حديث آخر
١٨٤ - ناه أَبُو القسم عبد العزيز من طرق مختلفة بألفاظ مختلفة أحدها: عن أنس، قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ: " لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ قَالَ: فيدلي رب العزة جل اسمه فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط بعزتك ".
وفي لفظ آخر: " يضع رب العزة قدمه " وفي لفظ آخر: " فيدلي رب العالمين جل اسمه قدمه، قَالَ: فينزوي بعضها إلى بعض "
[ ١ / ١٩٢ ]
١٨٥ - وفي لفظ آخر رواه أَبُو هُرَيْرَةَ أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ، قَالَ: أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، إِجَازَةً، وَقَرَأْتُهُ عَلَى أَبِي عَنْهُ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، نا مَعْمَرٌ، نا هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لا يَدْخُلُنِي إِلا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَلَفُهُمْ، فَقَالَ اللَّهُ، ﷿، لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَةٌ أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ رِجْلَهُ فِيهَا تَقُولُ: قَطْ قَطْ أَيْ: حَسْبُ، هُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلا يَظْلِمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا "
١٨٦ - وفي لفظ آخر: " لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع الجبار جل اسمه قدمه فيها فتقول: قط قط يعني: حسبي حسبي ".
وفي لفظ آخر: " فيضع الله تَعَالَى قدمه فيها فتقول: قط قط لكرمك وعظمتك "
[ ١ / ١٩٣ ]
١٨٧ - وفي لفظ آخر: " فلا تمتلئ حتى يضع الله قدمه فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله تَعَالَى أحدا من خلقه "
١٨٨ - وفي حديث آخر رواه أَبُو سعيد الخدري: " فيضع الله قدمه عليها فتزوي وتقول: قدني قدني " وقد ذكر أَبُو الحسن الدارقطني هَذَا الحديث من طرق وألفاظ مختلفة نحو ما ذكرنا
[ ١ / ١٩٤ ]
وقد ذكر البخاري ومسلم القدم فِي الصحيحين جميعا.
أعلم أنه غير ممتنع حمل هَذَا الخبر عَلَى ظاهره، وأن المراد به قدم هو صفة لله تَعَالَى وكذلك الرجل
١٨٩ - وقد نص أَحْمَد عَلَى ذَلِكَ فِي رواية المروذي، وقد سأله عن الأحاديث " يضع
[ ١ / ١٩٥ ]
قدمه " وغيرها، قَالَ: نمرها كما جاءت
١٩٠ - وَقَالَ ابن منصور: قلت لأبي عبد الله: " اشتكت النار إلى ربها حتى يضع قدمه فيها " فقال أَحْمَد: صحيح
١٩١ - وَقَالَ أَبُو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حدث محدث وأنا عنده بحديث: " يضع الرب، ﷿، قدمه "، وعنده غلام فأقبل عَلَى الغلام، فقال: نعم إن لهذا تفسيرا، فقال أَبُو عبد الله: أنظر إليه كما تقول الجهمية سواء
١٩٢ - وَقَالَ فِي رواية حنبل: قَالَ النبي، ﷺ: " يضع قدمه " نؤمن به ولا نرد عَلَى رسول الله، ﷺ.
فقد نص عَلَى الأخذ بظاهر ذَلِكَ لأنه ليس فِي حمله عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأنا لا نثبت قدما جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذَلِكَ قدما صفة كما أثبتنا يدين ووجها وسمعا وبصرا وذاتا، وجميع ذَلِكَ صفات، وكذلك القدم والرجل، ولأنا لا نصفه بالإنتقال والمماسة لجهنم، بل نطلق ذَلِكَ كما أطلقنا الاستواء عَلَى العرش والنظر إليه فِي الآخرة وقد احتج أَبُو بكر بن خزيمة فِي كتاب التوحيد عَلَى إثبات الرجل بقوله تَعَالَى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ وبقول أمية:
رجل وثور تحت رجل يمينه … والنسر للأخرى وليث مرصد
وإن رسول الله صدقه فقال: صدق أمية بن الصلت
وقد اعترض عليه بعضهم فِي هَذَا الدليل، وَقَالَ: لو كان التمسك بظاهر الآية صحيحا، لوجب القول بإثبات الأرجل والأيدي والأعين والآذان عَلَى وجه الجمع، لأن أرجل اسم جمع، وقد أجمع المسلمون عَلَى إنكار ذَلِكَ، وكذلك الأذان، قَالَ هَذَا القائل: فعلم أن الله تَعَالَى أراد به رد الكافرين عن عبادة الأصنام، وعرفهم أنكم تأنفون من عبادة من له رجل يمشي بها ويد يبطش بها وعين يبصر بها وأذن يسمع بها، فكيف تعبدون من ليس له شيء من ذَلِكَ
[ ١ / ١٩٦ ]
يقرعهم عَلَى عبادة الأصنام التي هي جماد وموتان ليس لها فعل ولا قدرة ولا سمع ولا بصر.
وهذا الذي ذكره هَذَا القائل لا يمنع الاحتجاج بالآية، لأن الدليل قد دل عَلَى نفي إثبات هَذِهِ الصفات التي هي الأذن وجمع الأرجل فنفيناه، وبقي ما عدا ذَلِكَ عَلَى ظاهره، وهذه طريقة ظاهرة عَلَى أصول الفقهاء، وإن الدليل إذا تناول شيئين فقام الدليل عَلَى إسقاط أحدهما، لم يوجب ذَلِكَ إسقاط باقيه، كذلك هاهنا.
فإن قيل: يحمل قول أمية عَلَى أنه إذا أراد يمين العرش ويساره قيل: هَذَا غلط لوجهين: أحدهما: أن صفة اليمين واليسار فِي حقيقة اللغة إنما يضاف إلى الذات دون الجمادات.
والثاني: أنه هاهنا كناية ومكني، فيجب أن ترجع إلى المقصود بالذكر هو الله سُبْحَانَهُ، كما لو قَالَ: فلان عن يمين الخليفة، لا ينصرف ذَلِكَ إلى غيره.
فإن قيل: معنى القدم هاهنا المتقدم من المشركين يضعه فِي النار، لأن العرب تقول للشيء المتقدم: قدم، وعلى هَذَا تأويل قوله تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي سابقة صدق، قَالَ وضاح اليمن:
صل لربك واتخذ قدما … ينجيك يوم العثار والزلل
أراد بذلك ما تقدم من الشرف، وما يفتخر به
[ ١ / ١٩٧ ]
قيل: هَذَا غلط لوجهين: أحدهما: أن قوله: " يضع قدمه " هاء كناية، وهاء الكناية ترجع إلى المذكور، والمذكور فِي الخبر لله سُبْحَانَهُ، وفي لفظ آخر " الجبار " وفي لفظ آخر " رب العزة "، فوجب أن يرجع إليه، فأما المتقدم من الكفار فلم يتقدم ذكرهم، فلا يجب رجوع الهاء إليهم.
والثاني: أن هَذَا يسقط فائدة التخصيص بالنار، لأن المتقدم بفعل الخير يضعه فِي الجنة، فلو كان المراد بالقدم المتقدم لم يكن لتخصيصه بالنار فائدة، فوجب حمله عَلَى ظاهره ليفيد فائدة.
وأما قوله سُبْحَانَهُ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فقد روي عن زيد بن أسلم المراد به مُحَمَّد، ﷺ.
وقيل: المراد به الثواب روي بذلك عن ابن زيد وغيره
[ ١ / ١٩٨ ]
وإنما حمل القدم هناك عَلَى السابق من الرسول والثواب، لأن فِي ظاهر اللفظ ما دل عليه، وهو قول سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ وإنما قَالُوا ذَلِكَ فِي الرسول، وكذلك قوله تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إنما يبشرون بما سبق لهم من الأعمال، فهناك ما دل عَلَى أن المراد بالقدم السابقة وليس فِي الخبر ما يدل عَلَى ذَلِكَ، بل فيه ما يدل عَلَى خلاف ذَلِكَ من الوجه الذي ذكرنا.
فإن قيل: فقد روي بكسر القاف: قدمه، وإذا كان كذلك كان معناه ما ذكرنا من التقدم من المشركين.
قيل: هَذَا غلط لأنه لا يحفظ عن أحد من أصحاب الحديث أنه رواه بالكسر، فلا يجوز دعوى ذَلِكَ، والذي يدل عَلَى بطلانه ما ذكرنا.
فإن قيل: المراد بالقدم هاهنا: خلق من خلق الله تَعَالَى يخلقه الله تَعَالَى يوم القيامة، فيسميه: قدما، ويضعه الله من طريق الفعل والملك يضعه فِي النار فتمتلئ منه.
وقيل المراد: قدم بعض خلقه فأضاف ذَلِكَ إليه كما يقال: ضرب الأمير اللص، فيضاف إليه عَلَى معنى أنه يأمره.
قيل: هَذَا غلط لما تقدم من الوجهين أحدهما: أن هاء الكناية ترجع إلى المذكور المتقدم، والذي تقدم ذكره هو الله سُبْحَانَهُ.
والثاني: أنه يسقط فائدة التخصيص بالنار، لأنه قد ينشئ خلقا يوم القيامة فيدخلهم الجنة فتخصيص النار بذلك لا معنى له.
فإن قيل: قوله: " فيضع الجبار " جنس الجبابرة وهم الكفرة المعاندون.
وقيل: المراد به إبليس وشيعته لأنه أول من استكبر، فقال تَعَالَى: ﴿إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾
[ ١ / ١٩٩ ]
قيل: هَذَا غلط، لأنا قد روينا فِي الحديث: " يضع الله قدمه " وفي لفظ آخر: " فيضع رب العزة قدمه " وهذا صريح فِي أن المراد بالجبار هو الله رب العزة.
وجواب آخر وهو أن فِي الخبر تقول: " قط بعزتك وعظمتك "، وهذه صفة تختص الله سُبْحَانَهُ، لأن هَذَا قسم منها بالله سُبْحَانَهُ، خرج منها مخرج الخضوع والتذلل، ولا يكون هَذَا منها بوضع الجبابرة ومن يستحق العذاب لأنها سحق لهم، ولأنه قَالَ لا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها، والرجل لا يعبر بها عن الجبابرة، والمتقدم من المشركين.
ولأن قوله: " لا تمتلئ " تعظيما لحالها وشدة غيظها، قَالَ تَعَالَى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وما هَذَا صفته لا يكفه وضع بعض الجبابرة من الكفار، وإنما يكفيه قدم الصفة، ولأنه قَالَ: " ينزوي بعضها إلى بعض " يعني مجتمع، وهذا لا يوجد ببعض خلقه، لأن النار تسحقه، كما قَالَ: ﴿فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ وإنما تجتمع من قدم الصفة.
فإن قيل: الحديث الذي روي فيه: " يضع رجله " لم يروه إلا بعضهم عَلَى الشك، فرواه الدارقطني بإسناده، عن أنس، عن النبي، ﷺ، أنه قَالَ: " يلقى فِي النار وتقول: هل من مزيد حتى يضع رجله فيها أو قَالَ: قدمه فتقول: قط قط " فذكره عَلَى لفظ الشك فاحتمل أن يكون لما التبس عليه اللفظ، وتوهم أن القدم لا يكون إلا رجلا ذكر بدل القدم الرجل.
قيل: هَذَا غلط، لأنا قد روينا هَذَا اللفظ بإسناده عن أَبِي هُرَيْرَةَ من غير شك فِي اللفظ.
فإن قيل: فنتأول الرجل عَلَى نحو تأويلنا القدم، إما أن يريد رجل بعض خلقه فأضافه إليه ملكا وفعلا، أو يراد به رجل المتجبرين من خلقه، ولأنه قد قيل
[ ١ / ٢٠٠ ]
الرجل للجماعة الكثيرة، ولأن العرب تقول: مر بنا رجل من جراد أي قطعة منها.
قيل: هَذَا غلط لما تقدم، وهو أن هاء الكناية يرجع إلى المذكور المتقدم ولأنه صرح باسمه الأعظم.
فإن قيل: حمل الخبر عَلَى ظاهره يوجب رد القرآن، لأن الله سُبْحَانَهُ يَقُول: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ فأخبر أن الإلهية: لا تردها، وفي جواز وضع القدم فيها إيراد لها، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وظاهر الخبر يقتضي أنها تمتلئ بالقدم، وهذا خلاف ظاهر القرآن، فوجب تأويله.
قيل: هَذَا غلط، لأن حمله عَلَى ظاهره لا يوجب رد القرآن، وذلك أن قوله تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ معناه: ما وردوها عَلَى وجه الخوف والفزع والعقوبة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ وأراد عَلَى وجه الخوف، ثم قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وهذا المعنى معدوم فِي حقه سُبْحَانَهُ.
وأما قوله تَعَالَى: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ فنحن نقول بظاهره، وأنها تمتلئ به وبمن تبعه، لكن بعد وضع القدم وانزواء بعضها إلى بعض، ولا نقول أنها تمتلئ بالقدم.
فإن قيل: فقدم الصفة لا يجوز وصفها بالوضع فِي المكان، وإنما قدم الجارحة، وذلك لا يليق بصفاته.
قيل: لا يمتنع إطلاق ذَلِكَ لا عَلَى وجه الحد والجهة والحلول، كما جاز وصف الذات بالعلو عَلَى العرش لا عَلَى وجه الحد والجهة، وإن كنا نعلم أن
[ ١ / ٢٠١ ]
العلو غير السفل، ولهذا نصفه بالعلو ولا نصفه بالسفل، ثم لم يوجب ذَلِكَ وصفه بالجهة وكذلك رؤيته.
فأما قوله: قط قط: أي حسبي، وقد ورد هَذَا مفسرا فِي بعض الألفاظ، وهذا كما تقول العرب:
امتلأ الحوض وَقَالَ قطني … مهلا قليلا قد ملأت بطني
وقد قيل: إن ذَلِكَ حكاية صوت جهنم.
حديث آخر فِي هَذَا المعنى
١٩٣ - ثنا أَبُو مُحَمَّد الحسن بن مُحَمَّد، قَالَ: نا أَبُو حفص بن شاهين، قَالَ: نا الحسين بن جعفر الكوكبي، قَالَ: نا العباس بن عبد الله، قَالَ: نا أَبُو المغيرة، قَالَ: نا صفوان، قَالَ: نا سريج بن عبيد، عن أَبِي بشر الأذرمي، عن كعب، قَالَ: إن الله تَعَالَى نظر إلى الأرض، فقال: إني واط عَلَى بعضك، فانتسفت إليه الجبال فتصعصعت الصخرة فشكر لها ذَلِكَ، فوضع عليه قدمه
[ ١ / ٢٠٢ ]
حديث آخر
١٩٤ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ، قَالَ: نا أَبُو يَعْلَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: نا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: نا أَبُو النَّضْرِ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " ضِرْسُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَفَخِذُهُ مِثْلُ الْبَيْضَاءِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ كَمَا بَيْنَ قُدَيْدٍ وَمَكَّةَ، وَكَثَافَةُ جِلْدِهِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْجَبَّارِ، جَلَّ اسْمُهُ "
[ ١ / ٢٠٣ ]
وَحُدَّثَنَاهُ أَيْضًا عَنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِهَذَا اللَّفْظِ.
اعلم أنه ليس فِي حمله عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه لأنا لا نثبت ذراعا جارحة، ولا أبعاضا بل نثبت ذَلِكَ صفة، كما أثبتنا الوجه واليدين وغيرهما من الصفات.
فإن قيل: المداد بالجبار المتجبر من خلقه، لأن حمله عَلَى الله سُبْحَانَهُ يوهم الجارحة والعضو فِي صفته ويوهم الطول عليه.
قيل: هَذَا غلط، لأن فِي الخبر أنه قَالَ: " اثنان وأربعون زراعا بذراع الجبار جل اسمه "، وهذه الصفة لا يستحقها أحد من الجبابرة غير الله، ﷿، بل غيره يستحق الذم والمقت، ولأنه ذكر الجبار بالألف واللام والألف واللام يدخلان
[ ١ / ٢٠٤ ]
للعهد أو للجنس، وليس يمكن حمله عَلَى الجنس لأنه يقتضي كل جبار وليس هاهنا معهود من الخلق يشار إليه، فلم يبق إلا أن يحمل عليه سُبْحَانَهُ، لأنه أعرف المعارف.
وأما قولهم: إنه يفضي إلى أن نصفه بالطول، فليس كذلك لأنا نثبت قوله: " خلق آدم بيده " ولم يوجب ذَلِكَ إثبات صفة فِي اليد تفضي إلى الحد عَلَى ما نعقله فِي الشاهد كذلك هاهنا، ونثبت استواء عَلَى العرش ولم يوجب ذَلِكَ تحديده لأجل أن العرش محدود.
فإن قيل: قوله جل اسمه يحتمل أن يكون من كلام بعض الرواة أدرجه فِي كلام النبي، ﷺ.
قيل: هَذِهِ مدحه لا يستحقها غيره، ولا يجوز أن نضيف إلى الراوي الخطأ لأنه قد أخذ علينا حسن الظن فيهم.
فإن قيل: هَذَا يفضي إلى تحديد الذراع لأن جلد الكافر محدود قيل: لا يفضي إلى هَذَا كما لم يفض إلى تحديده بالإستواء عَلَى العرش، لأن العرش محدود وكذلك قوله: الكرسي موضع القدمين، وكذلك قوله: ﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ولم يوجب ذَلِكَ تحديد اليمين لأن السموات محدودة.
[ ١ / ٢٠٥ ]
حديث آخر
١٩٥ - ناه أَبُو القسم بإسناده، عن مجاهد، قَالَ: إذا كان يوم القيامة يذكر داود ذنبه فيقول الله، ﷿، له: كن أمامي، فيقول: رب ذنبي، فيقول الله: كن خلفي فيقول: رب ذنبي ذنبي، فيقول الله له: خذ بقدمي.
وفي لفظ آخر أخرجه أَبُو مُحَمَّد الحسن بن مُحَمَّد الخلال وسمعته منه، عن ابن سيرين، يَقُول فِي قوله، ﷿: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، قَالَ: إن الله، ﷿، ليقرب داود حتى يضع يده عَلَى فخذه يَقُول: أدن منا أزلفت لدينا.
أعلم أنه غير ممتنع حمل هَذَا الخبر عَلَى ظاهره إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذَلِكَ صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدين، ولا نثبت أخذا بقدمه عَلَى وجه المماسة، كما أثبتنا خلقه لآدم بيده لا عَلَى وجه المماسة والملاقاة، بل لا نعقل معناه، ولا
[ ١ / ٢٠٦ ]
نثبت أيضا أماما وخلفا عَلَى وجه الحد والجهة بل نثبت ذَلِكَ صفة غير محدودة، كما قَالُوا فِي الاستواء عَلَى العرش معناه العلة عليه، ومعلوم أن العلو غير السفل ولم يوجب ذَلِكَ وصفه بالجهة وإن كان العلو جهة فِي الشاهد،. وإن لم يكن هَذَا معقولا فِي الشاهد.
ونظير هَذَا الحديث قوله، ﷺ، فِي الرحم يأخذ بحقو الرحمن قد أخذ أَحْمَد بظاهره من غير قول بمماسة ولا جهة
[ ١ / ٢٠٨ ]
فإن قيل: مجاهد وابن سيرين ليسا بحجة ولا ممن يثبت بقولهما صفات لله تَعَالَى.
قيل: إثبات الصفات لا تؤخذ إلا توقيفا لأنه لا مجال للعقل والقياس فيه، فإذا روي عن بعض السلف فيه قولا، علم أنه قاله توقيفا.
فإن قيل: قوله: " كن أمامي وخلفي " معناه حاسب نفسك قبل أن أسائلك فيقول داود: أخاف أن تدحضني خطيئتي إن حاسبت نفسي، فيقول له: خذ بقدمي أي بما قدمت لك من العفو والغفران، ودع ما أسأت إلي ولا تأخذ به، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي لا تسبقوا قبل حكم الله عليكم فِي الشيء ولم يرد به التقدم فِي الأمكنة، وكذلك قوله: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ الأمام يطلق عَلَى محاسبته فلا يصح لأن الله سُبْحَانَهُ قد أَخْبَرَنَا بالقرآن بقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ والمحاسبة لا تكوون مع الغفران، وإذا امتنع حمله عَلَى المحاسبة امتنع حمل القدم عَلَى المغفرة، وأما قوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ فقد نقل عن السلف ما وجب الرجوع إليه، أما قوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فإنها نزلت عَلَى سبب، وذلك أنهم قتلوا رجلين بغير أمر النبي، ﷺ، فنزلت الآية، فكان معناها لا تقدموا حدا ضربه الله عَلَى فريضة ولا تتقدموا عَلَى حد ضربه رسول الله، ﷺ، فِي سنته.
وأما قوله: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أي: لا تكذبه الكتب التي قبله من التوراة والإنجيل والزبور، ولا ينزل كتاب من بعده يكذبه، فوجب الرجوع
[ ١ / ٢٠٩ ]
إلى تفسير السلف فِي ذَلِكَ، ولم يرد عنهم مثل ذَلِكَ فِي خبر داود مع ذكرهم له فِي التفاسير بل حملوه عَلَى ظاهره.
فإن قيل: يحمله قوله " يضع يده عَلَى فخذه " معناه فخذ بعض خلق أمر بالدنو منه.
قيل: قوله: " حتى يضع يده عَلَى فخذه " هاء كناية، وهاء الكناية تعود إلى المذكور، والذي تقدم ذكره اسم الله تَعَالَى.
فإن قيل: يحتمل أن يكون أرد بالدنو منه ليقربه منه عفوه ورحمته وصفحه حتى يصير كهيئة المماس فِي المثل عَلَى الوجه الذي لا يكون بينه وبين ما يماسه حائل.
قيل: لا يصح حمله عَلَى العفو والرحمة، لأن عفوه ورحمته سبقت له فِي الدنيا قبل أن يدنيه منه بقوله تَعَالَى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ فوجب حمله عَلَى ما يفيد.
حديث آخر فِي هَذَا المعنى فيه زيادة
١٩٦ - أناه أَبُو مُحَمَّد الحسن بن مُحَمَّد، نا يُوسُف بن عمر القواس، قَالَ: نا مُحَمَّد بن عثمان بن البسري التمار، قَالَ: نا مخول المستملي، قَالَ: نا مُحَمَّد بن منصور الطوسي، قَالَ: نا يونس بن مُحَمَّد المؤدب، قَالَ: نا سعيد بن زربي، عن الحسن، قَالَ: أوحى الله إلى داود إرفع رأسك فقد غفرت لك، فقال: يا رب كيف تغفر لي وقد صنعت ما صنعت؟ قَالَ: ارفع رأسك فقد غفرت لك ومحوت خطيئتك بابهام يميني.
وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبهام وذلك غير ممتنع كما لم يمتنع إثبات الأصابع.
[ ١ / ٢١٠ ]