حديث آخر
١٩٧ - ناه أَبُو القسم عبد العزيز من طرق أحدها، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، أن رسول الله، ﷺ، قَالَ: " يضحك الله تَعَالَى إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، يقاتل هَذَا فِي سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله عَلَى القاتل فيقاتل فِي سبيل الله ثم يستشهد "
١٩٨ - وروى علي بن ربيعة قَالَ: كنت ردف علي بن أَبِي طالب فلما ركب كبر ثلاثا وحمد ثلاثا ثم قَالَ: سبحان الذي سخر لنا هَذَا وما كنا له مقرونين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم قَالَ: سبحانك لا إله إلا الله إني ظلمت نفسي فأغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم استضحك، فقلت: مما استضحكت؟ فقال: إن رسول الله، ﷺ، قَالَ يوما مثل ما قلت ثم استضحك فقلت: مما استضحكت يا رسول الله؟ قَالَ: ضحكت لضحك ربي، ﷿، لعجبه بعبده إنه لا يغفر الذنوب أحد غيره "
[ ١ / ٢١١ ]
١٩٩ - وروى أَبُو سعيد الخدري، عن النبي، ﷺ، قَالَ: " ثلاثة يضحك الله إليهم يوم القيامة: الرجل إذا قام من الليل، والقوم إذا صفوا للصلاة، والقوم إذا صفوا لقتال العدو "
[ ١ / ٢١٢ ]
٢٠٠ - وروت عائشة قالت: قَالَ رسول الله، ﷺ: " إن الله، ﷿، ليضحك من إياس الناس وقنوطهم وقرب الرحمة منهم " قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أو يضحك ربنا؟ قَالَ: " أي والذي نفس مُحَمَّد بيده إنه ليضحك "، قَالَ: فقالت: لن يعدمنا خيرا إذا ضحك
٢٠١ - وروى جابر بن عبد الله قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ: " إن الله، ﷿، يضحك إلى العبد إذا مد يده إلى الصدقة، ومن ضحك الله إليه غفر له "
٢٠٢ - نا أَبُو الْقَاسِمِ، قَالَ: أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، إِجَازَةً، قَالَ: نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ، قَالَ: نا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي، قَالَ: نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْوُرُودِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: " تَجِيءُ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى كَوْمٍ فَوْقَ النَّاسِ فَتَأْتِي الأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ يَمْشِي فَيَقُولُ: مَا تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْتَظِرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ حَتَّى تَبْدُوَ لَهَوَاتُهُ، ثُمَّ يَنْطَلِقُونَ يَتْبَعُونَهُ " وَذَكَرَ الْخَبَرَ.
[ ١ / ٢١٣ ]
٢٠٣ - ونا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، إِجَازَةً، نا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا عَمْرُو بْنُ إِسْحَاقَ الْقُومِسِيُّ، نا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: وأنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، إِجَازَةً، قَالَ: نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " يَضْحَكُ اللَّهُ رَبُّكُمْ حَتَّى بَدَتْ لَهَاتُهُ وَأَضْرَاسُهُ "، قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَهَوَاتُهُ وَأَضْرَاسُهُ
٢٠٤ - وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الصِّفَاتِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: نا رَوْحٌ، قَالَ: نا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا سُئِلَ عَنِ الْوُرُودِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: " فَيَقُولُ اللَّهُ، ﷿: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ " قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: " حَتَّى تَبْدُوَ لَهَاتُهُ وَأَضْرَاسُهُ "
٢٠٥ - نا أَبُو القسم بإسناده عن امرأة من الأنصار يقال لها أسماء ابنة يزيد بن السكن، أن رسول الله، ﷺ، قَالَ لأم سعد: " ألا يرقأ دمعك، ويذهب حزنك بأن ابنك أول من ضحك الله، ﷿، له واهتز له العرش "
[ ١ / ٢١٤ ]
٢٠٦ - وروى نعيم بن همار، قَالَ: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فقال: أي الشهداء أفضل؟ قَالَ: الذين يقاتلون فِي الصف ولا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك يتلبطون فِي العلى فِي الجنة، يضحك إليهم ربك، وإذا ضحك إلى عبد فِي موطن فلا حساب عليه "
٢٠٧ - وروى أَبُو بكر أَحْمَد بن إسحاق الصبغي فِي كتابه المسمى بالأسماء والصفات، فيما ذكره ابن فورك، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي، ﷺ، قَالَ: " إني لأعلم آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولا، يقال له: أدخل الجنة، فيأتيها فيرى أنها قد ملئت فيرجع فيقول: يا رب قد امتلأت، فيقال: ارجع ثلاث مرات، ثم يقال له: لك الدنيا ولك عشرة أمثالها، فيقول: أتضحك بي
[ ١ / ٢١٥ ]
وأنت الملك "
٢٠٨ - وعن طلحة بن البراء، أن رسول الله، ﷺ، لما أخبر بموت طلحة رفع رأسه إلى السماء، ثم قَالَ: " اللهم القه وهو يضحك وأنت تضحك إليه "
[ ١ / ٢١٦ ]
٢٠٩ - وعن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ، قَالَ: " يضرب الصراط بين ظهراني جهنم " وذكر الحديث، وَقَالَ فيه: " فيقول: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك ألم تعطني عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير ما أعطيتك؟ فيقول: أي رب لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك الرب منه، فإذا ضحك الله منه قَالَ له: أدخل الجنة
٢١٠ - " وأخرج أَبُو علي الحسن بن علي بن المذهب من مسند أَحْمَد بإسناده، عن ابن عباس، أن رسول الله، ﷺ، أردفه عَلَى دابته، فلما استوى عليها كبر رسول الله، ﷺ، ثلاثا وحمد الله ثلاثا وسبح الله ثلاثا، فقال: " ما من امرئ يركب دابته فيصنع كما صنعت إلا أقبل الله، ﷿، يضحك إليه كما ضحكت إليك ".
أعلم أنه غير ممتنع حمل هَذِهِ الأحاديث عَلَى ظاهرها من غير تأويل، وقد نص أَحْمَد عَلَى ذَلِكَ فِي رواية الجماعة.
٢١١ - قَالَ فِي رواية حنبل: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذَلِكَ إلا بتصديقها الرسول، ﷺ القرآن
٢١٢ - وَقَالَ المروذي: سألت أَبَا عبد الله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق، وقد كتبت عنه من الرقايق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل
[ ١ / ٢١٧ ]
الزرع الضحك، وهذا كلام الجهمية، قلت: ما تقول فِي حديث ابن جريج، عن أَبِي الزبير، عن جابر " فضحك حتى بدت "، قَالَ: هَذَا يشنع به، قلت: فقد حدثت به، قَالَ: ما أعلم أني حدثت به إلا مُحَمَّد بن داود يعني المصيصي وذلك أنه طلب إلي فيه، قلت: أفليس العلماء تلقته بالقبول؟ قَالَ: بلى
٢١٣ - قال أَبُو بكر الخلال: رأيت فِي كتاب لهرون المستملي أنه قَالَ لأبي عبد الله: حديث جابر بن عبد الله " ضحك ربنا حتى بدت لهواته أو قَالَ أضراسه " ممن سمعته؟ قَالَ: نا روح، قَالَ رسول الله، ﷺ: " يضحك حتى بدت لهواته أو قَالَ أضراسه".
فقد نص عَلَى صحة هَذِهِ الأحاديث والأخذ بظاهرها والإنكار عَلَى من فسرها، وذلك أنه ليس فِي حمله عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما نستحقه، لأنا لا نثبت ضحكا هو فتح الفم وتكشير شفتين وأسنان، ولا نثبت أضراسا ولهوات هي جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذَلِكَ صفة كما أثبتنا الوجه واليدين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناه، ولا يجب أن نستوحش من إطلاق هَذَا اللفظ إذا ورد به سمع، كما لا نستوحش من إطلاق ذَلِكَ فِي غيره من الصفات.
فإن قيل: هَذَا محمول عَلَى إظهار فضله ونعمه بالإثابة: للرجلين المقتولين فِي سبيل الله، كأنه بين ثوابهما وأظهر من كرامته لهما، وكذلك قوله: " ضحكت لضحك ربي " أي لإظهار فضله وكرامته، لأن الضحك فِي اللغة هو الإظهار من قولهم: ضحكت الأرض بالنبات، إذا ظهر فيها النبات وانفتق عن زهره، وكذلك قالت العرب لطلع النخل إذا تفتق عنه فيقولون: ضحكت الطلعة، إذا
[ ١ / ٢١٨ ]
ظهر منها ما كان مستترا، وكذلك قول القائل: يضاحك الشمس منها كوكب شرق، وأنشد ابن الأعرابي:
أما ترى الأرض قد أعطت زهرتها … مخضرة فاكتسي بالنور عاريها
وللسماء بكاء فِي جوانبها … وللربيع ابتسام فِي نواحيها
يريد بالابتسام ظهور النبات وطلوع النور عليها، وكذلك قولهم: ضحك المزن بها ثم بكى، يريد بالمزن السحاب وبضحك النور الذي يظهر ببكائه المطر.
قيل: هَذَا غلط، لأنه مظهر بفضله ونعمه مع عدم الأشياء المذكورة فِي الخبر من القتل وعدم الدعاء والصلاة، كما هو بعد ذَلِكَ فلم يصح حمله عَلَى ذَلِكَ، ولأنه إن جاز تأويله عَلَى هَذَا جاز تأويل قوله: " إنكم ترون ربكم " عَلَى معنى ترون بعطفه بكم وثوابه ورحمته.
وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات عَلَى فساد هَذَا التأويل كذلك هاهنا، ولأن الضحك إذا أضيف إلى الذات لم يعقل منه ما قالوه من إظهار الفضل والنعمة، ولهذا إذا قيل: ضحك الأمير، لا يعقل منه ما قالوه، كذلك فِي صفاته سُبْحَانَهُ، ولأن فِي الخبر ما يسقط هَذَا وهو قوله: " يتجلى ضاحكا حتى تبدو أضراسه ولهواته "، وهذه الصفة تختص الذات دون ما ذكروه من النعم والفضل.
[ ١ / ٢١٩ ]
فإن قيل: لا يخلوا إما أن تقولون يضحك فِي وقت دون وقت، أو يستديم الضحك، فإن قلتم يضحك فِي حال دون حال، جعلتم ذاته محلا للحوادث، وإن قلتم يستديم ذَلِكَ أضفتم صفة منكرة، لأنه يقال لمن كثر ضحكه: فلان ضحكة هزأة.
قيل: نقول فيه ما تقولون فِي الغضب والرضا والكراهة، مع جواز هَذَا التقسيم، وعلى أنه لا يمتنع أن يكون صفة ذات يظهرها فِي وقت، كما يظهر ذاته فِي وقت دون وقت، ولا يفضي ذَلِكَ إلى ما قالوه لأن من كثر ضحكه سمي ضحكة إذا كان ضحكه من الأشر والبطر، وهذا مستحيل فِي صفاته سُبْحَانَهُ.
فأما قوله: " لن نعدم من رب يضحك خيرا " فذلك لأن الضحك يدل عَلَى الرضا، والرضا يدل عَلَى العفو والمغفرة، وقد ذكر ابن قتيبة هَذَا التأويل فِي كتاب اللفظ وأجاب عنه بأنه إن كان فِي الضحك الذي فروا منه تشبيه بالإنسان، فإن فِي هَذَا تشبيها بهذه المعاني
[ ١ / ٢٢٠ ]
حديث آخر
٢١٤ - ناه أَبُو الْقَاسِمِ، قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى الْمُقْرِئُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: نا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْمَلائِكَةَ مِنْ نُورِ الذِّرَاعَيْنِ وَالصَّدْرِ ".
وناه مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ بِهَذَا اللَّفْظِ.
أعلم أن الكلام فِي هَذَا الخبر فِي فصلين: أحدهما: فِي إثبات الذراعين والصدر، والثاني: فِي خلق الملائكة من نوره أما الفصل الأول: فإنه غير ممتنع حمل الخبر عَلَى ظاهره فِي إثبات الذراعين
[ ١ / ٢٢١ ]
والصدر إذ ليس فِي ذَلِكَ ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نثبت ذراعين وصدرا هي جوارح وأبعاض، بل نثبت ذَلِكَ صفة كما أثبتنا اليدين والوجه والعين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناه.
فإن قيل: عبد الله بن عمرو لم يرفعه إلى النبي، ﷺ، وإنما هو موقوف عليه فلا يلزم الأخذ به.
قيل: إثبات الصفات لا يؤخذ إلا توقيفا لأن لا مجال للعقل والقياس فيها، فإذا روي عن بعض الصحابة فيه قول علم أنهم قالوه توقيفا.
فإن قيل: فقد قيل إن عبد الله بن عمرو وسقين يوم اليرموك، وكان فيها من كتب الأوائل مثل دانيال وغيره، فكانوا يقولون له إذا حدثهم: حَدَّثَنَا ما سمعت من رسول الله، ﷺ، ولا تحدثنا من وسقيك يوم اليرموك، فيحتمل أن يكون هَذَا القول من جملة تِلْكَ الكتب فلا يجب قبوله، وكذلك كان وهب بن منبه يَقُول: إنما ضل من ضل بالتأويل، ويرون فِي كتب دانيال أنه لما علا إلى السماء السابعة فانتهوا إلى العرش رأى شخصا ذا وفرة فتأول أهل التشبيه عَلَى أن ذَلِكَ ربهم وإنما ذَلِكَ إبراهيم.
قيل: هَذَا غلط لوجوه: أحدهما أنه لا يجوز أن يظن به ذَلِكَ لأن فيه إلباس فِي شرعنا، وهو أنه يروي لهم ما يظنوه شرعا لنا، ويكون شرعا لغيرنا، ويجب أن ننزه الصحابة عن ذَلِكَ.
والثاني: إن شرعنا وشرع غيرنا سواء فِي الصفات، لأن صفاته لا تختلف باختلاف الشرائع.
فإن قيل: يحتمل أن يكون ذَلِكَ صدرا وذراعين لبعض خلقه لأنه ذكر الذراعين والصدر مطلقا، وقد وجد فِي النجوم ما يسمى ذراعين وصدرا، وتكون الفائدة فِي ذَلِكَ التنبيه عَلَى ما فِي قدرته من المخلوقين وإنشاء المخترعات
[ ١ / ٢٢٢ ]
قيل: هَذَا غلط لأنه ذكر الذراعين والصدر بالألف واللام، والألف واللام يدخلان للعهد أو للجنس وليس يمكن حمله عَلَى الجنس لأنه يقتضي كل ذراع وكل صدر، وليس هاهنا معهود من الخلق يشار إليه فلم يبق إلا أن يحمل عليه سُبْحَانَهُ، لأنه أعرف المعارف، يبين صحة هَذَا أنه لما أراد تخصيص بعض الملائكة بفضيلة أو حكم عرفه باسمه نحو قوله تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ وقوله تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ ونحو ذَلِكَ، ولأن حمله عَلَى بعض خلقه يسقط فائدة التخصيص بالملائكة فلما خص الملائكة بالذكر، علم أنه قصد تشريفهم وإذا حمل عَلَى بعض خلقه لم يكن لهم مزية.
وأما الفصل الثاني: وهو خلق الملائكة من نوره فليس عَلَى ظاهره، ومعناه خلقها بنوره تشريفا لهم كما خلق آدم بيده تشريفا له عَلَى غيره من خلقه، وإنما لم يجز حمله عَلَى ظاهره، لأن ذَلِكَ يحيل صفاته ويخرجها عما تستحقه، لأن نور ذاته قديم والقديم لا يتبعض فيكون بعضه مخلوقا كسائر صفاته، وهذا ظاهر كلام أَحْمَد، وذلك أنه قَالَ فِي قوله تَعَالَى: وَرُوحٌ مِنْهُ سورة النساء آية يَقُول: من أمره، وتفسيره " روح الله " أنها روح الله خلقها كما يقال: سماء الله وأرض الله، فلم يحمل الكلام عَلَى ظاهره فِي الروح بل تأوله لأن فِي حمله عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته كذلك هاهنا
[ ١ / ٢٢٣ ]
حديث آخر
٢١٥ - ناه أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ، أنه قَالَ: " إن الله، ﷿، يَقُول: ابن آدم مرضت فلم تعدني، قَالَ: يا رب كيف وأنت رب العالمين قَالَ: مرض عبدي فلو عدته لوجدتني عنده " وفي لفظ آخر: " يَقُول الله، ﷿: استطعمتك فلم تطعمني، قَالَ: فيقول: يا رب كيف استطعمتني فلم أطعمك وأنت رب العالمين؟ قَالَ: فيقوله: أما علمت أن عبدي فلانا أستطعمك فلم تطعمه، أما علمت لو كنت أطعمته لوجدت ذَلِكَ عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قَالَ: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أنك لو كنت أسقيته لوجدت ذَلِكَ عندي "
٢١٦ - وفي لفظ آخر: " استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني ولم ينبغي أن يشتمني، قَالَ يَقُول: وادهراه وأنا الدهر ".
أعلم أن هَذَا الخبر قد اقترن به تفسير من النبي، ﷺ، فِي بعضه، فوجب الرجوع إلى تفسيره، وذلك أن فسر قوله: مرضت واستطعمت واستسقيت، عَلَى أنه إشارة إلى مرض وليه واستسقائه واستطعامه، وأضاف ذَلِكَ إلى نفسه إكراما لوليه ورفعة لقدره، وهذه طريقة معتادة فِي الخطاب يخبر السيد عن نفسه ويريد عبده إكراما له وتعظيما، وعلى هَذَا يحمل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، معناه: أولياء الله ورسله، وكذلك قوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي آسفوا أولياءنا والناصرين لديننا، لاستحالة أن يؤذي الله ويحارب
[ ١ / ٢٢٤ ]
وأما قوله: " لو عدته لوجدتني عنده " معناه وجدت رحمتي وفضلي وثوابي وكرامتي فِي عيادتك له
٢١٧ - يبين صحة هَذَا ما حَدَّثَنَاهُ أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ: " أنا عند ظن عبدي، وأنا معه، إن تقرب إلي ذراعا تقرب الله إليه باعا، ومن جاء يمشي أقبل الله إليه بالخير يهرول " فبين فِي هَذَا الحديث أن قربه من عبده بالثواب، كذلك هاهنا، وعلى هَذَا يتأول قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ معناه وجد عقابه وحسابه.
٢١٨ - وقد فسر أَحْمَد قوله لموسى، ﵇: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ يَقُول:
[ ١ / ٢٢٥ ]
فِي الدفع عنكما، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فِي الدفع، وقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ سورة البقرة آية فِي النصر لهم عَلَى عدوهم، وقوله تَعَالَى: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ سورة الشعراء آية يَقُول: فِي العون عَلَى فرعون.
[ ١ / ٢٢٦ ]
حديث آخر
٢١٩ - ناه أَبُو القسم بإسناده، عن عبد الله بن عمر، أن أتاه رجل فقال: كيف سمعت رسول الله، ﷺ، يَقُول فِي النجوى؟ قَالَ: سمعت رسول الله، ﷺ، يَقُول: " يؤتى بالمؤمن يوم القيامة فيدنيه الله تَعَالَى منه فيضع كنفه عليه حتى يستره من الناس فيقول: عبدي أتعرف ذنب كذا وكذا أتعرف كذا وكذا مرتين، فيقول: نعم حتى إذا قرره بذنوبه كلها، ورأى نفسه أنه قد هلك، قَالَ: فإني قد سترتها عليك فِي الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم " وقد ذكره البخاري ومسلم فِي الصحيحين.
أعلم أن الكلام فِي هَذَا الخبر فِي فصلين: أحدهما فِي الدنو، والثاني فِي وضع كنفه عليه.
فأما قوله: " يدني عبده " فغير ممتنع حمله عَلَى ظاهره، وأنه دنو من ذاته
٢٢٠ - وقد أخذ أَحْمَد بظاهره فِي رواية أَبِي الحرث، وقد سأله ما معنى قول النبي، ﷺ: " إن الله يدني العبد يوم القيامة فيضع عليه كنفه " كما قَالَ ونقول به.
فقد نص أَحْمَد عَلَى الأخذ بظاهره من غير تأويل، وإنما قَالَ ذَلِكَ لأنه ليس فِي حمله عَلَى ذَلِكَ ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نصفه بالإنتقال من مكان إلى مكان، وعلى هَذَا يحمل قوله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ وأن المراد بالدنو دنوه من الذات.
فإن قيل: فِي حمله عَلَى ذَلِكَ ما يفضي إلى إحالة صفاته وإخراجها عما تستحقه، لأنه تستحيل المساحة والمسافة وبعد المكان والنهاية عليه سُبْحَانَهُ
[ ١ / ٢٢٧ ]
قيل: هَذَا غلط لما بينا، وهو أنا لا نصفه بالإنتقال من مكان إلى مكان، حتى يجيء منه ما ذكرت، وإنما تِلْكَ صفة راجعة إلى العبد، ولأن هَذَا لا يقتضي كونه فِي مكان، كما أن إثباته مستويا عَلَى العرش لم يوجب كونه فِي مكان، وكذلك رؤيته سُبْحَانَهُ لا توجب كونه فِي مكان، كذلك الدنو منه لا يوجب كونه عَلَى مسافة.
فإن قيل: فيجب حمله عَلَى أنه يقربه من رحمته وأمانه وتعطفه ولطفه، وهذا شائع فِي اللغة، لأنه يقال: فلان قريب من فلان، والمراد به المنزلة وعلو الدرجة.
قيل: هَذَا غلط لوجهين: أحدهما: أنه راحم له ومتعطف عليه وآمن له، مع عدم الدنو كما هو بعد الدنو، فلا يصح حمله عَلَى ما لا يفيد.
والثاني: إن جاز هَذَا، جاز لقائل أن يَقُول فِي قوله: " ترون ربكم " معناه تعطفه ورحمته وثوابه.
الفصل الثاني: قوله: " يضع عليه كنفه حتى يستره من الناس " فلا نعلم معنى الكنف ما هو فنمر الخبر عَلَى ظاهره.
فإن قيل: يحمل ذَلِكَ عَلَى القرب من المنزلة والدرجة، لأنه يقال: أنا فِي كنف فلان، وفلان فِي كنفي يريد به تعطفه وتوفره
[ ١ / ٢٢٨ ]
قيل: هَذَا غلط لما تقدم، وهو أنه متعطف متوفر عليه قبل ذَلِكَ، ولأن هَذَا يوجب تأويل حديث الرؤية عَلَى ذَلِكَ.
فأما قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ فالمراد به علمه، لأنه قد تقدم ذكر العلم فِي أول الآية بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ فوجب حمل ذَلِكَ عَلَى العلم
[ ١ / ٢٢٩ ]
٢٢١ - وقد قَالَ أَحْمَد فِي قوله تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ هي علمه لأنه افتتح الآية بالعلم فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ وختمه بالعلم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وأما قوله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ فظاهره يقتضي دنوا من الذات لأن القصد بذلك كرامته
٢٢٢ - وقد روى ابن بطة بإسناده، عن ابن عباس فِي قوله: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾، قَالَ: مقدار قوسين
٢٢٣ - وحكى أَبُو بكر الخلال، عن عبد الله، حَدَّثَنِي هناد بن السري، قَالَ: نا أَبُو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن ميسرة فِي قوله تَعَالَى لموسى، ﵇: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، قَالَ: أدني حتى سمع صريف القلم فِي الألواح
[ ١ / ٢٣٠ ]
٢٢٤ - قَالَ أَبُو بكر عبد العزيز فِي تعاليق أَبِي إسحاق عنه قوله: حتى سمع صرير القلم عَلَى النون والراء وما أشبهه، قَالَ: ومن روى صريف القلم يَقُول عَلَى الكاف وما أشبه ذَلِكَ، لأن صريفه فِي رجوعه إلى وراء وصريره فِي مجيئه إلى بين يديه.
وأما قوله: " من قرب شبرا قربت منه ذراعا " فالمراد به التقريب من رحمته وكرامته، لأنه روى ذَلِكَ مفسرا فِي بعض ألفاظ الحديث، رواه أَبُو هُرَيْرَةَ عن النبي، ﷺ، قَالَ: " من جاء يمشي أقبل الله إليه بالخير يهرول " فقد ورد التفسير من النبي، ﷺ، فِي ذَلِكَ، فلهذا قضينا بالمطلق منه عَلَى القيد، والكلام عَلَى هَذَا الخبر يأتي مستوفى.
[ ١ / ٢٣١ ]