قال تعالى في سورة النساء:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾.
لما خلق الله ﷾ الخلق لم يخلقهم عبثًا. وإنما خلقهم لمهمة جليلة ألا وهي الاستخلاف في الأرض قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وقد تكفل الله ﷾ بعد خلقهم وإخراجهم إلى الحياة الدنيا
[ ٢٥ ]
بكل احتياجاتهم من المأكل والمشرب والملبس وغير ذلك حتى أصبح كل شيء في متناول يدهم وبمقدورهم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
فكما تكفل الله بتسخير هذا كله وجعله تحت تصرفهم، تكفل بأن علّمهم وجعل للعلم مكانة كبيرة في حياتهم، وأول ما نزّل من القرآن الكريم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥].
هذا كله من النعم التي تكفّل الله لهم بها وسخّرها لهم، وبذلك جعل مكانتهم عالية، وميّزهم عن سائر المخلوقات فكرّمهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠].
فالله ﷾ لم يتركهم سدىً ولم يخلقهم عبثًا بل أرسل إليهم رسلًا مبشِّرين ومنذرين، يبشِّرونهم بالسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة إن هم أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، وينقذونهم ويخوِّفونهم من عقاب الله وعذابه إن هم أشركوا بالله وجعلوا له أندادًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
بعد ذلك كله نرى بعض الناس الذين ضلّوا طريقهم واتبعوا كل شيطان مريد، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣] وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ
[ ٢٦ ]
اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣].
ترى هذا البعض يقول بكل صلف وغرور أنه يستطيع بعقله أن يهديَ نفسه إلى الخير، ولا حاجة إذن للرسل ليعرِّفوه الطريق لأنه بعقله وفكره يستطيع أن يصل إلى الخير.
لكن هذا البعض نسي أن هذا العقل الذي احتج به وارتكن إليه لا يكفي وحده للهداية، لأن دوره في الحياة محدود بالتأمل والتفكر في الوجود من حوله. فلابد له من التلقي عن وحي الله ومن خلال الشرائع التي أنزلها الله ﷾، وإن لم يفعل ذلك فهو الغرور والضلال، وهذا ما حكاه القرآن الكريم على لسان قارون بعد أن طغى واستكبر وكفر بنعم الله قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨].
وقال تعالى حكاية عن فرعون حين طُمست بصيرتُه ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨].
والله ﷾ يحذِّر من اغترار الإِنسان بنفسه وكبريائه، فإنه جلّ وعلا يذكِّره بنعمه وما امتنّ به عليه مخاطبًا إياه ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٦٢] وبقوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] فالله ﷾ هو الغني عن عباده، والعباد كلهم بحاجة إليه قال تعالى: ﴿يا أيُّها
[ ٢٧ ]
النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] فجميع الخلق هم بحاجة إلى هدايته حتى يتخلصوا من هذا التيه والضياع الذي يعيشون فيه قبل إرسال الرسل.
وليعلم أن العقل من غير وحي يقودُه لا يصلح لهداية البشر، بل لابدّ له من نعمة من الله. وهذه النعمة هي إرسال الرسل إلى هذه البشرية الحائرة، التي هي في أمسِّ الحاجة إلى هداية الله حتىِ تعرف الطريق السوي وتعرف شرع الله. حينئذ تصبح الرسالة أمرًا لازمًا للبشرية جمعاء وحاجةً ملحّةً لها، كي تخرجها من هذا الضياع الذي دمّرها وقضى عليها، والفوضى التي عاشتها، وهي لا تعرف كيف تشق طريقها في هذا التيه فجاءت الرسالة هاديةً مرشدةً للحيارى والتائهين، معلنة لهم انقشاع هذا الضلال والظلام وإخراج الناس من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد.
فقد أصبح من المحال أن يعيش الناس بغير دين. وأصبح من الضروري أن يحكِّموا شرع الله وأن يردُّوا أمرهم إلى المنهج الرباني الذي هو من لدن حكيم خبير، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].
وقال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
وقال تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣].
فالرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده. فكما أنه لا
[ ٢٨ ]
صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة. فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا في اتباع الرسالة.
فإن الإِنسان مضطر إلى الشرع، فإنه بين حركتين حركة يجلب بها ما ينفعه وحركة يدفع بها ما يضرّه، والشرع هو النور الذي ينفعه وما يضره، والشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده وحصنه الذي مَن دخله كان آمنًا (١).
ويقول ابن القيم ﵀ (٢): "فحاجة الناس إلى الشريعة ضرورية فوق حاجتهم إلى كل شيء، ولا نسبة لحاجتهم إلى الطب وأما الشريعة فمبناها على تعريف مواضع رضا الله وسخطه، فإن حركات العباد الاختيارية مبناها على الوحي المحض، والحاجة إلى التنفس مثلًا والطعام والشراب موت البدن وتعطّل الروح عنه، وأما ما يقدَّر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة، وهلاك الأبد، وشتان بين هذا" (٣) وهلاك البدن بالموت.
فحاجة الناس إلى الرسالات أعظم من حاجتهم إلى الأكل والشرب والهواء، لأن ذلك يؤدي إلى إصلاح النفس البشرية، وذلك بفضل الرسالات السماوية التي رحم الله بها عباده، وأنزلها بواسطة رسله ﵈.
_________________
(١) الفتاوى ج ١٩ ص ٩٩ - ابن تيمية.
(٢) ابن القيِّم: هو محمَّد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي الملقب بابن قيِّم الجوزية، ولد سنة ٦٩١ هـ بدمشق ونشأ فيها، كان يميل في أول عهده إلى التصوف، ثم انتقل لدراسة القرآن الكريم وعلومه، ولقد لقي في سبيل حرية الرأي والجهر بالحق ما لاقاه شيخه ابن تيمية من تعذيب وسجن. له كثير من المصنفات منها: أعلام الموقعين، الطرق الحكمية، مدارج السالكين -توفي ﵀ بدمشق سنة ٧٥١ هـ. انظر (القول المبين في طبقات الأصوليين ٢/ ١٦١).
(٣) مفتاح دار السعادة ج ٢ ص١ - ابن القيم.
[ ٢٩ ]
أثر الرسل في حياة الناس:
للرسل عليهم الصلاة والسلام أثر كبير في حياة الناس، لأن الرسل لا يقومون بحركة إلا عن طريق الوحي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].
فدعوتهم الناس إلى الشريعة وما تحتويه من قيم وأخلاق وسلوك؛ هذا كله ليس من عند أنفسهم، وإنما هو الوحي والتوجيه الرباني.
والرسل عليهم الصلاة والسلام إذا بدؤوا يصلحون أقوامهم ويقوِّمون مشاكلهم فإنهم يستأصلونها من جذورها، ويقدمون لهم البديل، وما الرسل إلا مبشرون ومنذرون، أما خَلْق الهداية في القلوب وتوفيق العباد إلى الخير فهو إلى الله وحده. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧].
والرسل عليهم الصلاة والسلام هم القدوة الحسنة لأقوامهم في كل قول وعمل ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
والرسل عليهم الصلاة والسلام باختلاطهم بالناس ودعوتهم إلى الرسالات التي يحملونها والسلوك العملي الذي يتمتعون به يكون واقعًا ملموسًا لدى الناس، بذلك يكون اتباع الناس لهم من الأمور اليسيرة لمن وفقه الله وأراد هدايته، ويكونون دائمًا مرتبطين بالوحي محاولين ربط القلب البشري بالله، فإذا أراد المعونة والتوفيق فإنه لا يلجأ ولا يتوجّه إلا إلى الله.
مهمة الرسل:
ومهمة الرسل شاقة وصعبة، فإن الله ﷿ يختار رسله ويصطفيهم ويجتبيهم مِن خلقِه، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[ ٣٠ ]
[الأعراف: ١٤٤]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥].
والمهمة الكبرى لدى الرسل هي تبليغ الدين الذي أمر الله ﷾ بتبليغه على الملأ، قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤].
فتبليغ الرسل للناس يكون بالتوحيد والدعوة إليه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩. ٦٥، ٧٣، ٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
أما توحيد الربوبية فهو أمر فطري أقرت به جميع الطوائف إلا مَن كابر وعاند كفرعون، قال تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٧] [فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، كما أن توحيد الألوهية متضمِّن لتوحيد الربوبية].
وكذلك من دعوة الرسل توحيد الله بأسمائه وصفاته، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] وقال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
[ ٣١ ]
فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل ودعوا إليه وجاهدوا الأمم عليه، ولهذا أمر الله ﷾ نبيه أن يقتدي بهم كما قال تعالى، بعد مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك وصحة التوحيد؛ وذكر الأنبياء مِن ذريته ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
و"كان - ﷺ - يعلِّم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: أصبحنا على فطرة الإِسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمدٍ - ﷺ - وعلى ملة أبينا إبراهيمَ حنيفًا وما كان من المشركين" (١).
فملة إبراهيم التوحيد، ودين محمَّد - ﷺ - هو ما جاء به من عند الله، وفطرة الإِسلام هي ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له والاستسلام لعبوديته ذلًّا وانقيادًا وإنابةً (٢).
فهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأُنزلت به الكتب، وقام عليه الدين، وأمر الله به، فلا توحيد ولا عبادة إلا لله ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠].
وكما أمر الله ﷾ بتوحيده في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته نهى عن الشرك وهو أن يجعل لله نِدًّا أو شريكًا في ملكوته وربوبيته وأسمائه وصفاته ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ
_________________
(١) رواه الدارمي وأحمد والطبراني، ورجاله رجال الصحيح. انظر (الدارمي ٢/ ٢٠٢) بتحقيق عبد الله هاشم يماني.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ٤٣.
[ ٣٢ ]
مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]. بل جعل الشرك في حقه أكبر الكبائر وأظلم الظلم. فقال جلّ شأنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
هذه هي مهمة الرسل التي يقومون بالدعوة إليها، ثم بعد ذلك تبليغ الشريعة التي يوحي الله بها إليهم، لكي يبلَّغوها إلى أقوامهم، حتى يكونوا على بيِّنة مِن أمرِهم.
وعلى الرسل مهام أخرى كلّفهم الله بها من التربية والسلوك اللذين هما الطريق الوحيد الذي من خلاله يستطيع الرسل إنقاذ المجتمعات من جاهليتها، وهنا لابد من بذل الجهد الطويل المتواصل حتى يستطيع أن يلبس هذا المجتمع ثوبًا جديدًا تملؤه مقومات الشريعة الإِسلامية، بعد أن كان غارقًا في متاهات وضلالات.
والرسل عليهم الصلاة والسلام بهذا يكونون القدوة الحسنة لأقوامهم لأن الله ﷾ لا يرسل رسولًا إلى قومه إلا بعد اصطفاء واختيار، ويكون من عِلية القوم من حيث الحسب والنسب والشرف.
ونرى هذا الاختيار والاصطفاء موجودًا في جميع الرسل الذين أرسلهم الله ﷿، ونرى مصداق هذا في نبينا محمدٍ - ﷺ -. فكان يتصف بالخلق الحسن، حينما سئلت عائشة (١) ﵂ قالت: "كان خلقه القرآن" (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
_________________
(١) عائشة: هي بنت الصدّيق أبي بكر، أم المؤمنين تزوجها النبي - ﷺ - قبل الهجرة بسنتين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين، كنّاها بأم عبد الله، وكان أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض، وكانت من أفقه الناس، روت الكثير من الأحاديث عن رسول الله - ﷺ -، وكان عمرها عندما توفي الرسول - ﷺ - ثماني عشرة سنة، توفيت سنة ٥٨ أو ٥٧ هـ، ﵂. انظر (أسد الغابة في معرفة الصحابة ج ٥ ص ٥٠١ ابن الأثير).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين باب ١٨ ج ١ ص ٥١٣.
[ ٣٣ ]
وكان يتصف بالرحمة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
ويتّصف بالصبر ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، والرسول - ﷺ - يكون مذكِّرًا لقومه ناصحًا لهم، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وجاء في الحديث الشريف الذي يرويه أبو هريرة (١) ﵁ قال: "كان رسول الله - ﷺ - يتخوّلنا بالموعظة مخافة السآمة" (٢).
هذه بعض مهام الرسل التي يقومون بها تجاه أقوامهم لكي ينالوا السعادة في الدارين، فإفراد الله ﷾ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته أعظم مهام الرسل، وهي الغاية من إرسالهم، لتخليص الناس من الشرك، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
_________________
(١) أبو هُريرة: هو عبد الرحمن بن صخر بن عامر بن صعصعة الدوسي، وكنيته أبو هُريرة، قيل إنه كان يحمل معه هرة ويلاعبها فكني بهذه الكنية، وكان أكثر الناس حفظًا لحديث رسول الله، توفي ﵁ سنة ٥٩ وقيل غير ذلك. انظر (الإصابة في تمييز الصحابة ج ٤ ص ٣١٣ - ابن حجر).
(٢) أخرجه البخاري، انظر فتح الباري ج ١ ص ١٧٤.
[ ٣٤ ]