إن الإِنسان الذي يعيش في هذه الحياة بدون عقيدة صحيحة وبدون نور سماوي يهتدي به؛ لهو في أمسّ الحاجة إلى من ينقذه من هذا الضياع الذي يعيشه، فتراه ينسج في خياله أوهامًا لا وجود لها حتى يتخلص من هذا الضياع والفراغ الذي يعيشه، وهذا يحدث كثيرًا لمن انحرف عن العقيدة والفطرة السليمة. هذه العقيدة التي بها تحيا القلوب وتنير طريقها إلى خيري الدنيا والآخرة.
ولابد لنا قبل أن ندخل في موضوعنا أن نتكلم ولو بإيجاز مبينين أن التوحيد أصلٌ في فطرة الإِنسان. فالله ﷾ لما خلق الخلق آدم وذريته من بعده خلقهم حنفاء مسلمين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣].
[ ١٠٩ ]
وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].
وجاء في الحديث: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه" (١).
وجاء في حديث آخر: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمَتْ عليهم ما أحللتُ لهم" (٢) الحديث.
قال ابن كثير: "إن الله ﷾ استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ﷾ ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو ﷾ فطرهم وجبلهم على الإِسلام" (٣).
فالتوحيد ميثاق معقود بين البشر وخالق البشر منذ تكوينهم الأول، فلا حاجة لهم في نقض الميثاق حتى ولو لم يبعث إليهم الرسل يذكِّرونهم ويحذِّرونهم، لكن رحمته وحدها اقتضت أن لا يكلهم إلى فطرهم هذه، فقد تنحرف، ولا يكلهم إلى عقولهم التي أعطاها لهم فتضلّ، وأن يبعثَ إليهم رسلًا مبشِّرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" (٤).
حتى توالت عليهم الأيام والأزمان فوقعوا فيما وقعوا فيه من الشرك ففسدت فطرهم، وأخذوا يشركون بالله ﷾ وحاشاه عما يصفه به المشركون.
يقول ابن عباس ﵄: "كان الناس على التوحيد مدة عشرة قرون، وكانوا كلهم على الإِسلام، وكان أول ما عُبدت الأصنام أن قومًا صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجد وصوروا صور أولئك فيها
_________________
(١) أخرجه البخاري انظر (الفتح ٣/ ٢٤٦ - كتاب الجنائز- باب أطفال المشركين).
(٢) أخرجه مسلم انظر (النووي ١٧/ ١٩٧).
(٣) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٢٦١ ابن كثير.
(٤) في ظلال القرآن ٣/ ١٣٩١ سيد قطب -طبعة الشروق.
[ ١١٠ ]
ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم. فلما طال الزمان جعلوا أجسادًا على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسمَّوها بأسماء أولئك الصالحين ودًّا وسواعًا ويغوثَ ويعوقَ ونسرًا، فلما تفاقم الأمر بعث الله ﷾وله الحمد والمنة- نوحًا يأمرهم بعبادة الله ﷾" (١).
فهذا الأثر الذي ينقله ابن كثير عن ابن عباس يدل على أن الشرك طارئ وحادث والأصل في الإِنسان التوحيد والإِيمان.
فعندما فسدت الفطر وخلت العقول، وتاهت في متاهات الضلال والجهل والخرافات أرسل رسله وأنبياءه إلى أقوامهم كل رسول إلى قومه، وأرسل نبيّنا محمدًا - ﷺ - إلى البشرية جمعاء فبلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وكان لهذه الدعوة الحظ الوافر من الاتساع والانبساط على سطح الكرة الأرضية بفضل الله الذي تكفل بحفظ هذه الدعوة وجعلها باقية إلى ما شاء، ثم بفضل الدعاة المخلصين الذين أخلصوا النية لله منذ ولادة هذه الدعوة.
وهنا نصل إلى البحث في حكم وجود أقوام لم تبلغهم الدعوة، أو بَلَغَتْهم ولكن بَلَغَتْهم مشوهةً عن طريق الإِرساليات النصرانية الحاقدة على الإِسلام وأهله، والمستشرقين من اليهود، فشوّهوا الإِسلام تشويهًا حيث تنفر منه النفوس وهم عندما يقومون بهذا العمل الخبيث قصدوا إبعاد هذه الجماعات عن هذا الدين وصدِّهم عنه.
فعلى سبيل المثال يذكر الأستاذ "إبراهيم النعمة" في رسالته "الإِسلام في إفريقيا الوسطى": "ترك المبشرون في الكاميرون وأذاعوا بينهم أن المسلمين إذا مرض أحدهم قاموا عليه فذبحوه، ثم سلخوا جلده ليستفيدوا منه في عمل التمائم التي تعلق على الناس والدواب.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٢٢٣ - ابن كثير.
[ ١١١ ]
وشاعت هذه الفرية وروج لها أعداء الإِسلام فانتشرف انتشارًا كبيرًا" (١).
فهذه صورة من الصور التي يستعملها أعداء الإِسلام لكي يبعدوا ويصدوا الناس عن هذا الدين، ولكن هيهات هيهات أن يصيبوه بسوء، وقد تكفل الله ﷾ بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
أما الأسباب التي أدّت إلى عدم وصول الدعوة إلى هؤلاء الأقوام والجماعات فيمكن أن نرجعها إلى الأمور التالية:
أولًا: تفريط عامة المسلمين في تبليغ الدعوة الإِسلامية، وتقاعسهم عن أداء هذه المهمة الجليلة التي هي مهمة الأنبياء والمرسلين، وانشغالهم في سفاسف الأمور التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وتعلقهم بالدنيا وزخارفها بترك هذا الواجب العظيم.
ثانيًا: إن العالم بمساحاته الواسعة وأفكاره المتشتتة واختلاف أجناس الناس فيه؛ له الأثر في عدم وصول الدعوة إلى هذه المجموعات البشرية. فاللغة واللسان لهما الأثر الكبير في تبليغ الدعوة إلى الناس، فهذه في الواقع عقبة كبيرة تقف أمام الدعاة لانعدام وسيلة التفاهم بين الداعي والمدعو غالبًا.
ثالثًا: وهناك سبب آخر وهو باعتقادي السبب الرئيسي في هذه المشكلة في عدم وصول الدعوة إلى هذه الجماعات، وهو تفرق المسلمين دويلات صغيرة وعدم انضمامهم تحت لواء خلافة إسلامية، وعدم تحكيم شرع الله ﷾. كل هذا أنساهم الواجب الذي عليهم ألا وهو الدعوة إلى الله.
_________________
(١) الإِسلام في إفريقيا الوسطى ص ٣٥ - إبراهيم النعمة.
[ ١١٢ ]
والحقيقة أننا لو قرأنا أو تصفّحنا تاريخنا الإِسلاميّ الحافل؛ لرأينا سلفنا الصالح الذي كان سائرًا على نهج الكتاب والسنة المطهرة، فكان الخليفة ﵀ من أولى واجباته الدعوة إلى الله، فكان الخليفة إذا أمر قواده وجنوده أن يتوجهوا إلى معركة ما من المعارك كان يوصيهم قبل القتال أن يعرضوا عليهم الإِسلام فإن أبوا فالجزية.
هذا خلق الإِسلام في حروبه وغزواته مع أعداء الإِسلام وأعداء الدعوة.
ولا ننسى أن هناك جماعات بدائية في تفكيرها موجودة على شكل أقليات هنا وهناك في شرق خليج البنغال وفي الغابات الجبلية من جزيرة الملايو، وهناك في جزيرة غينيا الجديدة، وهناك في سوريتام في أمريكا الجنوبية، وهناك في أوربا، وهناك في أستراليا، وهناك في إفريقيا وفي مجاهلها فما حكمهم وما مصيرهم؟.
حُكم مَن لم تبلغه الدعوة:
فهؤلاء والله أعلم يلحقون بأهل الفترة بالحكم وهو الامتحان في عرصات القيامة لاشتراكهم معهم في عدم وصول الدعوة إليهم. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإِسراء: ١٥].
[ ١١٣ ]