حَدِيثٌ آخَرُ
٢٧٧ - رَوَى مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَبُو الْقَاسِمِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ، فَقَالَ: " تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْقَمَرِ لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ "
٢٧٨ - وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: فَقَالَ: " هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهَارِ؟ " قَالُوا: لا، قَالَ: " فَتُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ " قَالُوا: لا، قَالَ " فَإِنَّكُمْ لا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ إِلا كَمَا تُضَارُّونَ فِي ذَلِكَ "
[ ٢ / ٢٨١ ]
٢٧٩ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ " هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابَةٌ؟ " قَالَ: قُلْنَا: لا، قَالَ: " فَهَلْ تُضَارُّونَ بِرُؤْيَةِ الشَّمْسِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟ " قَالَ: قُلْنَا: لا، قَالَ: " كَذَلِكَ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ "
٢٨٠ - وَرَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بُطَّةَ فِي كِتَابِهِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ سورة يونس آية قَالَ: " الزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ "
٢٨١ - وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَرَجُلٌ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ سَنَةٍ يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ، يَنْظُرُ فِي أَزْوَاجِهِ وَسُرُرِهِ وَخَدَمِهِ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ اللَّهِ ﷿ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ "
[ ٢ / ٢٨٢ ]
٢٨٢ - وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " بَيْنَا هُوَ يُعَلِّمُهُمْ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ إِذْ شَخَصَتْ أَبْصَارُهُمْ عِنْدَهُ، فَقَالَ: " مَا أَشْخَصَ
[ ٢ / ٢٨٣ ]
أَبْصَارَكُمْ عَنِّي؟ " قَالُوا: نَظَرْنَا إِلَى الْقَمَرِ، قَالَ: " فَكَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّهَ ﷿ جَهْرَةً "
٢٨٣ - وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فِي رِمَالِ الْكَافُورِ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا أَسْرَعُهُمْ إِلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَبْكَرُهُمْ غُدُوًّا "
اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ أَخْبَارٌ صِحَاحٌ يَجِبُ الأَخْذُ بِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، فَقَالَ: أَحَادِيثُ الرُّؤْيَةِ صِحَاحٌ جِيَادٌ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ: صِحَاحٌ جِيَادٌ
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: تَقُولُ بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ الَّتِي تُرْوَى
[ ٢ / ٢٨٤ ]
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرُّؤْيَةِ وَتَذْهَبُ إِلَيْهَا؟ وَجَمَعَهَا فِي كِتَابٍ وَحَدَّثَنَا بِهَا
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَحَنْبَلٍ وَأَبِي دَاوُدَ: مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لا يُرَى فِي الآخِرَةِ فَقَدْ كَفَرَ.
فَقَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّتِهَا وَالأَخْذِ بِهَا وَتَكْفِيرِ مَنْ رَدَّهَا
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
فَأَمَّا قَوْلُهُ: " كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ " فَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ إِلا تَحْقِيقَ رُؤْيَةِ الْعَيَانِ، لا تَشْبِيهَ الْمَرْئِيِّ بِالْقَمَرِ فِي أَنَّهُ مَحْدُودٌ فِي جِهَةٍ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ رُؤْيَتُكُمْ للَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَرُؤْيَتِكُمُ الْقَمَرِ لَيْلَةِ الْبَدْرِ، أَيْ كَمَا لا تَشُكُّونَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ أَنَّهُ الْبَدْرُ، وَلا يَتَخَالَجُكُمْ فِيهِ رَيْبٌ وَظَنٌّ، كَذَلِكَ تَرَوْنَ اللَّهَ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُعَايَنَةً يَحْصُلُ مَعَهَا الْيَقِينُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " لا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ " بِالتَّشْدِيدِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ: لا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ كَمَا تَنْضَمُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْهِلالِ رَأْسَ الشَّهْرِ، بَلْ تَرَوْنَهُ جَهْرَةً مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ لِطَلَبِ رُؤْيَتِهِ كَمَا تَرَوْنَ الْبَدْرَ - وَهُوَ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ إِذَا عَايَنَهُ الْمُعَايِنُ جَهْرَةً لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَكَلُّفٍ فِي طَلَبِ رُؤْيَتِهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: " لا تُضَامُونَ " مُخَفَّفٌ فَالْمُرَادُ بِهِ الضَّيْمُ أَيْ: لا يَلْحَقُكُمْ فِيهِ ضَيْمٌ، وَالضَّيْمُ وَالضَّرَرُ وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى وَأَمَّا قَوْلُهُ: " لا تُضَارُّونَ " أَيْ: لا يَلْحَقُكُمْ ضَرَرٌ فِي رُؤْيَتِهِ بِتَكَلُّفِ طَلَبِهَا كَمَا يَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ وَالتَّعَبُ فِي طَلَبِ مَا يَخْفَى وَيَدِقُّ وَيَغْمُضُ
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وَكُلُّ ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِرُؤْيَةِ الْمُعَايَنَةِ، وَأَنَّهَا صِفَةٌ تَزِيدُ عَلَى الْعِلْمِ
فَإِنْ قِيلَ: مَعْنَاهُ رُؤْيَةُ الْعِلْمِ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَعْرِفُونَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَرُورَةً
قِيلَ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى: الْعِلْمِ، تَعَدَّتْ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَذَلِكَ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: رَأَيْتُ زَيْدًا فَقِيهًا، أَيْ عَلِمْتُهُ كَذَلِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: رَأَيْتُ زَيْدًا مُطْلَقًا، فَلا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلا رُؤْيَةُ الْبَصَرِ، وَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ بِمَا أَكَّدَهُ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِرُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَذَلِكَ رُؤْيَةُ الْبَصَرِ لا رُؤْيَةَ عِلْمٍ
وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَشَّرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ، وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى يَخْتَصُّونَ بِهِ، فَأَمَّا الْعِلْمُ بِاللَّهِ فَمُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي الْقِيَامَةِ، فَيَبْطُلُ مَعْنَى بِشَارَتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالرُّؤْيَةِ
وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى: " تَرَوْنَ اللَّهَ جَهْرَةً " وَهَذَا يَرْفَعُ الإِشْكالَ، لأَنَّ الرُّؤْيَةَ وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى الْعِلْمِ، فَإِنَّهَا إِذَا قُرِنَتْ بِلَفْظِ الْجَهْرِ لَمْ تَحْتَمِلِ الْعِلْمَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ يَعْنِي عَيَانًا، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَبِّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ " وَهَذَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْعِلْمَ
[ ٢ / ٢٨٦ ]
٢٨٤ - فَأَمَّا مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فِي رِمَالِ الْكَافُورِ، فَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا أَسْرَعُهُمْ إِلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَبْكَرُهُمْ غُدُوًّا " فَإِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ بُطَّةَ رَوَاهُ، عَن أَبِي عُمَر عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مسح الْعَطَّارِ، وَأَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالُوا: نا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: نا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ الأَشْعَثِ قَالَ: نا ابْنُ حَسَنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي حَسَنٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
٢٨٥ - ونا أَبُو الْقَاسِمِ بِلَفْظٍ آخَرَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: نا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الُمْقِري، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَغَوِيُّ، نا وَكِيعٌ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يَبْدُو لأَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ فَيَكُونُونَ مِنْهُ فِي الْقُرْبِ عَلَى قَدْرِ تَسَرُّعِهِمْ إِلَى الْجُمَعِ "
[ ٢ / ٢٨٧ ]
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَفَرَّدَ بِهِ الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ ضَعِيفٌ
قِيلَ: هَذَا لا يَصِحُّ لأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ بُطَّةَ قَدْ رَوَى أَصْلَ الْحَدِيثِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَلَى أَنَّ الْمِنْهَالَ بْنَ عُمَرَ الأَسَدِيَّ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ، وَلَهُ تَفْسِيرٌ أَكْثَرَ فِيهِ الرِّوَايَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَحْمَدُ أَحَادِيثَ فِي الْمُسْنَدِ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَيْنِ مُسْنَدَيْنِ
وَقَدْ قِيلَ: فِي قَوْلِهِ: " فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ " مَعْنَاهُ يَرَوْنَهُ عَلَى مَقَادِيرِ أَوْقَاتِ الدُّنْيَا وَأَيَّامِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ وَذَلِكَ عَلَى التَّقْدِيرِ بِأَيَّامِ الدُّنْيَا وَأَوْقَاتِهَا، لأَنَّ لَيْسَ هُنَاكَ غَدْوَةٌ وَعَشِيَّةٌ وَجُمُعَةٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " فِي رِمَالِ الْكَافُورِ " فَلا يَمْتَنِعُ إِطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، لا عَلَى وَجْهِ
[ ٢ / ٢٨٨ ]
الانْتِقَالِ وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿هل يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وَقَدْ سَبَقَ الْكَلامُ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " أَقْرَبُهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا " فَلا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْقُرْبِ مِنَ الذَّاتِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: " يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُدْنِيهِ اللَّهُ فَيَضَعُ كَنَفَهُ عَلَيْهِ " وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الدُّنُوِّ مِنَ الذَّاتِ، وَهَذَا الْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: يَحْمِلُ الْقُرْبُ عَلَى الْقُرْبِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْكَرَامَةِ وَالرَّحْمَةِ.
قِيلَ: هَذَا لا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَحْمَتَهُ وَكَرَامَتَهُ وَثَوَابَهُ سَابِقٌ لِرُؤْيَتِهِمْ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ جَازَ تَأْوِيلُهُ عَلَى هَذَا جَازَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: " تَرَوْنَ رَبَّكُمْ " عَلَى التَّعَطُّفِ وَالرَّحْمَةِ وَالْكَرَامَةِ، وَقَدِ اتَّفَقْنَا وَمُثْبِتُو الصِّفَاتِ عَلَى فَسَادِ هَذَا التَّأْوِيلِ، كَذَلِكَ هَهُنَا.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ فَالُمْرَادُ بِهِ عِلْمُهُ لأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْعِلْمِ فِي أَوَّلِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ فَوَجَب حَمْلُهُ عَلَى الْعِلْمِ.
٢٨٦ - وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ عَلِمَهُ لأَنَّهُ افْتَتَحَ الآيَةَ بِالْعِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾ وَخَتَمَ بِالْعِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " مَنْ قَرَّب شِبْرًا قَرُبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا " فَإِنْ تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيْهِ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَأَمَّا تَقَرُّبُهُ إِلَى عَبْدِهِ فَبِالثَّوَابِ وَالرَّحْمَةِ وَالْكَرَامَةِ، لأَنَّهُ رُوِيَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي
[ ٢ / ٢٨٩ ]
بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْكَلامِ عَلَى قَوْلِهِ: " يُدْنِي عَبْدَهُ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ "، وَذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " وَمَنْ جَاءَ يَمْشِي أَقْبَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِالْخَيْرِ يُهَرْوِلُ " فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ إِقْبَالَهُ عَلَيْهِ بِالْخَيْرِ فَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِي هَذَا الْفَصْلِ حِكَايَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ فِي سُنَنِهِ:
٢٨٧ - أَحَدُهُمَا: قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْفَقِيهَ الْمِصِّيصِيَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ أَبُو صَفْوَانَ: رَأَيْتُ الْمُتَوَكِّلَ فِي النَّوْمِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ مُؤَجَّجَةٌ عَظِيمَةٌ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِمَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: لابْنِي الْمُنْتَصِرِ لأَنَّهُ قَتَلَنِي، وَتَدْرِي لِمَ قَتَلَنِي؟ لأَنِّي حَدَّثْتُهُ أَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الآخِرَةِ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: هَذِهِ رُؤْيَا حَقٍّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ كَتَبَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ فِي الرُّؤْيَةِ بِيَدِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الأَعْلَى وَقَالَ: لا أَكْتُبُهُ إِلا بِيَدِي
٢٨٨ - وَالْحِكَايَةُ الأُخْرَى: قَالَ: أنا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَوَارِيرِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ: الْمُؤْمِنُونَ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ، فَأَمَّا الْكُفَّارُ فَلا يَجُوزُ أَنْ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى
٢٨٩ - وَحَكَى ابْنُ فُورَكٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ خُزَيْمَةَ، أَنْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ يَرَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رُؤْيَةَ امْتِحَانٍ قَبْلَ أَنْ يُوضَعَ الْجِسْرُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وَأَنْكَرَ ابْنُ فُورَكٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَقَالَ: هِيَ مُحْدَثَةٌ لأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ مَنَعَ الرُّؤْيَةَ، وَقَالَ: لا يَرَاهُ مُؤْمِنٌ وَلا كَافِرٌ، وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ دُونَ الْكَافِريَن، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ - وَهُوَ ابْنُ سَالِمٍ -: يَرَاهُ جَمِيعُ الْكُفَّارِ وَكَانَ مَذْهَبًا مَرْغُوبًا عَنْهُ مُبْدَعًا فِيهِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ.
وَقَدِ احْتَجَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ ﷿ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَ رَبُّنَا، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ ".
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّؤْيَةِ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ يُخَاطِبُهُمْ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُخَاطِبَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَوْهُ
[ ٢ / ٢٩٥ ]
حَدِيثٌ آخَرُ
٢٩٠ - رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بُطَّةَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا سَيَخْلُو اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ أَوْ تَرْجُمَانٌ "
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ فِي مَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ مِنَ الْقُرْبِ مِنْهُ، لأَنَّ الْخُلُوَّ عِبَارَةٌ عَنِ
[ ٢ / ٢٩٦ ]
الْقُرْبِ، وَلِهَذَا إِذَا قِيلَ: خَلا الْوَزِيرُ بِالْخَلِيفَة، الْمُرَادُ بِهِ الْقُرْبُ، وَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ إِطْلاقِ الدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ مِنَ الذَّاتِ، كَذَلِكَ لا يَمْتَنِعُ جَوَازُ الْخَلْوَةِ لأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ
٢٩١ - وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الأَخْذِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فَقَالَ: لا نُزِيلُ عَنْهُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ بِشَنَاعَةٍ شُنِّعَتْ، وَوَصْفٍ وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، مِنْ كَلامٍ وَنُزُولٍ وَخَلْوَةٍ بِعَبْدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَوَضْعِهِ كَنَفِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يُفْرِدُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِكَلامٍ لا يَسْمَعُهُ غَيْرُهُ بَلْ يَخْتَصُّ بِسَمَاعِهِ الْمُكَلَّمُ، لأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ فِي كَلامِ الْعَرَبِ الانْفِرَادُ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ: خَلا فُلانٌ بِعَمَلِهِ وَخَلا فُلانٌ بِنَفْسِهِ، مَعْنَاهُ: الانْفِرَادُ، وَكَذَلِكَ هَهُنَا.
قِيلَ: هَذَا غَلَطٌ، لأَنَّهُ إِذَا جَازَ حَمْلُهُ عَلَى الانْفِرَادِ بِالْكَلامِ جَازَ حَمْلُهُ عَلَى الانْفِرَادِ بِالْقُرْبِ، إِذْ مَعْنَاهُمَا يَرْجِعُ إِلَى الْكَرَامَةِ وَالْمَنْزِلَةِ
[ ٢ / ٢٩٧ ]
حَدِيثٌ آخَرُ
٢٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ
نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ يَا آدَمُ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلائِكَةِ إِلَى مَلأٍ مِنْهُمْ جُلُوسًا فَقُلِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: يَا آدَمُ اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ ".
أَمَّا قَوْلُهُ: " نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ " فَقَدْ أَطْلَقَ ذِكْرَ الرُّوحِ هَهُنَا وَقَدْ أَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَمَعْنَى إِضَافَتِهِ إِلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَلْكِ وَالْفِعْلِ، وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِتَشْرِيفِ شَأْنِهِ وَالرِّفْعَةِ مِنْ حَالِهِ، كَمَا خَصَّ بَعْضَ الْبُيُوتِ بِالإِضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ
٢٩٣ - وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَعْنَى هَذَا فِيمَا خَرَّجَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ فَقَال: وَأَمَّا قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَرُوحٌ مِنْهُ سورة النساء آية يَقُولُ: مِنْ أَمْرِهِ، كَمَا
[ ٢ / ٢٩٨ ]
قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ سورة الجاثية آية أَيْ: مِنْ أَمْرِهِ، وَتَفْسِيرُ رُوحِ اللَّهِ إِنَّمَا مَعْنَاهَا إِنَّهَا رُوحٌ خَلَقَهَا اللَّهُ، كَمَا يُقَالُ عَبْدُ اللَّهِ وَسَمَاءُ اللَّهِ وَأَرْضُ اللَّهِ
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " رَحِمَكَ رَبُّكَ " حِينَ عَطَسَ آدَمُ ﵇، فَإِنَّهُ يُفِيدُ مُخَاطَبَتَهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ وَلا تَرْجُمَانٍ، تَشْرِيفًا لَهُ وَتَعْظِيمًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُكَلَّمِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ " ظَاهِرَةٌ يَقْتِضي رُجُوعًا إِلَى الْمَكَانِ، وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْخِطَابِ وَالْمُسَائَلَةِ، وَلَيْسَ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْمَكَانِ مَا يُحَيِّرُ الصِّفَاتِ.
وأما قوله: " اخترت يمين ربي " فقد تقدم الكلام فِيهِ، وقلنا: لا يمتنع إطلاق صفة اليمين عَلَيْهِ كَمَا جاز إطلاق اليدين
[ ٢ / ٣٠٠ ]
حديث آخر
٢٩٤ - ذكره ابن فورك ولم يقع لي طريقه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إن اللَّه يطوي المظالم يوم القيامة فيجعلها تحت قدميه إِلا مَا كان من أجر الأجير، وعقر البهيمة، وفض الخاتم".
اعلم أنا قد بينا جواز إطلاق اسم القدم فِي صفته، لا عَلَى وجه الجارحة والبعض والعضو، كَمَا جاز إطلاق اليدين والوجه، وبينا ذلك فيما تقدم، وتكلمنا عَلَى تأويل من تأول القدم عَلَى وجوه، والمراد بهذا الخبر تعريفنا مراتب الأعمال، وأن منها إِلَى العفو عَنْهُ أقرب من غيره، وَهَذَا المتعارف فِي استعمال اللغة فِي الشيء الَّذِي لا تنافس وَلا يطالب به قد جعلته تحت قدمي، إِذَا أراد الإعراض عَنْهُ
٢٩٥ - ومثل هَذَا مَا روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لما فتح مكة قام عَلَى باب الكعبة فَقَالَ: " كل دم
كان فِي الجاهلية قد جعلته تحت قدمي " عَلَى مَعْنَى: قد أعرضت عَن
[ ٢ / ٣٠١ ]
المنافسة فِيهِ، والمطالبة به.
فإن قِيلَ: هَذَا تمثيل بالأمر الَّذِي يوطأ بالقدم إِذَا أراد ستره والإعراض عَنْهُ،
[ ٢ / ٣٠٢ ]
قيل: اجعله تحت قدمك تمثيلا.
قيل: لا يجب حمله عَلَى ذلك إذ ليس فِي حمله عَلَى ظاهره مَا يحيل صفاته من الوجه الَّذِي بينا
[ ٢ / ٣٠٣ ]