حديث آخر
٣١٨ - رَوَاهُ أَبُو محمد الحسن بْن محمد الخلال فيما خرجه من أخبار الصفات بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة: " أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فوضع إصبعه الدعاء وإبهامه عَلَى عينه وإذنه ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " فوضع إبهامه عَلَى أذنه والأخرى عَلَى عينه " قَالَ أَبُو محمد: هَذَا حديث إسناده شرط مسلم يلزمه إخراجه فِي الصحيح، وَهُوَ حديث ليس فِيهِ علة
[ ٢ / ٣٣٧ ]
اعلم أَنَّهُ ليس المراد بالإشارة إِلَى العضو والجارحة الَّتِي لا مدح فِي إثباتها، لأَنَّ القديم سُبْحَانَهُ يستحيل عَلَيْهِ ذلك، وإنما المراد بذلك تحقيق السمع والبصر الَّذِي فِي إثبات المقصود أن اللَّه ﷿ يرى المرئيات برؤيته، ويسمع المسموعات بسمعه، فأشار إِلَى الأذن والعين تحقيقا للسمع والبصر لأجل أنهما محل للسمع والبصر، وقد يسمى محل الشيء باسمه لما بينهما من المجاورة والقرب.
ولأن هَذَا الخبر أفاد أن وصفه ﷿ بأنه سميع بصير لا عَلَى مَعْنَى وصفه بأنه " عليم " كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض أهل النظر ولم يثبتوا لله ﷿ فِي وصفنا لَهُ بأنه " سميع " مَعْنَى خاصا، وفائدة زائدة عَلَى وصفنا لَهُ بأنه عليم، فأفاد بذلك تحقيق مَعْنَى السمع والبصر، وأنه مَعْنَى زائد عَلَى العلم، إذ لو كان مَعْنَى ذلك العلم لكان يشير إِلَى القلب الَّذِي هُوَ محل العلم، لينبه بذلك عَلَى معناه، فلما أشار إِلَى العين والأذن - وهما محلان للسمع والبصر - حقق الفرق بين السمع والبصر وبين العلم
٣١٩ - وَفِي مَعْنَى هَذَا مَا رَوَى أَبُو عبد اللَّه بْن بطة بِإِسْنَادِهِ، عَن أنس بْن مالك، أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إن الدجال أعور، وإن ربكم ليس بأعور "
[ ٢ / ٣٣٨ ]
ومعناه تحقيق وصف اللَّه تَعَالَى بأنه بصير، وأنه لا يصح عَلَيْهِ النقص والعمى، ولم يرد بذلك إثبات الجارحة إذ لا مدح فِي إثباتها، لأَنَّ إثباتها يؤدي إِلَى القول بحديثه
٣٢٠ - وَفِي مَعْنَى ذلك مَا رَوَى أَبُو مُوسَى قَالَ: كنا مع رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا أيها الناس إنكم لا تدعون أصما وَلا غائبا إنكم تدعون سميعا بصيرا ".
فنفى النقص عَنْهُ، وأثبت السمع والبصر
٣٢١ - وكذلك قول عائشة: " تبارك الَّذِي وسع سمعه كل شيء " وهذا الخبر دلالة عَلَى جواز الإشارة إِلَى صفات نفسه عند ذكر صفات اللَّه تَعَالَى، لا عَلَى طريق التشبيه ونظيره حديث الحبر وقوله: " يَا أَبَا الْقَاسِم يوم يجعل السماء عَلَى ذه، وأشار بالسباحة، والأرضين عَلَى ذه "
[ ٢ / ٣٣٩ ]
حديث آخر
٣٢٢ - أخرجه أَبُو القسم عبد العزيز قَالَ: علي بْن إبراهيم الموصلي، نا أَبُو مزاحم مُوسَى بْن عبيد المقري، نا عبد اللَّه بْن أحمد بْن حنبل قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أَبُو المغيره الخولاني، قَالَ: نا الأوزاعي نا قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي كثير، عَن عكرمة، قَالَ: " إن اللَّه ﷿ إِذَا أراد أن يخوف عباده أبدى عَن بعضه إِلَى الأرض، فعند ذلك تزلزل، وإذا أراد أن يدمر عَلَى قوم تجلى لَهَا "
[ ٢ / ٣٤٠ ]
ورواه ابن فورك، عَن يَحْيَى بْن أَبِي كثير، عَن عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " إن اللَّه ﵎ إِذَا أراد أن يخوف أهل الأرض أبدى عَن بعضه، وإذا أراد أن يدمر عليهم تجلى لَهَا ".
أما قوله: " أبدى عَن بعضه " فهو عَلَى ظاهره، وأنه راجع إِلَى الذات إذ ليس فِي حمله عَلَى ظاهره مَا يحيل صفاته، وَلا يخرجها عما تستحق.
فإن قِيلَ: بل فِي حمله عَلَى ظاهره مَا يحيل صفاته، لأَنَّهُ يستحيل وصفه بالكل والبعض والجزء، فوجب حمله عَلَى إباء بعض آياته وعلاماته تحذيرا ونذيرا.
قيل: لا يمتنع إطلاق هَذِهِ الصفة عَلَى وجه لا يفضي إِلَى التجزئة والتبعيض، كَمَا أطلقنا تسمية يد ووجه، لا عَلَى وجه التجزئة والبعض، وإن كنا نعلم أن اليد فِي الشاهد بعض من الجملة.
وجواب آخر: وَهُوَ أَنَّهُ لو جاز أن يحمل قوله: " أبدى عَن بعضه " عَلَى بعض آياته لوجب أن يحمل قوله: " وإذا أراد يدمر
تجلى لَهَا " عَلَى جميع آياته، ومعلوم أَنَّهُ لَمْ يدمر قرية بجميع آياته، لأَنَّهُ قد أهلك بلادا، كل بلد بغير مَا أهلك به الآخر.
وأما قوله: " تجلى لَهَا " فهو راجع إِلَى تجلي الذات، كَمَا حملنا التجلي للجبل أَنَّهُ تجلى ذات حين تقطع الجبل، كذلك ها هنا.
فإن قِيلَ: يحمل قوله " تجلى لَهَا " معناه آياته وأفعاله، لأَنَّ مَعْنَى التجلي هُوَ: الظهور، ولهذا يقال: جلوت السيف وجلوت العروس، إِذَا أظهرتها وأبرزتها، وَمِنْهُ قول القائل:
تجلى لنا بالمشرفية والقنا
[ ٢ / ٣٤١ ]
يعني: بالسيوف والرماح.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ إن جاز تأويل الخبر عَلَى إظهار آياته، جاز تأويل تجليه للجبل عَلَى ظهور آياته، ولما حملوا ذلك عَلَى ظاهره، لَمْ يمتنع أَيْضًا حمل هَذَا التجلي عَلَى ظاهره، إذ ليس فِي إضافة التجلي إِلَيْهِ مَا يحيل صفاته وَلا يخرجها عما تستحقه، لأنا نطلق ذلك من غير انتقال، وَلا فراغ مكان وشغل مكان آخر، وكذلك قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ محمول عَلَى ظاهره فِي رؤية الذات لا الأفعال
[ ٢ / ٣٤٢ ]
حديث آخر
٣٢٣ - ناه أَبُو الْقَاسِم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي الأحوص الجشمي، أَنَّهُ قَالَ: " رآني رَسُول اللَّهِ ﷺ وعلي أطمار فَقَالَ: " هل لك من مال؟ " قَالَ: قلت: نعم، قَالَ: " من أي المال؟ " قَالَ: قلت: قد آتاني اللَّه من الشاء والإبل، قَالَ: " فلتر نعمة اللَّه وكرامته عليك " قَالَ النبي ﷺ: " هل تنتج إبلك وافية أذانها؟ " قَالَ: وهل تنتج إِلا كذلك ولم يكن أسلم يومئذ، قَالَ: " فلعلك تأخذ موساك فتقطع أذن بعضها، وتقول: هَذِهِ بحر، وتشق أذن الأخرى فتقول: هَذِهِ صرم " قَالَ: نعم، قَالَ: " فلا تفعل فإن كل مَا آتاك اللَّه حل، وإن مُوسَى اللَّه أحد، وساعد اللَّه أشد "
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " مُوسَى اللَّه أحد من موساك، وساعد اللَّه أشد من ساعدك ".
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع حمل الخبر عَلَى ظاهره فِي إثبات " الساعد " صفة لذاته، كَمَا حملنا قوله تَعَالَى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عَلَى ظاهره، وأنها صفة ذات إذ ليس فِي ذلك مَا يحيل صفاته، لأنا لا نحمله عَلَى ساعد هُوَ جارحة، بل صفة ذات لا نعقلها، كَمَا أثبتنا ذاتا لا كالذوات.
فإن قِيلَ: المراد بالساعد ها هنا: القوة، فعبر عنها بالساعد لأَنَّهُ محل للقوة، وقد يعبر عَن الشيء بمحله كَمَا سمت العرب البصر: عينا، والسمع: أذنا، كذلك تسمى القدرة ساعدا، وَمِنْهُ يقال: جمعت هَذَا المال بقوة ساعدي، ويراد به بالتدبير والقوة دون المباشرة بالساعد
[ ٢ / ٣٤٤ ]
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ يوجب حمل قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ معناه بالقدرة.
فإن قِيلَ: إنما لَمْ نحمل اليد عَلَى القدرة لأَنَّ فِي ذلك إبطال فضيلة آدم عَلَى إبليس، لأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على طريق التفضيل، وليس فِي حمل هَذَا الخبر عَلَى القدرة إبطال فائدة.
قيل: مَا كان يمتنع أن تحملون اليد عَلَى القدرة، وإن أفضى إِلَى إبطال فضيلة آدم كَمَا حملتم قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ معناه: لذاتي، وتأولتم النفس ها هنا عَلَى الذات، وإن أفضى ذلك إِلَى إبطال فائدة تخصيص مُوسَى بذلك، لأَنَّ جميع الأنبياء اصطنعهم لذاته، ولما لَمْ يجز تأويل اليد عَلَى القدرة كذلك ها هنا.
وجواب آخر: هُوَ أَنَّهُ لو استحال إضافة اليد إِلَيْهِ، لَمْ يجز إضافتها إِلَيْهِ، وإن أفضى إِلَى إبطال فضيلة آدم، أَلا ترى إِلَى قوله تَعَالَى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ لما لَمْ يجز حمل ذلك عَلَى الذات، حمل عَلَى الأمر وإن أفضى إِلَى إسقاط تخصيص عِيسَى، لأَنَّ غير عِيسَى مخلوق بالأمر، فعلم أن إضافة اليد إِلَيْهِ لا للمعنى الَّذِي ذكروه وإنما ذلك لورود الشرع به، وَهَذَا المعنى موجود فِي غيره.
وأما قوله: " وموساه أحد من موساك " فقد قِيلَ فِيهِ: إن هَذَا خرج عَلَى طريق التمثيل، لأَنَّ الموسى لما كان آلة للقطع، وكان المراد بالخبر أن قطعه أسرع من قطعك، عبر عَن القطع بالموسى اعتبارا بعادة العرب، وأنها تسمي الشيء باسم مَا يجاوره ويقاربه.
ولا بأس بذلك لأَنَّ اللَّه تَعَالَى يجوز فِي صفته ضرب المثل، قَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ
[ ٢ / ٣٤٥ ]
اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ وَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾.
وإنما لَمْ يجب حمل الموسى عَلَى أَنَّهُ صفة للذات كالساعد لأَنَّ الموسى آلة، والآلات لا تكون صفاتا للذات، وليس كذلك الساعد، لأَنَّهُ قد يكون من صفات الذات بدليل كونه صفة للذات فِي الشاهد، فإذا ورد الشرع بإضافته، لَمْ يمتنع حمله عَلَى ظاهره، كَمَا لَمْ يمتنع حمل اليد والوجه عَلَى ظاهره
[ ٢ / ٣٤٦ ]