منهج السلف في الصحابة رضوان الله عليهم
الصحابي هو: من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على الإسلام ١
الصحابة رضوان الله عليهم: هم أصحاب رسول الله ﷺ وأصهاره ووزراؤه وأنصاره وأعوانه وهم أنصار دينه وحاملو لوائه ودعاة دينه ومبلغوه، وهم تلاميذه وأتباعه ولهم فيه القدوة الحسنة وله فيهم التربية الناجحة والنبتة الصالحة.
ومن اطلع على شيء من تاريخ المسلمين في صدر الإسلام أدرك ما لأصحاب النبي ﷺ من صدق الإسلام والإخلاص وعميق الحب والولاء لرسول الله ﷺ ولدينه والتفانى في بذل النفس والأهل والولد والمال في سبيل الله، قال ابن حجر: "واتفق أهل السنة على أن الصحابة كلهم عدول،ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة" ٢
وعلى العموم فأصحاب النبي ﷺ قد عدلهم الله ﷿ وعدلهم رسوله ﷺ فلا يحتاجون مع تعديل الله وتعديل رسوله تزكية أحد ولا تعديله فهم الذين قال الله ﷿ فيهم ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر٨، ٩] وقال ﷿ مبينا رضاه عنهم ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح١٨]
_________________
(١) ١ الإصابة ١/٧ ٢ الإصابة ١/١٠
[ ٢ / ١٠٤ ]
وقد كانوا كما روى عن جابر بن عبد الله ﵁ ألفا وأربعمائة أو ألفا وخمسمائة١
وقال ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة١٠٠] وقال ﷿: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد١٠] .
قال ابن حزم عن هذه الآية الصحابة كلهم في الجنة وذلك أن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء١٠١]،فتبين أن الجميع في الجنة وأنه لا يدخل أحد منهم النار لأنهم المخاطبون في الآية السابقة.٢
وقال ﷿: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح٢٩]
فهذه بعض ما ورد في القرآن الكريم من فضلهم والثناء عليهم وإثبات رضي الله ﵎ عنهم.
وقد ورد في السنة من ذلك أيضا شيء كثير،فمن ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ٣
_________________
(١) ١ الاستيعاب بهامش الإصابة ١/ ١١ ٢ الإصابة ١/١٢ ٣ أخرجه البخاري ٣٦٧٣ ومسلم ٢٥٤١
[ ٢ / ١٠٥ ]
وعن عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ١ وأخرج الترمذي وغيره عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد أذاني ومن آذاني فقد أذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه".٢
وقال عبد الله بن مسعود: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ. وقد رأى أصحاب محمد ﷺ جميعا أن يستخلفوا أبا بكر"٣.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁ أيضا: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد ﷺ أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وفضلهم فقد كانوا على الهدى المستقيم".٤
فهذه بعض النصوص الدالة على فضلهم على العموم وهي مبينة أن أصحاب نبينا محمد ﷺ لهم المقام الأعلى والشرف الأسمى بما تميزوا به من الهدى والتقى وما اختصوا به من بين سائر أفراد الأمة بصحبة نبينا الكريم ﷺ، ومن أن الإسلام إنما قام بجهادهم وبذلهم وتفانيهم في دعوة الناس إلى الخير فلولا ذلك لما وصل الإسلام إلينا فلهم حق على كل مسلم جاء بعدهم أن يعرف لهم فضلهم ومكانهم.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٢٦٥١ مسلم ٢٥٣٥ ٢ الترمذي ٣٨٦٢ أحمد ٤/٨٧ وحسنه الترمذي ٣ أخرجه أحمد ١/٣٧٩ ٤ أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم ص٣٦٨.
[ ٢ / ١٠٦ ]
وهنا أمران يجب التنبه لهما:
الأول: أن مراتبهم في الفضل كمراتبهم في الخلافة فأعلاهم مكانة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين.
وهذا قول الجمهور وقد كان بعض أهل السنة يقدم عليا على عثمان ﵄ وهم أهل الكوفة،إلا أن أهل السنة بعدهم أجمعوا على أن ترتيب الصحابة في الفضل كترتيبهم في الخلافة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وقد كان ابن عمر ﵁ يقول: "كنا نخير بين الناس في زمن الرسول ﷺ أبا بكر ثم عمر ثم عثمان".١
وفي رواية عنه أنه قال: "كنا نقول ورسول الله ﷺ حي أفضل أمة رسول الله ﷺ بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان".٢
أما أفضلية علي ﵁ فيستدل لها بما ورد من الأحاديث التي دلت على فضله وأنه الذي تولى الخلافة بعد عثمان ﵁ فيدخل في قول النبي ﷺ الذي يرويه سفينة عن النبي ﷺ: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة" ٣ وبخلافة علي ثم من بعده الحسن تكتمل الثلاثون سنة. ثم من بعد الخلفاء بقية العشرة المبشرون بالجنة ٤ ثم بقية الصحابة رضوان الله عليهم جميعا ولا يعدل بأصحاب النبي ﷺ أحد ولا يقاس بهم.
قيل لابن المبارك ﵀: "معاوية خير أو عمر بن عبد العزيز قال: تراب دخل في أنف معاوية ﵀ مع رسول الله ﷺ خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز".
وسئل أبو أسامة حماد بن أسامة: "أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: أصحاب رسول الله ﷺ لا يقاس بهم أحد".٥
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٢/٤٣٠ أبو داود برقم ٤٦٢٧ ٢ أخرجه أبو داود ٤٦٢٨ وابن أبي عاصم في السنة ٢/٥٥٢ وقال الألباني إسناده صحيح ٣ أخرجه الآجري في الشريعة ٢/٤٣١ حم ٥/٢٢٣ الترمذي ٢٢٢٧ وقال حديث حسن ٤ شرح الطحاوية ص: ٧٢٨ ٥ أخرجهما الآجري في الشريعة ٣/٥٢٠
[ ٢ / ١٠٧ ]
الثاني: أننا لا نغلوا في حبهم كما يغلوا الروافض في دعوى حبهم لآل البيت ولا نعتقد عصمة الصحابة ولا أحد بعد رسول الله ﷺ، بل هم مثل غيرهم من البشر يخطئون ويذنبون إلا أننا نعتقد أن الله ﵎ يتجاوز عنهم بما سبق لهم من الفضل والعمل والطاعة لله والنصح لدين الله، وقد ذكرنا النصوص الدالة على رضى الله ﷿ عنهم وهو سبحانه لا يسخط عليهم بعد أن أعلن رضاه تعالى عنهم.١
ثالثا: الكف عما شجر بينهم فلا نذكر مساويهم ولا أخطاءهم وإنما ننشر محاسنهم وفضائلهم ونستغفر لهم كما قال الله ﷿ بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر١٠] قال ابن عباس ﵁: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فإن الله ﷿ قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون".٢
فنستغفر لهم ونترضى عنهم جميعا ولا نذكرهم إلا بالجميل ولا ندخل بينهم فيما وقع منهم حكاما ومحكوما فقد روى ابن سعد في طبقاته أن عمر بن عبد العزيز ﵀ سئل عن قتال يوم الجمل ويوم صفين وقيل له لو قلت فيها برأيك: قال: دماء لم أغمس فيها يدي أغمس فيها لساني؟ "٣
ونكف عن مساوئهم ولا نتنقص أحدا منهم البتة ومن تنقص أحدا منهم، فإنه متهم بالزندقة، قال عبد الملك الميموني سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: ما لهم
_________________
(١) ١ انظر إتحاف ذوي النجابة بما في القرآن والسنة من فضائل الصحابة، ص: ٤٩ ٢ أخرجه اللالكائي في السنة ٧/١٢٥٠ ٣ طبقات ابن سعد ٦/٢٤٨ عبد الله بن الإمام أحمد في السنة رقم ١٣٠٦ والحجة في باب المحجة ١/٥٢١
[ ٢ / ١٠٨ ]
ولمعاوية؟ أسأل الله العافية ثم قال لي: يا أبا الحسن إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب محمد ﷺ بسوء فاتهمه على الإسلام".١
وروى الخطيب في الكفاية بسنده عن أبي زرعة ﵀ أنه قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله ﷺ. وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى، وهم زنادقة" ٢
هذا على العموم منهج السلف ﵏ من أصحاب النبي ﷺ وموقفهم منهم ألحقنا الله بهم وغفر لنا بحبهم إنه جواد كريم.
_________________
(١) ١ اللالكائي في السنة ٧/١٢٥٢ الحجة في بيان المحجة ١/٣٧١ ٢ الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص: ٩٧ وانظر صب العذاب على من سب الأصحاب لأبي العالي الألوسي ص: ٣٩١ وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٠/٦٩٧
[ ٢ / ١٠٩ ]