الإيمان بالقدر لا يتم ولا يكمل إلا بالإيمان بأربع مراتب وهي:
المرتبة الأولى: العلم.
والمراد بالعلم: هو اعتقاد أن الله ﷿ علم أعمال العباد دقيقها وجليلها كما علم مصائرهم إلى الجنة أو إلى النار قبل وجودهم.
والأدلة على ذلك كثيرة منها الآيات التي تثبت عموم علم الله ﷿ بكل شيء.
من ذلك قوله ﷿: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢]
وقوله ﷿: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر ١١]
[ ٢ / ١١٥ ]
وقال ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]، وغير ذلك من الآيات.
ومن السنة حديث عمران بن حصين ﵁ قال قال رجل: يارسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ فقال: "نعم، قال: فلم يعملون؟ قال: كل يعمل لما خلق له، أو يسر له" ١
المرتبة الثانية: الكتابة:
والمراد بها: اعتقاد أن الله ﷿ قد كتب جميع أعمال العباد صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها، ومن الأدلة على ذلك قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج ٧٠]
وقوله ﷿: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢]
وقال ﷿: ﴿الِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٣]
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسوله الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" ٢
وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة"، قال: فقال رجل يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في كتاب القدر ٤/٢٠٤٠-٢٠٤١، باب كيفية خلق الآدمي. ٢ أخرجه مسلم ٤/٢٠٤٤ رقم ٢٦٥٣
[ ٢ / ١١٦ ]
العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، فقال: اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، أما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ١
المرتبة الثالثة: المشيئة:
والمراد بالمشيئة؛ الإيمان بمشيئة الله النافذة في كل شيء، فلم يقع في هذا الكون شيء إلا بمشيئته، ولم يقع إلا لأن الله قد شاء وقوعه، وما لم يقع إنما لم يقع لأن الله لم يشأ وقوعه، وهذا شامل لكل شيء مما هو طاعة ومعصية وهداية وضلال وخير وشر، فمشيئة الله هي الموجبة لوقوع الأمر، وذلك معنى قول المسلمين: ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، والأدلة الدالة على إثبات هذه المرتبة كثيرة، منها:
قوله ﷿: ﴿وما تشاؤن إلا أن يشاء الله﴾ [التكوير ٣٩]
وقوله ﷿: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر ٥٦]
وقوله ﷿: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام ٣٩]
وقوله ﷿: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة ٢٥٣]
وقوله ﷿: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس ٩٩]
فهذه النصوص أثبتت أن كل شيء إنما هو بمشيئة الله ﷿.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٤/٢٠٣٩ برقم ٢٦٤٧
[ ٢ / ١١٧ ]
المرتبة الرابعة: خلق الأعمال:
والمراد بخلق الأعمال أن الله ﷿ كما أنه هو الخالق جل وعلا لذوات العباد وأجسادهم، فهو كذلك خالق لأعمالهم وأفعالهم، بل كل ما في الوجود من حركة وسكون وقول وفعل إنما هو خلق الله ﷿، والدليل على ذلك قوله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر ٦٢]
فهذه الآية عامة في خلق الله لكل شيء، وقال ﷿: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦]
وقال جل وعلا: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٣، ١٤]
فهذه الآية صريحة أيضًا في أن الله خالق لأقوال العباد التي يسرون بها والتي يجهرون بها، كما أنه خالق لما في الصدور من الإرادات والحب والبغض وغير ذلك، حيث علل الله ﷿ علمه بكل ذلك بأنه خالقه، فكيف لا يعلمه.
ومن الأدلة في ذلك قوله ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم ٢٢]
واختلاف الألسن المراد به اللغات، وقد نص الله ﷿ على أنه خالقها، حيث عطفها على خلق السموات والأرض.
وقوله ﷿: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم ٤٣]
فالله ﷿ هو الذي أضحك الإنسان، والإنسان هو الضاحك، والله ﷿ أبكاه، والإنسان هو الباكي.
وقوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس ٢٢]
فالتسيير خلق الله ﷿، والسير فعل العبد، فالله ﷿ المسّير والعبد هو السائر.
[ ٢ / ١١٨ ]
ومن السنة حديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله يصنع كل صانع وصنعته" ١
_________________
(١) ١ السنة لابن ابي عاصم ١/١٥٨.
[ ٢ / ١١٩ ]