يرى ماركس أن (الأجراء) ولا سيما الأجراء في الصناعة قابلون (للثورة الاجتماعية) لأنهم لا يملكون شيئًا في المصانع، ولعلهم كذلك يحملون في الغالب قلوبًا مملؤة بالحقد والضغينة على أصحاب الأموال، وهم الأداة السهلة اللينة التي تؤثر فيها مختلف الدعايات لذلك اعتبر ماركس أن أول المخططات الضرورية لقيام المجتمع الشيوعي هو قيام الطبقة الكادحة_ البروليتاريا_ من العمال الصناعيين والأجراء الزراعيين بالاستيلاء على مقاليد (الحكم) ومناصب الدولة حتى يهدم بهم الحكومات القائمة.
ونحن لا نرى عيبًا في هذه القاعدة من حيث أن تكون الحكومة من طبقة الفقراء فإن الفقر والغنى في نظرنا أعراض غير ذاتية بل تتغير وتتبدل، إذ المال ظل زائل وعارية مستردة، والمرء عندنا بأخلاقه وآدابه لا بأمواله وكثرة متاعه.
وما المال والأهلون إلا ودائع -ولابد يومًا أن ترد الودائع
غير أننا لا نرى أن يكون المسيطرون على مقاليد (الحكم) ولابد من طبقة الفقراء، إذ الغالب عليهم الفوضى والجهل ولله در الشاعر إذ يقول:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
غير أن نظام الماركسيين ينص على:
(أن قيام حكومة العمال والفلاحين هو شيء (مؤقت) وأنه حركة انتقالية إلى مرحلة الشيوعية الحقيقية التي لا تبقى فيها حكومة وإنما ينطلق الشعب حرًا بلا حكومة ولا سلطان) .
بيد أن واقع الحياة الشيوعية لم ير هذه النظرية مطبقة في أي قطر
[ ٧ / ١٢٦ ]
من الأقطار التي بليت بهذا النظام. فجميع البلاد التي صالت إلى الشيوعية قامت حكومتها من جنس الحكومات التي كانت في تلك البلاد قبل الحكم الشيوعي.
ولم يقع أبدًا أن صارت حكومة شيوعية من طبقة العمال والفلاحين ففي روسيا مثلًا كان الدور الذي قامت به الطبقة الكادحة هو إشعال نار الثورة ضد الحكم القيصري والقضاء عليه، ولما تم لرؤساء الحزب الشيوعي ما أرادوا من سقوط عرش آل (روما نوف) قبض رؤساء الحزب الشيوعي على زمام الحكم وأزاحوا العمال والفلاحين من الطريق وردوهم مدحورين إلى مصانع والمزارع ليقاسوا تحت سخط الحزب الشيوعي أشد ألوان المهانة والإرهاق.
وقد قام العمال والفلاحون بعدة ثورات كانت تقابل بأنكى صنوف القمع والإرهاب، ولم تمنع وسائل التعذيب الإجرامية هؤلاء من أن يقوم الكثير منهم بإحراق المحاصيل وتبديد الماشية والأموال حتى لا تقع في يد هؤلاء الحكام المستبدين.
وقد حاول (ستالين) أن يقضي على ثورات الطبقة الكادحة بألوان شتى من أنواع القتل والحبس والنفي في مجاهل (سيبيريا) والتهديد والوعيد فلم يفلح.
وفي منشور له في هذا الصدد يقول:
"لكي يضمن الكولخوزيون المزارعون لأنفسهم الحياة والعيشة يتطلب ذلك منهم أن يعملوا في (الكولخوزات) المزارع التعاونية ويحافظوا عليها ولا ينسوا مسئوليتهم تجاهها" ولما قال العمال لستالين:
"لقد انتقلت السلطة وتركزت في يد حزب واحد هو حزبنا ولن يشاركنا في توجيه الدولة أي فئة أخرى، وهذا ما يعنيه بالدكتاتورية العمالية".
وهكذا نرى المخطط الأول من المخططات التي رسمها ماركس للمجتمع الشيوعي لم تكن إلا حبرًا على ورق كما يقولون، بل صار العمال والفلاحون في المجتمع الشيوعي أحط أنواع العمال والفلاحين في العالم.
[ ٧ / ١٢٧ ]