عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الله بن عمر - ﵄ - قَالَ: «قَامَ النَّبِىُّ - ﵌ - خَطِيبًا فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَةَ فَقَالَ: «هُنَا الْفِتْنَةُ - ثَلاَثًا - مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ». (رواه البخاري).
الجواب:
هذا الحديث له روايات أخرى كثيرة تبين المقصود الحقيقي منه قد أخرجها البخاري نفسه وغيره، والواجب علينا جمعها وضمها كلها فإنها كلها صحيحة ثم نفهم بعد ذلك مراد النبي - ﵌ - من قوله.
ليس المراد من الحديث عائشة - ﵂ - بل جهة المشرق، فقد كان بيت عائشة جهة المشرق، فلو كانت عائشة
_________________
(١) انظر: (تقريب التهذيب١/ ٦٢٣). (المجروحين٣/ ١٤٧).
[ ٨٩ ]
المقصودة بذلك لطلقها النبي - ﵌ - بل - على العكس - كانت - ﵂ - أحب الناس إليه.
ويدل على أن الجهة هي المقصودة قال رسول الله - ﷺ -: «رَأْسُ الكُفْرِ قِبَل الْمَشْرِقِ» (رواه البخاري ومسلم).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - قَامَ عِنْدَ بَابِ حَفْصَةَ فَقَالَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ: «الْفِتْنَةُ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ». قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا. (رواه مسلم).
وفي رواية عنه: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يُشِيرُ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَيَقُولُ: «هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا» - ثَلاَثًا - «حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ». (رواه مسلم).
فليس المقصود بيت حفصة أو بيت عائشة، إنما المقصود جهة المشرق التي كان فيها بيتاهما.
وقال سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: «يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ، سَمِعْتُ أَبِى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِىءُ مِنْ هَا هُنَا». وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ «مِنْ حَيْثُ
[ ٩٠ ]
يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ». وَأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». (رواه مسلم).
فيستفاد إذن من مجموع هذه الروايات الصحيحة بأن مقصود النبي - ﵌ - بمطلع الفتنة إنما هو جهة المشرق وهي قرن الشيطان ولأن بيت عائشة - ﵂ - كان إلى شرقي مسجده - ﵌ -.
أراد راوي الحديث وهو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر - ﵄ - أن يحدد الجهة التي أشار إليها رسول الله - ﵌ - فذكر أنه أشار إلى هذه الناحية، حتى أنه لم يقل (أشار إلى مسكن عائشة) بل قال: (فأشار نحو مسكن عائشة) مما يبين أنه عنى الجهة فقط بخلاف كل الروايات الأخرى والتي فيها قوله (وأشار إلى المشرق) لأن فيها تحديد المقصود تماما، وهذا لا يخفى على من له علم باللغة.
ثانيًا: كلام الشيعة لا يعني إلا أحد شيئين: إما أن يقولوا أن النبي - ﵌ - عنى بتلك الإشارة عائشة نفسها، أو يقول أنه - ﵌ - قصد مسكنها نفسه، فإن قالوا الأول فبطلانه
[ ٩١ ]
واضح من معرفة التراكيب اللغوية التي في الحديث وإنها لا تستعمل إلا للإشارة لمكان معين لا لشخص، كقوله (مِنْ حَيْثُ) وقوله (هَاهُنَا الْفِتْنَة) يشير إلى مكان تستوطن فيه الفتنة.
وإن قالوا الثاني - وهو أنه - ﵌ - أراد مسكنها نفسه - فلا يمكن أن يكون كذلك طيلة حياة النبي - ﵌ - وهو مقّر السكن فيه ويتردد إليه كل يوم فيه نوبة عائشة - ﵂ -، بل كان يتردد إليه أكثر من بيوت زوجاته الأخريات بمقدار الضعف فإن لعائشة - ﵂ - في القسم يومان: يومها ويوم سودة بنت زعمة - ﵂ - التي وهبته لها لعلمها بمحبة النبي - ﵌ - لها.
وأكثر من ذلك أنه - ﵌ - كان في سكرات موته يحب أن يمرّض في بيت عائشة - ﵂ - دون بيوت سائر زوجاته، وبقي هناك حتى توفي - ﵌ - في بيت عائشة - ﵂ - ودفن فيه رغم أنوف الرافضة.
[ ٩٢ ]
ولم يبقَ من القول مجال إلا أن يقولوا إنما عنى به مسكن عائشة - ﵂ - بعد وفاة رسول الله - ﵌ -، وهذا إن قالوه فإنما ينادوا على أنفسهم بالويل والثبور، إذ إن مسكن عائشة - ﵂ - تحول بوفاة رسول الله - ﵌ - إلى قبره الشريف ولم يعد بيتا لها حتى ينسب إليها، وكيف يستجيز عاقل على أن يرضى الله تعالى لحبيبه وعبده محمد - ﵌ - أن يدفن في مكان هو مطلع الفتنة على حدّ زعم الرافضة؟
وإن المرء ليتعجب من آيات الله تعالى أن جعل مسكن عائشة - ﵂ - مكانا يمرض فيه عبده وحبيبه محمد - ﵌ -، ثم يجعله مدفنا له وقبرا، ثم يتم ذلك بأن دفن إلى جواره صاحباه ووزيراه أبو بكر وعمر - ﵄ -.
ثالثًا: أن هذا القول المفترى من قبل الشيعة لو كان له أي وجه أو احتمال لعلمنا بأحد قاله أو ذكره أو احتج به ممن خالف أم المؤمنين - ﵂ - ممن هو من طبقة التابعين أو بعدهم، أما الصحابة فلا يظن بأحد منهم اعتقاد مثل هذا قطعًا.
[ ٩٣ ]
فلما لم نجد أحدا قاله علمنا بأنه محض افتراء وبهتان لأم المؤمنين - ﵂ - من قبل الشيعة، نظير ما فعله أسلافهم من أصحاب الإفك.
لقد رأيت خالًا بخدها؛ اقشعرت كل شعرة منك:
أخرج ابن سعد في (الطبقات) عن عبد الرحمن بن سابط قال: خطب رسول الله - ﵌ - امرأة من كلب، فبعث عائشة تنظر إليها، فذهبت ثم رجعت. فقال لها رسول الله - ﵌ -: «ما رأيت؟». فقالت: ما رأيت طائلًا. فقال لها رسول الله - ﵌ -: «لقد رأيت خالًا بخدها؛ اقشعرت كل شعرة منك». فقالت: «يا رسول الله! ما دونك سر».
الجواب:
هذا الحديث موضوع (انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني رقم ٤٩٦٥). وقد استغل الشيعة هذا الحديث الباطل استغلالًا غير شريف؛ فطعنوا به على السيدة عائشة - ﵂ -، فنسبوها إلى الكذب.
[ ٩٤ ]