يزعم ماركس أن الدين وسيلة من وسائل الاستغلال، اخترعه أصحاب الثروة والمسيطرون على مصادر الإنتاج ليخدروا به الشعب حتى يسهل استغلالهم وتتيسر سرقتهم وقد اضطرب ماركس في شأن الدين اظطرابًا عنيفًا فمرة يقول فيه: أنه "أفيون الشعب" الذي يخدرها عن رؤية الحقائق المادية. ومرة يزعم أنه انعكاس القوى الظاهرية التي تسيطر على معيشة الإنسان اليومية على معنى أن الإنسان يرى في المناظر الطبيعية قوة جبارة لا مناص له من الخضوع لها، فتراه يعبد منها ما لا يدركه. وطورا يصفه بأنه تزلف من واضعيه إلى أرباب السلطان وأصحاب رؤوس الأموال. وحينا يقول:
" إنه الغذاء الخادع للضعفاء لأنه يدعوهم إلى احتمال المظالم في الوقت الذي لا يتمكن من إزالتها". وأحيانًا يقول: "هو خمرة الشعوب يروضها على الفقر والمسكنة ويلهيها بما يغريها من نعيم الآخرة عن نعيم الدنيا ليستأثر به سادة المجتمع ويغتصبوا منه علانية أو يسرقوا منه خلسة ما يطيب لهم أن يغتصبوه أو يسرقوه".
وموقف ماركس المظطرب في الدين قرينه لاظطرابه النفسي، وعجز ظاهر عن مقارعة الشرائع وقد فاق ماركس الدهريين في إنكار ما وراء المادة إذ قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْر﴾ .
فإن ماركس حاول أن يفسر المظاهر الدينية بهذه الآراء المظطربة.
فأين الرأسماليون الذين أتى وحيهم بالإسلام؟ وهل علم ماركس والماركسيون بقصة الملأ من قريش حينما أرسلوا أحد زعمائهم إلى الرسول ﷺ يقول له:
"إن كنت تريد المال جمعنا لك منه ما تريد حتى تصير أغنانا، وإن كنت تريد الملك ملكناك علينا، وإن كان بك شيء عالجناك".
[ ٧ / ١٢٣ ]
وحينما انتهى سفير قريش من هذا الخطاب يقول الرسول ﷺ:
"انتهيت يا عم؟ ثم يقرأ أول سورة فصلت حتى يبلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ .
وحينئذ تتسرب أنوار الحقيقة إلى قلب ذلك السفير ويخاف على نفسه فيضع يده على فم رسول الله ﷺ ويقول: "ناشدتك الرحم أن تكف". ثم يأتي إلى قومه وينصحهم طاعة رسول الله ﷺ ويقول:
" إن لكلامه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليس من كلام البشر".
وهل علم ماركس والماركسيون قصة الملأ من قريش حينما اجتمعوا في بيت أبي طالب يقولون له:
"إما أن تنهى محمدًا عن تسفيه أحلامنا، وتضليل معتقداتنا أو تخلى بيننا وبينة" حتى يقول له عمه:
"يا ابن أخي لو أبقيت على نفسك فيقول له رسول الله ﷺ:
"والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".
وهل يظن ماركس والماركسيون الملأ من قوم فرعون هم الذين أوحوا إلى رسول الله موسى ﵇ بالدين الفذي جاءهم به ودعاهم إليه فيقول فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ؟﴾ فيقول: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ .
فيقول لمن حوله: ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ؟﴾
حتى يقول موسى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ فيقول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ . فيقول موسى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ حتى يقول فرعون: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ فيقول موسى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ .
وهل يظن ماركس والماركسيون أن الملأ من قوم فرعون أو من بني إسرائيل هم الذين أوحوا إلى موسى بتحريم المراباة وأن يقاد للنفس بالنفس، والعين بالعين، والأذن بالأذن والسن بالسن، وأن الجروح قصاص.
وهل يظن ماركس أن أغنياء اليهود والرومان هم الذين أوحوا إلى عيسى بن مريم حتى جاء بالإنجيل وهو الذي أثر عنه أنه يقول:
"إن دخل إلى مجمعكم رجل واحد بخواتيم الذهب في لباس بهي ودخل معه فقير بلباس وسخ فنظرتم إلى اللابس اللباس البهي وقلتم له:
- أجلس هنا حسنًا.
[ ٧ / ١٢٤ ]
- قف أنت هناك أو أجلس تحت موطئ القدمين.
فهل لا ترتابون في أنفسكم وتصيرون قضاة أفكار شريرة؟ ".
وهل علم ماركس أن رجلًا من فقراء المسلمين مر على رسول الله ﷺ وهو جالس مع بعض أصحابه ﵃ فقال ما تقولون في هذا قالوا:
"حري به إن خطب ألا يخطب، وإن قال ألا يستمع، وإن شفع أن لا يشفع، ثم مر رجل من أغنياء المسلمين فقال ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري به إن خطب أن يخطب، وإن شفع أن يشفع وإن قال أن يستمع". فقال ﵊:
"هذا- يعني الفقير - خير من ملء الأرض مثل هذا - يعني الغني -".
ولا شك أن ماركس يجهل هذه الحقائق ولا يدري عنها شيئًا ولو أدعى معرفتها لكانت البلية أخطر والمصيبة أعظم:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
[ ٧ / ١٢٥ ]