المراد بالوعيدية: هم من قطع بإنفاذ الوعيد في أهل الإيمان والإسلام،ولم ير لأهل الفسق في الرحمة نصيب ولا رجاء.
والمراد بهم هنا: المعتزلة والخوارج.
وسنذكر قول الخوارج والمعتزلة في تعريف الإيمان في زيادته ونقصانه.
أولًا: قول الخوارج والمعتزلة في الإيمان:
الخوارج والمعتزلة قالوا: إن الإيمان هو جميع الطاعات الواجبة وهو لا يزيد ولا ينقص.١
ومن أخل بشيء من الواجبات أو ارتكب شيئًا من المنهيات، فقد خرج من الإسلام ودخل في الكفر عند الخوارج، أما المعتزلة فعندهم أنه خرج من الإسلام ولم يدخل في الكفر فهو في منزلة بين المنزلتين
الفرق بين قول الخوارج والمعتزلة وقول السلف:
الخوارج والمعتزلة وافقوا السلف في تعريف الإيمان بإدخال الأعمال في مسمى الإيمان إلا أنهم خالفوا السلف بأن جعلوا الأعمال شرطًا في صحة الإيمان، فمن أخل بشيء من الواجبات أو ارتكب شيئًا من المنهيات عند الخوارج خرج من الإيمان ودخل في الكفر، وعند المعتزلة هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر.
_________________
(١) ١ انظر أصول الدين للبغدادي ص٢٤٩، مقالات الإسلاميين ١/١٦٨، شرح الأصول الخمسة ص١٣٩، مسائل الإيمان ص٣٩٧.وانظر أيضًا قول الخوارج في الإيمان لأبي عبيد ص١٠١.
[ ١ / ٦٦ ]
أما عند السلف فإن الأعمال من الإيمان، فمن أخل بش من الواجبات أو ارتكب شيئًا من المنهيات نقص إيمانه عن القدر الواجب، وعرض نفسه للعقوبة ولم يستحق اسم الإيمان المطلق إلا أنه لا يخرج من الإيمان إلا بارتكاب عمل كفري أو ترك الصلاة على قول كثير من العلماء.
أدلة الخوارج والمعتزلة:
الخوارج والمعتزلة خالفوا السلف في مسمى وحكم من أخل بشيء من الواجبات، أو ارتكب شيئًا من المحرمات، فسماه الخوارج كافرًا، وحكموا عليه به، أما المعتزلة فقد أخرجوه من الإيمان ولم يدخلوه في الكفر. وقد استدل كل منهم بأدلة.
أولًا: أدلة الخوارج والمعتزلة.
استدل الخوارج على قولهم بتكفير مرتكب الكبيرة بالأدلة التي ورد فيها إطلاق الكفر على مرتكب بعض المعاصي مثل قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] . ومثل قوله ﷺ: "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر".١ أو قوله ﷺ: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر" ٢.
واستدل المعتزلة بالنصوص التي تسلب الإيمان عن العاصي وتصفه بالفسق، مثل قول النبي ﷺ: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.." ٣، أو حديث "لا إيمان
_________________
(١) ١ مختصر صحيح مسلم ص٣٧ ح ٥٧، باب إذا أبق العبد فهو كفر. ٢ مختصر صحيح مسلم ص٣٤ ح ٥٠، باب من قال لأخيه كافر. ٣ مختصر صحيح مسلم ص٣١، باب لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.
[ ١ / ٦٧ ]
لمن لا أمانة له" ١، أو حديث "والله لا يؤمن الذي لا يأمن جاره بوائقه" ٢ ونحو ذلك من الأحاديث.
الرد على الوعيدية:
الرد على الخوارج والمعتزلة يكون من وجهين:
الوجه الأول: في بيان معنى النصوص التي استدل بها كل من الخوارج والمعتزلة.
أولًا: أدلة الخوارج:
الأدلة التي استدل بها الخوارج وفيها وصف عامل بعض الأعمال بالكفر للعلماء فيها عدة أجوبة، منها:
١ - أن المقصود بذلك المستحل للفعل المذكور، لأن المستحل لذلك مكذب لنص القرآن أو السنة في تحريم الفعل المنهي عنه، فيكون بذلك كافرًا.
٢ - أن المراد أن ذلك الفعل مؤد إلى الكفر، لأنه كما قيل: المعاصي بريد الكفر.٣
٣ - أن المراد به كفر النعمة وكفر الإحسان.
٤ - أن المراد التغليظ، وليس الكفر بالله.٤
٥ - أن ذلك الفعل من أخلاق الكفار وأعمالهم، ولا يعني أن صاحبه كافر خارج
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده ٣/٤٣٨-٤٤٠. ٢ أخرجه البخاري ١٠/٤٥٧، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه. ٣ شرح النووي على مسلم ٢/٥٠. ٤ تحفة الأحوذي ١/٤١٩.
[ ١ / ٦٨ ]
من الإسلام.١
٦ أن المراد ليس الكفر الأكبر، وإنما هو كفر دون كفر.
ومما يدل على صحة هذا، أن الشارع ورد عنه تقسيم بعض هذه التسميات إلى قسمين، وذلك مثل قوله ﵊: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر..". فدل هذا على أن الشرك شركان أكبر وأصغر.
وكذلك ما ورد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام٨٢] شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس ذلك، إنما هو الشرك،ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان١٣] ٢
فهذا دليل على أن الظلم ظلمان، ظلم دون ظلم، وهو ظلم العبد لنفسه بالذنوب، وظلم عظيم وهو الشرك.
ومن هذا قوله ﵊ من حديث ابن عمر ﵄: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا،ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا أئتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". ٣
_________________
(١) ١ بهذا قال البخاري ﵀، حيث بوب في الصحيح: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك. انظر فتح الباري ١/٨٤. وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان ص٩٦. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء. انظر صحيح البخاري مع الفتح ٦/٥٣٧. ٣ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان. انظره مع الفتح ١/٨٩
[ ١ / ٦٩ ]
فهذا دليل على أن النفاق منه ما يكون أكبر، وهو النفاق في الإيمان بأن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، ومنه ما هو دون ذلك، وهو أن يكون فيه من أخلاق المنافقين.
ومن هذا الباب لفظ الكفر، فقد أطلق النبي ﷺ لفظ الكفر على بعض الأعمال، وفسره بغير الكفر بالله، وذلك في قوله ﵊ فيما روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" ١ ومما يدل على هذا المعنى ماروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة٤٤] قال: هي به كفر، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله. وروي عنه أنه قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق.
وروي عن عطاء أنه قال في الآية كفر دون كفر، فسق دون فسق، وظلم دون ظلم. ومثله قال طاووس، وهو ما رجحه ابن جرير.٢
وهو ما يشير إليه صنيع النووي في تبويبه لصحيح مسلم، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وما رجحه شارح الطحاوية،وهو أرجح الأقوال في جواب الأحاديث التي وصفت بعض الذنوب بالكفر ٣.والله أعلم.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الإيمان. انظره مع الفتح ١/٨٣. ٢ تفسير ابن جرير ١/٣٥٥ - ٣٥٨. ٣ شرح النووي على مسلم ٢/٥٧، مجموع الفتاوى ٧/٥٢٤، شرح الطحاوية ص٤٤٤.
[ ١ / ٧٠ ]
ثانيًا: أدلة المعتزلة.
الأدلة التي استدل بها المعتزلة وفيها نفي الإيمان عن مرتكبي بعض الأعمال، فليس المراد بنفي الإيمان أنه لم يبق معه شيء من الإيمان، وإنما هو نفي لكماله الواجب الذي يعرض تاركه للعقوبة، فقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له" يعني أنه فاقد للجزء المهم من الإيمان الذي بفقده يصبح صاحبه كأنه خال منه، وهو مثل صانع يصنع عملًا لأحد،إلا أنه لم يحسنه فيقال له: ما صنعت شيئًا، أو مثل طالب العلم يذهب ليتعلم العلم ثم لم يحسن التعلم فجاء علمه قليلًا ضعيفا فيقال عنه إنه لم يتعلم شيئًا، ولا يعني ذلك نفي الصفة ولا نفي العلم بتاتًا، وإنما يعني نفي حقيقته، ونفي الشيء الذي به يستحق أن يوصف به.
فكذلك الإيمان إذا وقع صاحبه في تلك الذنوب، إنما ينفي عنه حقيقته وإخلاصه، الذي لو كان موجودًا عنده لعصمه وأبعده عن تلك الموبقات والمحرمات.١ والله أعلم.
الوجه الثاني: وهو في بيان أن المعاصي لا تزيل الإيمان ولا توجب كفر فاعلها:
أجمع أهل السنة على أن المعاصي لا توجب الكفر واستدلوا لذلك بعدة أدلة:
١ - أنه لو كان كفرًا مخرجًا من الملة لكانوا بذلك مرتدين،ووجب قطع نكاحهم وتوارثهم، ولوجب قتلهم لردتهم. وهذا كله لم يقع من النبي ﷺ، ولم يحكم الله بذلك
_________________
(١) ١ انظر الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام ص٩٠ - ٩٨، مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٣٧٧، شرح مسلم للنووي ٢/٤١، فتح الباري ١٢/٦١
[ ١ / ٧١ ]
فنجد أن الله حد الحدود في الزاني البكر الجلد، وفي الثيب الرجم، وفي شارب الخمر الجلد، وفي السارق القطع. والنبي ﷺ نفذ هذه الحدود فيمن ارتكب شيئًا من المنهيات، ولم يقتل إلا من كان حده القتل، وكذلك فعل أصحابه رضوان الله عليهم. فهذا دليل واضح على أنه لا يخرج من الإسلام ولا يكفر.
٢أن الله جل وعلا قد أثبت الإيمان لبعض العصاة في مثل قوله ﷿: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات٩] .
فوصفهم بالإيمان في حال القتال، وهذا يدل على أنهم لا يخرجون بذلك من الدين. وكذلك قال ﷺ في كلامه عن الحسن بن علي ﵁: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".١
فوصفهم بالإسلام مع وقوع القتال بينهم، مما يدل على عدم خروجهم من الإسلام.
٣أنهم في الآخرة تحت المشيئة داخلون تحت عموم قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء٤٨] .
كما ثبت في أحاديث كثيرة خروج أناس كثير من العصاة من النار، كما أن أحاديث الشفاعة تدل على أنه لا يخلد في النار إلا الكفار، فلو كان مرتكبو الكبائر كفارًا كفرًا أكبر لكانوا من الخالدين في النار، وفي هذا كفاية ومقنع لمن هداه الله.
وقبل أن نختم الكلام في هذه المسألة نشير إلى أمر مهم اشترك فيه سائر المخالفين للسلف في الإيمان وهو:
أنهم زعموا أن الإيمان كل لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٥/٣٦١ح٢٧٠٤ كتاب الصلح.
[ ١ / ٧٢ ]
فالمرجئة زعموا أن الإيمان شيء واحد وهو التصديق أو القول والتصديق أو القول، وهذا عندهم شيء واحد لا يتجزأ، فلو زال بعضه لزال كله، فلو زال بعض الإيمان وهو التصديق لصار شكًا وذلك كفر.
وكذلك قال المعتزلة والخوارج أن الإيمان كل لا يتجزأ فهو قول واعتقاد وعمل، ولو زال جزء منه سواء من القول أو الاعتقاد أو العمل زال المسمى كله فلا يسمى إيمانًا، وإنما يسمى كفرًا، كما هو عند الخوارج،أو منزلة بين المنزلتين كما هو عند المعتزلة.
والحق خلاف قولهم جميعا، فإن الإيمان مركب من ثلاثة أشياء، وهو القول والاعتقاد والعمل، وزوال جزء منه لا يزيل مسماه ما لم يكن في ذلك الجزء هو الأصل الذي يبنى عليه الدين كله. وذلك مثل الشجرة فإنها مكونة من جذور وساق وأغصان أوراق فلو زال جزء من الأغصان أو الأوراق فإنها تبقى على اسمها ولا يزول عنها الاسم بزوال الجزء، ولكنها توصف بالنقص.
وكذلك سائر المركبات من المكيلات والموزونات لو زال منها جزء فإنها لا تفقد مسماها، وإنما تفقد كمالها، فكذلك الإيمان زوال جزء منه لا يزيل مسماه، وإنما يزيل عنه وصف الكمال فقط ١. والله أعلم.
_________________
(١) ١ مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص٣٦٥، جامع العلوم والحكم لابن رجب ص٤٣
[ ١ / ٧٣ ]