﷽
مقدمة
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، وأشهد أنَّ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، إلهًا أحدًا، فردًا صمدًا، لا شريك له في إلهيته، كما لا شريك له في ربوبيته، ولا شبيه له في ذاته، ولا في أفعاله، ولا في صفاته.
وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، ما أكرمَه عبدًا وسيدًا، القائل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠ - ٢٢]، صلَّى اللهُ وسلَّم عليه أبدًا أبدًا، وعلى آله وأصحابه وأتباعه سرمدًا، صلاةً وسلامًا دائمين إلى أنْ يُبعث الناس غدًا، أما بعد:
لقد أنعم اللهُ ﷿ على عبادِه نعمًا كثيرة، وأسبغ عليهم تلك النعم ظاهرةً وباطنةً، فالحمدُ لله على سابغِ نِعمه، وجزيلِ عطائه، وكريم فضلِه، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. وسبيلُ دوامِ هذه النعم هو شكرُها، وصرفُها في مرضات الله جلَّ وعلا ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
ومِنْ أعظمِ ما يشكرُ العبدُ به ربَّه جلَّ وعلا على تلك النعم، توحيدُه ﷾، وإفرادُه بالعبودية، والإيمانُ به، وبما جاءت به رسلُه؛ فإنَّ القيام بهذا موجبٌ لزيادة النِّعم، وتواتُرِ المِنَنِ، وانْدفاعِ النقم والمِحن، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].
[ ٥ ]
إنَّ توحيدَ الله ﷾ وإفرادَه بالعبادة هو الغايةُ التي مِنْ أجلِها خُلِق الجنُ والإنس، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وهو حقُّ الله على عبادِه، «حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» (^١).
وما أجمل ما قال العلامةُ ابنُ القيم ﵀ في بيان أهمية التوحيد وكلمتِه: «وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ»: كلمةٌ قامت بها الأرضُ والسماواتُ، وخُلِقتْ لأجلها جميعُ المخلوقات، وبها أرسلَ اللهُ تعالى رسلَه، وأنزلَ كتبَه، وشرعَ شرائِعَه، ولأجلها نُصِبَت الموازينُ، ووُضِعَت الدَّواوينُ، وقام سوقُ الجنَّةِ والنارِ، وبها انقسمت الخليقةُ إلى المؤمنينَ والكفار، والأبرارِ والفجارِ، فهي منشأُ الخلْقِ والأمرِ، والثوابِ والعقابِ، وهي الحقُ الذي خُلِقت له الخليقةُ، وعنها وعن حقوقها السؤالُ والحسابُ، وعليها يقعُ الثوابُ والعِقابُ، وعليها نُصِبت القبلةُ، وعليها أُسِّسَت الملةُ، ولأجلها جُرِّدت سيوفُ الجهاد، وهي حقُّ الله على جميعِ العِباد، فهي كلمةُ الإسلام، ومفتاحُ دار السلام، وعنها يُسأَلُ الأولون والآخرون، فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يُسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ ا. هـ. (^٢)
ولأهمية التوحيد، وضرورة بيانه للناس، وقيامًا بواجب النُّصح للأمة؛ ألَّفَ أهلُ العلم الكتبَ، وكتبوا الرسائل، وصنَّفوا المصنفات، في بيان التوحيد والعقيدة الصحيحة، وكذا في بيان نقيضِه الشِّرك والتحذيرِ منه، ومِن وسائلِه ومظاهره.
ومِن تلك الكتابات المنتشرة، والرسائل المشتهرة في هذا الباب رسالةٌ موجزةٌ لطيفة، قليلةُ المبنى، غزيرةُ المعنى، حوَت علمًا كثيرًا على الرغم مِنْ قلة عباراتها، وسهولةِ ألفاظها. كاتبُها عالمٌ جليل، وشيخُ كبير، وإمامٌ عَلمٌ في الدعوة إلى
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل، رقم (٥٩٦٧)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، رقم (٣٠)، من حديث معاذ بن جبل ﵁.
(٢) زاد المعاد (١/ ٣٦).
[ ٦ ]
توحيد الله ﷿ وإفرادِه بالعبادة، والتخلُّص من الشرك ومظاهره … إنها رسالة: نواقضُ الإسلام؛ لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهَّاب ﵀ وتأتي أهمية مثل هذه الرسالةِ مِنْ أهمية موضوعهِا الذي تتناوله، إذ إنها تتعلقُ بأفضل العلوم وأشرفِها، ألا وهو «توحيد الله جلَّ وعلا»، وإفرادِه بالعباده، وتنزيهه تعالى وتقدَّس عن كلِّ عيبٍ ونقص.
نعم .. إنَّ هذه الرسالة جاءت في بيان أهمية التوحيد ببيان نقيضِه، والتحذيرِ منه، ومِن مظاهره، ووسائلِه، والتأكيدِ على ضرورة صيانته مِنْ أيِّ شائبة مِنْ شوائب الشِّرك؛ حتى يأتي العبدُ ربَّه جلَّ وعلا بقلب سليم مِنْ شوائب الشِّرك وأدران البدعة.
ومما يؤكدُ أهمية هذه الرسالة النافعة: «ضرورةُ معرفةِ الشِّرك، ومظاهرِه»، حتى يتسنى للعبد تجنبُّها، والحذرُ منها. وهذا الأمر معرفةُ الشَّر لاجتنابه هو منهجُ العقلاء في كل زمان وآن، فهُم يسعون في معرفة ما ينفعُهم في دينهم ودنياهم لإتيانه والتزامِه، ومعرفةِ ما يضرُّهم ويؤذيهم لاجتنابه والابتعاد عنه. ويدل لهذا المعنى قولُ حذيفةَ بن اليمان ﵁: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي (^١). قال الشاعرُ:
عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ … ولكنْ لتوقِّيه
ومَنْ لا يَعرفِ الشَّرَّ … مِنْ النَّاسِ يقعْ فيه (^٢)
وثمة أمرٍ آخرٍ يجعلُ الحاجةَ لدراسة التوحيد، وبيانِ فضله، والتحذيرِ من الشرك ووسائلِه: ألا وهو ظهورُ وانتشارُ تلك الدعوى الباطلة، والمقولةِ الداحضة،
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة، رقم (٣٦٠٦)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، رقم (١٨٤٧)، وللبخاري عنه ﵁: تعلَّمَ أصحابي الخيرَ، وتعلمتُ الشَّرَ، رقم (٣٦٠٧).
(٢) البيتان لأبي فراس الحمداني، في ديوانه (٣٦٩).
[ ٧ ]
بأنَّه لا حاجة للحديث في التوحيد، وبيانِه، وعن الشركِ ووسائله؛ لأننا في مجتمعات إسلامية، نشأت على التوحيد، والعقيدة الصحيحة، فما الحاجة لإثقال كاهل المسلمين بالحديث عن أمرٍ تقرَّر عندهم، واستقر في قلوبِهم، والتحذيرِ مِنْ أمرٍ هم بمنأى عنه؟! زعموا.
ويتلخصُ الجواب على هذه الشبهة في جملةِ أمور، منها:
١ - تتأكد دعوةُ الناس إلى التوحيد، وتصفية العقيدة، وإخلاص العبادة لله جلَّ وعلا؛ لتعريف النَّاس بمقصدهم الأسمى في الدنيا، والهدفِ الذي مِنْ أجله أتوا لهذه الحياة، إنَّه «عبادةُ الله وحده، وإخلاصُ الدِّين له»، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (^١).
٢ - تفشيِّ مظاهر الشِّرك في أرجاء مختلفة من ديار المسلمين وبلادِهم، فضلًا عن غيرها من بلاد المشركين، بصورٍ عديدةٍ، وأساليب شتى. ومن ذلك:
أ- انتشارُ القباب والمشاهد على قبور الأولياء والصالحين وغيرهم، وهذا منتشرٌ شائع في كثيرٍ مِنْ بلاد الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ب- شدُّ الرِّحال إلى تلك المشاهدِ، ومساجدِ الأولياء والصالحين، وقبورِهم، والطوافُ حولها، والصَّلاةُ عندها.
ج- دعاءُ هؤلاء الصالحين مِنْ دون الله ﷿، والتوسلُ بهم، وصرْفُ ما لا يجوزُ صرْفُه لهم مِنْ العبادةِ، كالذبحِ والنَّذرِ لهم، والخوفِ والوجلِ مِنهم، واعتقادِ نفعِهم وضرِّهم، … إلى غير ذلك من العبادات القلبية والبدنية والمالية التي لا يجوز صرْفها بحالٍ لغير الله جلَّ وعلا.
د- تعظيمُ بعض الجهال لهؤلاء المقبوريين، سواء أولياء أو صالحين، أو غير
_________________
(١) قال العلامةُ السعدي ﵀: «هذه الغاية التي خلق اللهُ الجنَّ والإنسَ لها، وبعث جميعَ الرسل يدْعُون إليها، وهي عبادتُه، المتضمنةُ لمعرفته ومحبته، والإنابةِ إليه والإقبالِ عليه، والإعراضِ عما سواه» ا. هـ. [تيسير الكريم الرحمن (٤/ ١٧١٧)].
[ ٨ ]
ذلك، فيلتزمون أقوالَهم، ويصدرون عن آرائِهم وكلامِهم وفِعالِهم، بل ويُقدِّمونها على الكتابِ والسُّنة، فإذا قيل لأحدهم قال اللهُ، أو قال رسولُه، تراه متلكئا مُجادلا، أما إذا قيل له: قال الولي، أو صاحبُ القبر، لم يتردد في اتِّباع قوله، وتنفيذ كلامه، والله المستعان.
هـ- اتخاذُ الصُّور لهؤلاء المقبوريين، سواء أولياء أو صالحين، وتعليقُها، والتماسُ البركة منها. وهذا مِنْ أخطر وسائل الشرك، وأعظمها ضررًا، إذ لا يلبث أن يتحول هذا التعظيم لهؤلاء المقبورين بعد اتخاذ التصاوير لهم إلى عبادتهم، أو صرف شيء من العبادة لهم من دون الله ﷿. ولنعتبر بحال قومِ نوح ﵇، وما حدث منهم، فما بدأ الشركُ يظهر فيهم، ويدخلُ عليهم إلا من هذا الباب.
ويدل لهذا ما رواه البخاريُّ عن عبد الله بن عبَّاس ﵄ قال: «صَارَتِ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجُرُفِ عِنْدَ سَبَأ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ، لآلِ ذِي الْكَلَاعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ: أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ؛ عُبِدَتْ» (^١).
٣ - ومما يؤكدُ أهمية دراسة التوحيد وتعليمِه، والتحذير مِنْ الشِّرك ووسائلِه ومظاهرِه: إخبارُ النبيِّ ﷺ عن وقوعِه في هذه الأمة، وخاصةً في أخر الزمان، ولاسيما زمن غُربة الدِّين، ومِنْ ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ (^٢) نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ،
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ [نوح: ٢٣]، رقم (٤٩٢٠).
(٢) الأليات: الأعجاز، جمع أليَة، والمراد: يضطربن من الطواف حول ذي الخلصة، أي يكفرون ويعودون لعبادة الأصنام وتعظيمها دوس: قبيلة باليمن. [شرح مسلم للنووي (١٨/ ٣٣)].
[ ٩ ]
وَذُو الْخَلَصَةَ طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» (^١).
وعن ثوبان ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِى بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِى الأَوْثَانَ» (^٢).
وعن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللاَّتُ وَالْعُزَّى» (^٣).
٤ - القيامُ بتعليم الناس التوحيدَ، وتحذيرُهم مِنْ الشِّرك ووسائلِه، فيه سيرٌ على سبيلِ القرآنِ والسُّنة، والتزامٌ لصراطهما في الدَّعوةِ إلى الله جلَّ وعلا، فنصوصُ الكتابِ والسُّنة واضحةٌ في الدَّعوة إلى التوحيد، وبيانِ أهميته، وبيان الجزاءِ الذي أعدَّه اللهُ لأهله، وحُسنِ عاقبتهم، وكذا في التحذيرِ مِنْ الشَّرك، وبيان الوعيدِ عليه، وسوءِ عاقبةِ أهله، فيكاد يكون القرآن كلُّه وكذا السُّنة في بيان هذا كلِّه.
٥ - في الدَّعوة إلى التوحيد، والتحذير مِنْ الشِّرك، اتِّباعُ سبيل الأنبياءِ والمرسلين، واقتفاءُ أثر الدُّعاةِ والمُصلِحين.
وإنك يرحمك الله حين تتأمل قصصَ الأنبياء والمرسلين في القرآن تجدْ أنَّ أولَ ما يدعونَ أقوامَهم إليه هو توحيدُ الله ﷿، وإفرادُه بالعبادة، كما ذكر الله ﷿ في كتابه على لسان أنبيائه ورسله؛ فهذا نوح ﵇ يدعو قومَه لتوحيد الله ربِّ العالمين، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وهذا هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]، وهذا صالح ﵇: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الفتن، باب تغيير الزمان حتى تعبد الأوثان، رقم (٧١١٦)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة، رقم (٢٩٠٦).
(٢) رواه أبو داود في كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها، رقم (٤٢٥٢)، والترمذي في كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون، برقم (٢٢١٩)، قال الشيخ الألباني: «صحيح».
(٣) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوسٌ ذا الخلصة، برقم (٢٩٠٧).
[ ١٠ ]
قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وهذا شعيب ﵇: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥]، وهذا عيسى ﵇: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]، وهذا نبيُّنا ﷺ يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠]، وهكذا جميعُ الأنبياء والمرسلين، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
مما سبق بيانُه، نخلُص إلى أهمية الدعوة إلى التوحيد، وتصحيح العقيدة، وأنَّه سبيل الأنبياء والمرسلين، وهو غاية خلقِ الجن والإنس أجمعين.
ومن هنا تأت الحاجةُ لدراسة مثل هذه الرسائل، وتتأكد الحاجة إلى التعرُّضِ إليها بالشرح والبيان مِنْ قِبَلِ أهل العلم لتبسيطها للناس، وتقريب معانيها، وإيضاح مُبهماتها، وتوضيحِ مسائلها.
فدونك أيها القارئُ الكريمُ شرحٌ مُيسَّر لهذه الرسالة المباركة نواقضُ الإسلام لفضيلة الشيخ الدكتور: خالد بن علي المشيقح وفقه الله، ألقاه ضمن الدورة العلمية (بناء) المقامة بجامع الزهراء، بمحافظة البكيرية، بمنطقة القصيم.
وهو شرحٌ نفيسٌ حقًا، جاء بعباراتٍ سهلة، وأسلوبٍ ماتع، وعرْضٍ رائع، وأسلوبٍ علمي رصين، قد حوى فوائدَ جمةً، وتعليقاتٍ نفيسةً.
عملي في هذه الرسالة:
يتلخصُ عملي المتواضع في هذه الرسالة المباركة في الأمور التالية:
١ - تفريغُ النَّص مِنْ الأشرطة، ومراجعتُه مرتين، ومقابلةُ المكتوبِ على الورقِ بالتسجيل الصوتي.
٢ - عزو الآيات القرآنية، وإدراجُها بخط المصحف، وجعلتُ العزو بين معقوفين [] في ثنايا الشرح بذكر السُّورة ثم رقم الآية/ الآيات.
[ ١١ ]
٣ - تخريج الأحاديث، فإن كانت في الصحيحين أو أحدهما؛ اكتفيتُ بذلك وعزوتُه إليهما دون غيرهما، وإن كان الحديثُ في غير الصحيحين ذكرتُه، ونقلتُ حُكمَ أهل العلم عليه، لاسيما أحكام العلامة المُحدِّث الشيخ: محمد ناصر الدين الألباني ﵀، وقد اعتنيت بضبط متن الأحاديث ضبطًا تامًا وفقَ المثبت في الأصول المطبوعة، ويأتي التخريج بذكر الكتاب والباب، ثم رقم الحديث، وذكرتُ اسمَ الصحابي راوي الحديث في حالِ لم يذكره الشَّارح.
٤ - ضبط المتن، ومقابلته على مخطوطين ومطبوعين، وإثبات الفروق بينها، ومنهجي في هذا: إثبات المتفق عليه بين الأصول أو أغلبها (^١)، وأما ما انفردت به نسخةٌ، فإني أشير إلى ذلك الفرق في الحاشية.
وإليك وصفٌ موجزٌ للمصادر التي قمت بضبط نصِّ المتن وِفْقها:
أ- مصورة مخطوط جامعة الملك سعود: وهي نسخةٌ حسنة، جاءت في صفحة واحدة، خطها معتاد واضح، ضمن مجموع مِنْ كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب عُنْوِنَ له ب «ستة مواضع من السيرة» مكوَّن مِنْ سبع صفحات، نسخها محمد بن عبد الرحمن الشويعر ﵀، سنة ١٣٢٢ هـ. وقد أشرت إليها بالرمز (س) (^٢).
ب- مصورة مخطوط مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية: وهي نسخةٌ جيدة، جاءت في صفحتين، خطها معتاد، برقم: ٢٩٣٨/ ١٠/ ف، عليها تاريخ نَسْخِها سنة ١٣٢٥ هـ، ولم يُذكر اسمُ النَّاسخ. وقد أشرت إليها
_________________
(١) تلْحظ وفقك الله لطاعته أنَّ المطبوعين متوافقان غالبًا، وإنما الفرق بينهما وبين المخطوطين في ألفاظ يسيرة على نحو ما هو مذكور فى المتن، (ص: ٢٥).
(٢) تنويه: هذا المخطوط متوفر على الشبكة العنكبوتية، ضمن خدمة مقدمة من جامعة الملك سعود ﵀ تهدف لخدمة الباحثين، وتوفير آلية للحصول على المخطوطات النادرة بطريقة سهلة وميسرة. وإليك رابطها على الشبكة: [makhtota.ksu.edu.sa/makhtota/2594/6].
[ ١٢ ]
بالرمز (ف) (^١).
ج- مطبوع: [الدرر السنية في الكتب النجدية]: وهو كتابٌ يجمع رسائل وكتابات علماء نجد الأعلام مِنْ عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى عصر جامعِه الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ﵀، وهو من الكُتب الموثوقة التي جمعت تآليفَ علماء الدعوة، لاسيما الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وقد أشرت إليه بالرمز (د) (^٢).
د- مطبوع: [مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب]: وهو بمثابة موسوعة علمية، حوَت جُلَّ مؤلفات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وتشتمل على ثلاثة عشر مجلدًا، شاملة لكل تراث الشيخ، وقد اعتنت بإخراج هذا السِّفرُ المبارك جامعةُ الإمام محمد بن سعود الإسلامية. وقد أشرت إليه بالرمز (م) (^٣).
تنويه: لقد اعتمدت المطبوعين الأخيرين في مقابلة النَّص؛ لكونهما احتويا الرسالةَ موضوع الدراسة في ثناياهما، كما أنهما مِنْ أهم المصادر الحالية لمؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، علاوة على ذلك فإنَّه من خلال التتبع والنظر في المطبوعات المُتداولة للرسالة، تبيَّن لي أنَّ كلها أو أكثرها جاء موافقا لهذين المطبوعين، ولم أجد فيما وقفتُ عليه مِنْ مطبوعٍ مَنْ أشارَ لمخطوطٍ للرسالة، أو أثبتَ فروقًا تراها بإذن الله عند مطالعتك للمتن، وإني لأرجو أن يكون لهذا العمل المتواضع قصَبَ السَّبق في بيان ذلك، وإثباتِ تلك الفروق بين المخطوط والمطبوع.
_________________
(١) يجدُر بي في هذا المقام الإشادة ب (مركز الملك فيصل ﵀ للبحوث والدراسات الإسلامية) على تعاونِه الكريم بتوفير هذا المخطوط، ومِن ثمَّ إرسالها إليَّ، فجزاهم الله خيرًا على ما يُقدِّمون مِنْ جهدٍ مشكور في خدمة العلم والدِّين.
(٢) تجد متن رسالة (نواقض الإسلام) في الجزء الثاني من هذا الكتاب، (صفحتي ٣٦١، ٣٦٢).
(٣) تجد متن هذه الرسالة في الجزء الأول، (صفحات: ٣٨٥ - ٣٨٧).
[ ١٣ ]
٥ - ضبطُ ما قد يُشكِل على القارئ الكريم مِنْ الشرح، وإيضاحُ وتعريفُ ما غمض وأبهم مِنْ كلمات غريبة أو عبارات غامضة، بالرجوع لكتب اللغة، وغيرها، وقد اعتنيتُ بعلامات الترقيم وفق المنهج المتَّبع قدْر وُسْعي.
٦ - عزو الآثار إلى قائليها، وتوثيقُ النقول التي ذكرها الشارحُ وفقه الله مِنْ مصادرها مِنْ كتب أهل العلم، ولم أدخر جهدًا في ذلك قدر السَّعة، وعند ذِكر المصادر أكتفي بالإشارة إلى واحدٍ، أو اثنين على الأكثر؛ خشية الإطالة.
٧ - قدَّمتُ للرسالةِ بمقدمةٍ تعريفيةٍ بموضوعها، وأهميتها، وبيانِ منهج العناية بها.
٨ - قمتُ بعمل ترجمة موجزة للمؤلف ﵀، وهي مُثبتةٌ في أول الرسالةِ، وقبل المتن. أما ما ورد في ثنايا الشرح مِنْ أعلام، فلم أترجم لهم خشية الإطالة، وللراغب مراجعةُ المعاجم وكتب التراجم، فسيجدُها ثمَّ.
٩ - عرضُ العمل بعد إتمامه على الشَّارح، فضيلةِ الشيخ: خالد بن علي المشيقح وفقه الله لمراجعته، وتصويبه، وقد تفضَّلَ الشيخُ مشكورًا بمراجعتِه، والتقديمِ له.
١٠ - ذكرتُ في مواضعَ عديدة فوائدَ ونكتًا بديعة مِنْ كلام أهل العلم، وذلك فيما يتصل بالشرح.
١١ - وضعتُ عناوينَ جانبية لتساعدَ القارئ على فهم المرادِ مِنْ هذا الكلام، وهي بمثابة خلاصة للفقرة التي أمامها.
١٢ - إذا كان لي مِنْ تعليقٍ على قِلَّةٍ، أثبتُّه في الحاشية، مُصدِّرًا إياه بكلمة «قلت».
١٣ - ذَيَّلْتُ الرسالةَ بقائمةِ المراجع التي اعتمدتها في عملي، وقائمةِ فهارس للموضوعات فحسب.
[ ١٤ ]
وختامًا، إني لأشكرُ الله العليَّ الكبيرَ على ما منَّ به عليَّ، وشرفني به مِنْ خدمة لهذه الرسالة المباركة، وهذا الشرح الماتع، وإني لأسألُه جلَّ وعلا أن يرزقني الإخلاصَ في القولِ والعمل، وأنْ يجعلَ هذا العملَ في ميزان حسنات مؤلفِه وشارحِه ومَن اعتنى به، وأن ينفعَ به قارئَه والنَّاظرَ فيه وعمومَ المسلمين، وأنْ يُجازي مَنْ ينشرُه ويساهم في توزيعِه خيًرا.
فيا قارئًا لهذه الرسالةِ، لِتَذكُرْ مؤلفهَا وشارحَها ومَن اعتنى بها بدعوةٍ صالحةٍ بظهرِ غَيب، وانشر جزاك الله خيرًا ما وقفتَ عليه في هذا العمل مِنْ خير، وغُضَّ الطرفَ عن غير ذلك، وجُدْ بالصفح، وابذل النصح، وإني لك لممتنٌ شاكر.
إنْ تجِد عَيبًا فسُدَّ الخلَلا … واظفَرْ بنفعٍ، ثم خَلِّ الزَّللا
وَحسبي أنِّي قد بذلتُ طاقتي … جَلَّ مَنْ لا عَيْبَ فيه وعَلا
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا، وكلِّ مَنْ له حقٌّ علينا، وللمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، ربنا توفَّنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين. اللهم نسألك إيمانًا خالِصًا، وعملا صالِحا، ونعوذُ بك مِنْ الشركِ، ووسائله، ومِن مفسدات الإسلام ونواقضه.
وصلى اللهُ وسلَّم وبارك على عبدِه ورسولِه، نبينا محمدٍ ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعنَّا معهم، بفضلِه ورحمته، إنَّه جوادٌ كريم، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
وكتبه: أبو عبد الله
محمد بن السَّيد بن سليمان الغنَّام
صبيحة الأحد الخامس مِنْ جمادى الثانية ١٤٣٢ هـ
البكيرية القصيم
[ ١٥ ]