عائشة - ﵂ - لم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى.
والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها، كما لو خرجت للحج والعمرة، أو خرجت مع زوجها في سفرة، فإن هذه الآية قد نزلت في حياة النبي - ﵌ -، وقد سافر بهن رسول الله - ﵌ - بعد ذلك، كما سافر في
[ ٥٦ ]
حجة الوداع بعائشة - ﵂ - وغيرها، وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها فأردفها خلفه، وأعمرها من التنعيم.
وحجة الوداع كانت قبل وفاة النبي ﷺ بأقل من ثلاثة أشهر بعد نزول هذه الآية، ولهذا كان أزواج النبي - ﵌ - يحججن كما كُنَّ يحججن معه في خلافة عمر - ﵁ - وغيره.
وإذا كان سفرهن لمصلحة جائزًا فعائشة اعتقدت أن ذلك السفر مصلحة للمسلمين فتأولت في ذلك.
أما زعمهم أنها خرجت في ملأٍ من الناس تقاتل عليًا على غير ذنب فهذا كذب عليها. فإنها لم تخرج لقصد القتال، ولا كان أيضًا طلحة والزبير قصدهما قتال عليّ.
فخروج عائشة يوم الجمل كان بقصد الإصلاح بين المسلمين وليس القتال فعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: «لَمَّا أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بَلَغَتْ مِيَاهَ بَنِي عَامِرٍ لَيْلًا نَبَحَتِ الْكِلَابُ، قَالَتْ: «أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟»، قَالُوا: «مَاءُ الْحَوْأَبِ»، قَالَتْ: «مَا أَظُنُّنِي إِلَّا أَنِّي رَاجِعَةٌ»، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهَا: «بَلْ
[ ٥٧ ]
تَقْدَمِينَ فَيَرَاكِ الْمُسْلِمُونَ، فَيُصْلِحُ اللهُ ﷿ ذَاتَ بَيْنِهِمْ»، قَالَتْ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: «كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟».
وفي رواية: عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - لَمَّا أَتَتْ عَلَى الْحَوْأَبِ سَمِعَتْ نُبَاحَ الْكِلَابِ، فَقَالَتْ: مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةٌ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - قَالَ لَنَا: «أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟»، فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: «تَرْجِعِينَ؟ عَسَى الله ﷿ أَنْ يُصْلِحَ بِكِ بَيْنَ النَّاسِ» (١).
فعائشة - ﵂ - لما تذكرت هذا الحديث وهمت بالرجوع، أشار عليها الزبير بالمضي في مسيرها، للإصلاح بين الناس، فترجحت لديها هذه المصلحة اجتهادًا منها، وهي غير معصومة من الخطأ في الاجتهاد (٢).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني والأرنؤوط، والحوأب: ماء قريب من البصرة على طريق مكة.
(٢) باختصار من (الاختلاط بين الرجال والنساء، أحكام وفتاوى، ثمار مرة وقصص مخزية، كشف ١٣٦ شبهة لدعاة الاختلاط) للمؤلف، تحت الطبع.
[ ٥٨ ]
وعائشة - ﵂ - لم يكن طلحة والزبير ولا غيرهما من الأجانب يحملونها، بل كان في العسكر من محارمها، مثل عبد الله بن الزبير ابن أختها، وخلوة ابن الزبير بها ومسُّه لها جائز بالكتاب والسُّنّة والإجماع - وكذلك سفر المرأة مع ذي محرمها جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
وهي لم تسافر إلا مع ذي محرم منها.
تنبيه:
نبه الشيخ الألباني على كذب رواية «فشهد طلحة والزبير أنه ليس هذا ماء الحوأب .. فكانت أول شهادة زور في الإسلام» (١).
تنبيه:
وأيضًا لم يصح ما رواه الحاكم في (المستدرك) عن أم سلمة - ﵂ - قالت: ذكر النبي - ﵌ - خروج بعض أمهات المؤمنين فضحكت عائشة فقال: «انظري يا حميراء أن لا
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٢٧)، عند حديث رقم٤٧٥).
[ ٥٩ ]
تكوني أنت»، ثم التفت إلى علي فقال: «إن وليت من أمرها شيئًا فارفق بها».
فالحديث ضعيف كما أشار إليه محقق المستدرك الشيخ سعد الحميد (٣/ ١٣٤٥).
زعمهم أنها كانت تأمر بقتل عثمان، وتقول: «اقتلوا نعثلًا (١)، قتل الله نعثلًا»، ولما بلغها قتله فرحت بذلك:
الجواب:
أولًا: أين النقل الثابت عن عائشة بذلك؟
ثانيًا: المنقول الثابت عنها يُكذِّب ذلك، ويُبيّن أنها أنكرت قتله، وذمَّت من قتله.
ثالثًا: هَبْ أن أحدًا من الصحابة - عائشة أو غيرها - قال ذلك على وجه الغضب، لإنكاره بعض ما يُنكر، فليس قوله حجة، ولا يقدح ذلك في إيمان القائل ولا المقول له،
_________________
(١) النَّعْثَل: الشيخ الأحْمَقُ، وقيل: كان أعداءُ عثمانَ - ﵁ - يقولون له نَعْثَل شَبَّهُوه بِرَجُلٍ من مصرَ طويلُ اللحيةِ.
[ ٦٠ ]
بل قد يكون كلاهما وليًا لله تعالى من أهل الجنة، ويظن أحدهما جواز قتل الآخر، بل يظن كفره، وهو مخطئ في هذا الظن.
رابعًا: إن هذا المنقول عن عائشة من القدح في عثمان: إن كان صحيحًا فإما أن يكون صوابًا أو خطأ، فإن كان صوابًا لم يذكر في مساوئ عائشة، وإن كان خطأ لم يُذكر في مساوئ عثمان، والجمع بين نقص عائشة وعثمان باطل قطعًا.
وأيضًا فعائشة ظهر منها من التألم لقتل عثمان، والذم لقتلته، وطلب الانتقام منهم ما يقتضي الندم على ما ينافي ذلك، كما ظهر منها الندم على مسيرها إلى الجمل، فإن كان ندمها على ذلك يدل على فضيلة عليّ واعترافها له بالحق، فكذلك هذا يدل على فضيلة عثمان واعترافها له بالحق، وإلا فلا.
[ ٦١ ]
زعمهم أنها سألت: من تولى الخلافة؟ فقالوا: عليّ. فخرجت لقتاله على دم عثمان:
الجواب:
أولًا: قول القائل: إن عائشة وطلحة والزبير اتهموا عليًّا بأنه قتل عثمان وقاتَلوه على ذلك - كذب بيِّن، بل إنما طلبوا القَتَلة الذين كانوا تحيّزوا إلى عليّ، وهم يعلمون أن براءة عليّ من دم عثمان كبراءتهم وأعظم، لكن القَتَلة كانوا قد أووا إليه، فطلبوا قتل القتلة، ولكن كانوا عاجزين عن ذلك هم وعليّ، لأن القوم كانت لهم قبائل يذبُّون عنهم.
والفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء، فصار الأكابر - ﵂ - عاجزين عن إطفاء الفتنة وكف أهلها. وهذا شأن الفتن كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٥) وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله.
[ ٦٢ ]