمسة ص ١٢٨-١٤١.
[ ٢ / ٧٩ ]
ووصف الفاسقين بالصفات الدالة على ذمهم وعقوبتهم مثل قوله تعالى في قاطع الطريق ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة٣٣]، وقوله عن السارق والسارقة ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٣٨] .
كما استدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد" ١.
وقالوا إن الرسول ﷺ نفي عنه اسم الإيمان. فهذا يدل على أنه خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر.
الرد عليهم:
من سمات المبتدعة عموما أنهم إذا استدلوا بشيء من النصوص على بدعتهم فتراهم يستدلون ببعض النصوص ويعرضون عن البعض الآخر الذي لا يتفق مع بدعتهم التي ابتدعوها من دون نظر للشرع وإنما لأهواء وآراء.
والمعتزلة في استدلالهم الأول نظروا للنصوص التي ذمت الفساق وذكرت عذابهم ولم ينظروا إلى النصوص التي أدخلتهم في عداد المؤمنين مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات٩]،وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة١٧٨] .
وكذلك النصوص الدالة على إقامة أحكام الإسلام على الفاسق، وأن الشارع لم يوجب على من ارتكب شيئا من المنكرات أن يعاود إسلامه،ويجدده بناءً على خروجه منه.
كما لم ينظروا إلى النصوص التي جعلت الفساق تحت المشيئة والنصوص التي دلت على خروج الموحدين من النار بما كان عندهم من إيمان مما يدل على أنهم لم يخرجوا من الإيمان بارتكابهم شيئا من المنكرات.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المظالم ٣/١١٨، ومسلم في كتاب الإيمان ١/٧٦.
[ ٢ / ٨٠ ]
أما الآيات التي استدلوا بها: فإن ما ورد فيه مدح المؤمنين والثناء عليهم فهذا وصف أهل الكمال منهم.
أما ما ورد فيه ذمهم فهذا وصفهم في حال نقص إيمانهم بالمعاصي ولا يعني ذلك خروجهم من الإيمان بذلك.
أما استدلالهم بحديث أبي هريرة: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " فللعلماء في ذلك عدة أجوبة من أظهرها:
أن المراد أن الإيمان يرتفع عنه حال مقارفته المنكر فإذا تاب وأقلع رجع إليه إيمانه، ويؤيد هذا حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان كان عليه كالظلة فإذا انقطع رجع إليه الإيمان" ١، وبهذا قال أبو هريرة ﵁ كما روى الآجري أنه قال: "الإيمان نَزِهْ فمن زنا فارقه الإيمان فإن لام نفسه وراجع رجع إليه الإيمان "٢، وبهذا قال أيضا ابن عباس ﵁ وعطاء وطاووس والحسن وهو قول الإمام أحمد.
ولا يعني هذا القول أن مفارقة الإيمان له خروجه من الإسلام لأن جل العلماء يرون أن الإيمان مرتبة أعلى من الإسلام فلو خرج من الإيمان فهو يخرج إلى الإسلام ولا يخرج من الإسلام إلا بأمر كفري.
وقول آخر: أن الإيمان المنفي هنا هو الإيمان الكامل، وهو الكمال الواجب الذي يعاقب على تركه صاحبه لأن الكمال نوعان:
كمال واجب وهو سائر ما أوجب الله على العباد، ويدخل فيه الانتهاء عما نهى الله ﵎ عنه.
وكمال مستحب: وهو سائر ما رغب الله ﵎ به من الفضائل والأعمال الصالحة. وذلك زيادة على القيام بالواجب والانتهاء عن المحرم.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في السنة ٢/٢٧٠، والحاكم في المستدرك ١/٢٢، وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. ٢ الشريعة للآجري ص ١١٥.
[ ٢ / ٨١ ]
فنقص الكمال الواجب يعرض الإنسان للعقوبة،أما نقص الكمال المستحب فلا يعرض الإنسان للعقوبة وإنما هو أنقص من غيره ممن أتى بذلك.
والعرب قد تنفي الشيء إذا كان غير متقن، ويقصدون بذلك عدم إتقانه وعدم كماله وعدم الإتيان به على الوجه المطلوب، كقولهم لمن صنع شيئًا ولم يتقنه: أنت لم تصنع شيئًا، ويقصدون نفي تجويده وإتقانه وكمن يرى ابنا يعق أباه يقال عنه: هذا ليس بولد له، وهم يعلمون أنه من صلبه. أو كمن يرى طالبًا يأت من الأخلاق ما لا يليق بالطلاب فيقال هذا ليس طالبًا، وإنما المراد من كل ذلك نفي كمال الشيء وإتقانه وحقيقة أخلاقه.
فكذلك الإيمان المنفي في هذا الحديث وغيره من الأحاديث مثل: "لا إيمان لمن لا أمانة له" ١، وحديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٢، ونحوها إنما هي على نفي كمال الإيمان٣ والله أعلم.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند ٣/١٣٥ عن أنس ﵁ وقال الألباني في التعليق على المشكاة ١/١٤ حديث جيد وأحد أسانيده حسن وله شواهد. ٢ أخرجه البخاري في الإيمان ١/٩، ومسلم في الإيمان١/٦٧ من حديث أنس ﵁. ٣ انظر فتح الباري ١٢/٦١، الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام ص ٨٩، مسائل الإيمان لأبي يعلى ص ٣٢٠،٣٧٧.
[ ٢ / ٨٢ ]