في تفسير القمي: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: ١١) فإن العامة (يقصد أهل السنة) روت أنها نزلت في عائشة وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة وأما الخاصة (يقصد الشيعة) فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية وما رمتها به عائشة.
_________________
(١) انظر: تفسير القمي (٢: ٤٤٩)، (الأصفى في تفسير القرآن (ج٢) للفيض الكاشاني)، (الميزان في تفسير القرآن مجمع البيان سورة الفلق) (بحار الأنوار للمجلسي).
[ ٦٥ ]
الجواب:
هذا كذب مفضوح فآيات الإفك يعرف القاصى والدانى أنها نزلت تبرئةً للسيدة عائشة - ﵂ - مما بُهِتَتْ به فى قصة ضياع العِقْد الذى فقدته فى الصحراء مَرْجِعَها هى والنبى والمسلمين من غزوة بنى المصطلق.
والقمى - وأمثاله من ضُلّال الشيعة - يصرفون القصة عن حقيقتها حتى لا يُضْطَرّوا إلى الإقرار بأى فضل لها.
وأى فضل أعظم من أن الله - ﷾ - قد أنزل تبرئتها من فوق سبع سماوات؟
تنبيه:
لا يصح ما رواه الحاكم في (المستدرك) عن سليمان بن الأرقم (المتفق على ضعفه) عن الزهري عن عروة عن عائشة - ﵂ - قالت: «أهديت مارية إلى رسول الله - ﵌ - ومعها ابن عم لها قالت: فوقع عليها وقعة فاستمرت حاملًا، قالت: فعزلها عند ابن عمها، قالت: فقال أهل الإفك والزور: «من حاجته إلى الولد ادعى ولد غيره»،
و
[ ٦٦ ]
كانت أمه قليلة اللبن فابتاعت له ضائنة لبون فكان يغذى بلبنها فحسن عليه لحمه.
قالت عائشة - ﵂ -: «فدخل به على النبي - ﵌ - ذات يوم فقال: «كيف ترين»، فقلت: «من غذي بلحم الضأن يحسن لحمه» قال: «ولا الشبه؟».
قالت: فحملني ما يحمل النساء من الغيرة أن قلت: «ما أرى شبها»، قالت: وبلغ رسول الله - ﵌ - ما يقول الناس فقال لعلي: «خذ هذا السيف فانطلق فاضرب عنق ابن عم مارية حيث وجدته»، قالت: «فانطلق فإذا هو في حائط على نخلة يخترف رطبًا، فلما نظر إلى علي ومعه السيف استقبلته رعْدة قال: فسقطت الخرفة فإذا هو لم يخلق الله ﷿ له ما للرجال، شيء ممسوح».
(وهذه القصة لا تصح؛ فإن سليمان بن الأرقم متفق بين الأئمة على تضعيفه، بل هو ضعيف جدًا، انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة للألباني رقم ٤٩٦٤).
[ ٦٧ ]
والصحيح ما رواه مسلم عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ الله - ﵌ - فَقَالَ رَسُولُ الله - ﵌ - لِعَلِىٍّ: «اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ». فَأَتَاهُ عَلِىٌّ فَإِذَا هُوَ فِى رَكِىٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا فَقَالَ لَهُ عَلِىٌّ: «اخْرُجْ». فَنَاوَلَهُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ؛ فَكَفَّ عَلِىٌّ عَنْهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِىَّ - ﵌ - فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ». (رواه مسلم، والرَكِىٍّ: البئر).
زعموا أنها يوم زُفت أسماء بنت النعمان عروسًا إلى النبي - ﵌ - فقالت لها: «إن النبي ليعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له: أعوذ بالله منك»:
الجواب:
روى الحاكم في المستدرك عن حمزة بن أبي أسيد الساعدي عن أبيه قال: تزوج رسول الله - ﵌ - أسماء بنت النعمان الجونية فأرسلني فجئت بها فقالت حفصة لعائشة: اخضبيها أنت وأنا أمشطها ففعلتا، ثم قالت لها إحداهما: إن النبي - ﵌ - يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول
[ ٦٨ ]
:أعوذ بالله منك، فلما دخلت عليه وأغلق الباب وأرخى الستر مدَّ يده إليها فقالت: أعوذ بالله منك فقال رسول الله - ﵌ - بكمه على وجهه فاستتر به وقال: «عذت بمعاذ ثلاث مرات».
هذه القصة المزعومة إسنادها واهٍ كما قال الذهبي في تلخيصه، فهو من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال الدارقطني: «متروك)، وقال ابن عساكر: «رافضي ليس بثقة»، وقال الذهبي: «لا يوثق به».
وفي هذه القصة المزعومة أن القائلة هي إما عائشة أو حفصة؟ فمن أين قطعوا أنه قول عائشة؟ وفي إسناد آخر عند ابن سعد أن القائلة بذلك إحدى نساء النبي - ﵌ - ولم يتعين مَن هي، ولكن إسنادها واهٍ أيضًا فهي من طريق الكلبي عن أبيه، وأبوه متهم بالكذب، فهذه القصة مكذوبة من أساسها فلا حجة فيها.
والقصة الصحيحة رواها البخاري ومسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: ذُكِرَ لِلنَّبِىِّ - ﵌ - امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ
[ ٦٩ ]
أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِىَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِى أُجُمِ بَنِى سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ النَّبِىُّ - ﵌ - حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا النَّبِىُّ - ﵌ - قَالَتْ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ».
فَقَالَ «قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّى».
فَقَالُوا لَهَا: «أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟».
قَالَتْ: «لاَ».
قَالُوا: «هَذَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ - جَاءَ لِيَخْطُبَكِ».
قَالَتْ: «كُنْتُ أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ».
وليس في هذه القصة الصحيحة أيُّ ذِكْرٍ لحفصة ولا لعائشة - ﵄ -، ولا ما يفيد علمهما بهذا الأمر من أساسه.