حديث آخر
٢٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أنس بْن مالك، قَالَ: كان رَسُول اللَّهِ ﷺ يكثر أن يقول: " يَا مقلب القلوب ثبت قلبي عَلَى دينك " قالوا: يَا رَسُول اللَّهِ آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قَالَ: " إن القلوب بين أصبعين من أصابع اللَّه ﷿ يقلبها "
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " إن القلوب بيد اللَّه يقلبها "
[ ٢ / ٣١١ ]
٣٠٠ - وناه بِإِسْنَادِهِ، عَن عائشة قالت: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " مَا من قلب ابن آدم إِلا بين أصبعين من أصابع الرَّحْمَنِ ﷿، فإذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه "
٣٠١ - وَناهُ لَفْظًا بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوِب ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ " قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَتَخَافُ عَلَى قَلْبِكَ وَقَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ بِالْوَحْيِ؟ قَالَ: " إِنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ ﷿ - السَّبَّابَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا - فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُزِيغَ قَلْبَ عَبْدٍ أَزَاغَهُ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُثَبِّتَهُ ثَبَّتَهُ "
حَدَّثَنَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الإِجَازَةِ، نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا أَبُو
[ ٢ / ٣١٢ ]
الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نا ضَمْرَةُ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
٣٠٢ - وناه بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن عمرو بْن العاص، أَنَّهُ سمع رَسُول اللَّهِ ﷺ يقول: "
[ ٢ / ٣١٣ ]
إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرَّحْمَنِ ﷿ كقلب واحد، يصرفه كيف يشاء "، وَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " اللهم مصرف القلوب اصرف قلوبنا إِلَى طاعتك "
٣٠٣ - وَناهُ أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ: أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ، نا مِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، نا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ "، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ؟ فَقَالَ: " إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا هَكَذَا وَهَكَذَا، يُقَلِّبُ أُصْبُعَيْهِ "
[ ٢ / ٣١٤ ]
٣٠٤ - ونا أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن النواس بْن سمعان الكلابي، أَنَّهُ سمع رَسُول اللَّهِ ﷺ يقول: " مَا من قلب إِلا وَهُوَ بين أصبعين من أصابع رب العالمين جل اسمه، إِذَا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه "، قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يقول: " يَا مقلب القلوب ثبت قلوبنا عَلَى دينك "، قَالَ: " والميزان بيد الرَّحْمَنِ جل اسمه، يرفع أقواما، ويضع آخرين إِلَى يوم القيامة "
[ ٢ / ٣١٥ ]
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع حمل الخبر عَلَى ظاهره فِي إثبات الأصابع والسبابة والتي تليها عَلَى مَا روي فِي حديث جابر، إذ ليس فِي حمله عَلَى ظاهره مَا يحيل صفاته، وَلا يخرجها عما تستحقه، لما بينا فِي الخبر الَّذِي قبله، لأنا لا نثبت أصابعا هِيَ جارحة وَلا أبعاضا، وإنما نطلق ذلك كَمَا أطلقنا تسمية اليدين والوجه والعين وغير ذلك، ويكون المقصود بالخبر الفزع من اللَّه سُبْحَانَهُ والمسارعة إِلَى الطاعات والخوف من سوء المنقلب
[ ٢ / ٣١٦ ]
فإن قِيلَ: يحتمل أَنْ يَكُونَ المراد بالأصابع الملك والقدرة، ويكون فائدته أن قلوبهم فِي قبضته جارية عَلَى قدرته، وَذَكَرَ النبي ﷺ هَذَا عَلَى طريق المثل، كَمَا يقال: مَا فلان إِلا فِي يدي وخنصري ويريد بذلك أَنَّهُ عَلَيْهِ مسلط، وأنه لا يتعذر عَلَيْهِ مَا يريده مِنْهُ، ويحتمل أن الأصبعين ها هنا بمعنى النعمتين، وقد تقول العرب: لفلان عَلَى فلان أصبع حسن، إِذَا أنعم عَلَيْهِ نعمة حسنة وَمِنْهُ قول الشاعر:
ضعيف العصا بادي العروق ترى لَهُ … عَلَيْهِ إِذَا مَا أجدب الناس إصبعا
أي: إِذَا مَا وقع الناس فِي الجدب والقحط لَهُ عَلَيْهِ أثر حسن، ويحتمل أَنْ يَكُونَ معناه بين أثرين من آثار اللَّه ﷿ وفعلين من أفعاله.
قيل: هَذَا غلط لوجوه:
أحدها: أن حمله عَلَى الملك والقدرة والنعم والآثار، يسقط فائدة التخصيص بالقلب، لأَنَّ جميع الأشياء هَذَا حكمها، وأنها فِي ملكه وبنعمه وبآثاره.
الثاني: أن فِي الخبر مَا يسقط هَذَا، وَهُوَ قوله: " بين السبابة والتي تليها وأشار
بيده هكذا وهكذا " وَهَذَا يمنع من صحة التأويل.
الثالث: أَنَّهُ لو كان المراد به النعمتين، لكان القلب محفوظا بها ولم يحتج إِلَى الدعاء، ولما دعا بالتثبيت، لَمْ يصح حمله عَلَى النعمتين، وَهَذَا الثالث جواب ابن
[ ٢ / ٣١٧ ]
قتيبة لأَنَّهُ إِذَا كان بين نعمتين كان محفوظا بتلك النعمتين
وأما قول الشاعر فهو عَلَى طريق المجاز، فلا يجوز استعماله فِي صفات اللَّه تَعَالَى لأَنَّهُ لا حقيقة للمجاز.
وأما قوله: " والميزان بيد الرَّحْمَنِ يرفع أقواما ويضع آخرين " فلا يمتنع إضافة ذلك إِلَيْهِ، كَمَا لَمْ يمتنع إضافة الخلق لآدم بيده، ونظير هَذَا قول النبي ﷺ: " كتب التوراة بيده، وخلق جنة عدن بيده ".
وليس لقائل أن يقول: إنا أثبتنا خلق آدم بيده من طريق مقطوع عَلَيْهِ وَهُوَ القرآن، لأَنَّ خبر الواحد إِذَا تلقته الأمة بالقبول صار فِي حكم المقطوع عَلَيْهِ، وليس لهم أن يقولوا إن ذلك قصد به فضيلة آدم، وَهَذَا المعنى معدوم ها هنا، لأَنَّ فِي ذلك تفضيلا لبعض خلقه عَلَى بعض، تشريفا لهم وتكريما، وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.
حديث آخر فِي الإصبع
٣٠٥ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّه قَالَ: أتى النبي ﷺ رجل من اليهود
[ ٢ / ٣١٨ ]
فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِم أبلغك أن اللَّه يحمل السموات عَلَى إصبع، والأرضين عَلَى إصبع، والشجر عَلَى إصبع، والخلائق عَلَى إصبع، ثُمَّ يقول: أنا الملك، قَالَ: فرأيت رَسُول اللَّهِ ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَ: " إن اللَّه يمسك السموات عَلَى إصبع، والأرضين عَلَى إصبع، والجبال والشجر عَلَى إصبع، والخلائق عَلَى إصبع، ثُمَّ يقول: أنا الملك، فضحك رَسُول اللَّهِ ﷺ حتى بدت نواجذه، ثُمَّ قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إِلَى آخر الآية
[ ٢ / ٣١٩ ]
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " قَالَ يَا محمد إِذَا كان يوم القيامة وضع ربك جل اسمه السماء عَلَى هَذِهِ، والأرض عَلَى هَذِهِ، والجبال عَلَى هَذِهِ، والماء والثرى عَلَى هَذِهِ، وسائر الخلق عَلَى هَذِهِ، ثُمَّ هزهن فَقَالَ: أين الملوك؟ لي الملك اليوم، قَالَ: فضحك رَسُول اللَّهِ ﷺ "
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: رَوَاهُ أَبُو بكر الخلال بِإِسْنَادِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مر يهودي برسول اللَّه ﷺ وَهُوَ جالس قَالَ: كيف تقول يَا أَبَا الْقَاسِم يوم يجعل اللَّه السماء عَلَى ذو وأشار بالسباحة، والأرض عَلَى ذه، والجبال عَلَى ذه، وسائر الخلق عَلَى ذه، وجعل يشير بأصابعه قَالَ: فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ الآية
[ ٢ / ٣٢١ ]
اعلم إنه غير ممتنع حمل الخبر عَلَى ظاهره، وأن الإصبع صفة ترجع إِلَى الذات، وأنه تجوز الإشارة فيها بيده
٣٠٦ - نص عَلَيْهِ أحمد فِي رواية أَبِي طالب: سئل أَبُو عبد اللَّه عَن حديث الحبر: " يضع السموات عَلَى إصبع، والأرضين عَلَى إصبع، والجبال عَلَى إصبع " يقول: إِلا شار بيده هكذا، أي يشير، فَقَالَ أَبُو عبد اللَّه: رأيت يَحْيَى يحدث بهذا الحديث ويضع إصبعا إصبعا، ووضع أَبُو عبد اللَّه الإبهام عَلَى إصبعه الرابعة من أسفل إِلَى فوق عَلَى رأس كل إصبع"
فقد نص عَلَى ذلك
٣٠٧ - وَذَكَرَ هبة بْن منصور الطبري فِي كتاب السنة، فَقَالَ: سمعت أَبَا محمد
[ ٢ / ٣٢٢ ]
الحسن بْن عثمان بْن جابر، قَالَ: سمعت أَبَا نصر أحمد بْن يعقوب بْن زاذان قَالَ: بلغني أن أحمد بْن حنبل قرأ عَلَيْهِ رجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ثُمَّ أومى بيده، فَقَالَ أحمد: قطعها اللَّه وحرد وقام.
وهذا محمول عَلَى أَنَّهُ قصد التشبيه، والموضع الَّذِي أجازه إِذَا لَمْ يقصد ذلك، والوجه فِيهِ: أَنَّهُ ليس فِي حمله عَلَى ذلك مَا يغير صفاته وَلا يخرجها عما تستحقه، لما بينا فِي الحديث الَّذِي قبله وَهُوَ أن إثبات الأصابع كإثبات اليدين والوجه.
فإن قِيلَ: المراد به إصبع بعض خلق يخلقه، قالوا: لأَنَّ النبي ﷺ لَمْ يقل فِي الخبر عَلَى إصبعه، بل أطلق ذلك فيحل عَلَيْهِ قيل: هَذَا غلط لوجهين: أحدهما: أن فِي الخبر يسقط ذلك وَهُوَ قوله: " وسائر الخلق عَلَى هَذِهِ " فاقتضى ذلك أَنَّهُ لَمْ يبق مخلوق إِلا وَهُوَ عَلَى الإصبع، فلو كان المراد به إصبع بعض خلقه لخرج بعض الخلق عَن أَنْ يَكُونَ عَلَى الإصبع، وَهَذَا خلاف الخبر.
الثاني: أن المفسرين قالوا: إنما يكون ذلك عند فناء خلقه وإماتتهم، فلا يكون لَهُ مجيب غير نفسه ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ فدل بهذا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يبق
[ ٢ / ٣٢٣ ]
هناك خلق يضع السموات عَلَى إصبعه.
فإن قِيلَ: ففي الخبر مَا يدل عَلَى القدرة، وَهُوَ قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
قيل: معناه مَا عرفوا اللَّه حق معرفته، وإذا كان هَذَا معناه، لَمْ يكن المراد به القدرة، وَهَذَا الحديث ذكره البخاري ومسلم فِي الصحيحين
[ ٢ / ٣٢٤ ]