حديث آخر
٢٣٥ - رواه أَبُو عبد الله بن بطة بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ، قَالَ: " عجب الله، ﷿، من قوم جيء بهم فِي السلاسل حتى يدخلهم الجنة "
٢٣٦ - ورواه بإسناده، عن ابن مسعود، قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ: " عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته، طلب ما عندي، ورجل غزا فِي سبيل الله فانهزم أصحابه، فعلم ما عليه فِي الانهزام، وماله فِي الرجوع، فرجع حتى هريق دمه، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي، وشفقة من عذابي، حتى هريق دمه "
[ ١ / ٢٤٤ ]
٢٣٧ - ومن ذَلِكَ قول النبي، ﷺ: " عجب ربك من شاب ليست له صبوة ".
أعلم أن الكلام فِي هَذَا الحديث، كالكلام فِي الذي قبله، وأنه لا يمتنع إطلاق ذَلِكَ عليه، وحمله عَلَى ظاهره إذ ليس فِي ذَلِكَ ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نثبت عجبا هو تعظيم لأمر دهمة استعظمه لم يكن عالما به، لأنه مما لا يليق بصفاته، بل نثبت ذَلِكَ صفة كما أثبتنا غيرها من صفاته
[ ١ / ٢٤٥ ]
فإن قيل: المراد به تعظيم ذَلِكَ وتكثيره عند أهله حثا عَلَى فعلها، وترغيبا فِي المبادرة إليها، ويحتمل أن يكون المراد به الرضا له والقبول، لأن من أعجبه الشيء فقد رضيه، ولا يصح أن يعجب مما يسخطه ويكرهه.
٢٣٨ - وقد أومئ أَبُو عبد الله بن بطة إلى هَذَا فِي كتاب الإبانة، فقال: التعجب عَلَى ضربين: أحدهما المحبة بتعظيم قدر الطاعة، والسخط بتعظيم قدر الذنب، ومن ذَلِكَ قول النبي، ﷺ: " عجب ربك من شاب ليست له صبوة " أي: أن الله محب له راض عنه، والتعجب عَلَى معنى الاستنكار للشيء ويتعالى عن ذَلِكَ، لأن الإستنكار هو الجاهل الذي لا يعرف فلما عرفه استنكره وعجب منه.
قيل: الطريق الصحيح ما ذكرناه من حمله عَلَى ظاهره، وهو الأشبه بأصول أَحْمَد فِي نظائره من الأخبار لما بينا، وهو أنه ليس فِي ذَلِكَ ما يحيل صفاته، وما ذكروه من التأويل لا يصح، لأن الله تَعَالَى راض بذلك قبل وجود هَذِهِ الأفعال منهم، ومعظم لها قبل وجودها، فرضاه وتعظيمه لا يختص ما ذكر فِي الأخبار، فلم يصح حملها عليه، لأنه حمل عَلَى ما لا يفيد.
فأما قوله: " يقادون إلى الجنة بالسلاسل " فقيل فيه: أنه يكرهون الطاعة التي يصلون بها إلى الجنة، من حيث تخالف أهوائهم وشهواتهم، وتكرهها نفوسهم من حيث تشقق عليهم، وتصدهم عن الراحات واللذات فِي الحال، لكنها سائقة لهم إلى الجنة، وهي دار الراحات.
٢٣٩ - وقد قَالَ أَحْمَد فِي رواية الفضل بن زياد: وقد سأله عن قول النبي، ﷺ: " عجب ربكم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل "، قَالَ: هو هَذَا السبي الذين
[ ١ / ٢٤٦ ]
يسبون فيدخلون فِي الإسلام، ونحو ذَلِكَ نقل أَبُو الحرث
٢٤٠ - فأما قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ فقد روي عن ابن مسعود كان يقرأ بضم التاء، وروي عن شريح إنكار هَذِهِ القراءة، فإن
[ ١ / ٢٤٧ ]
كانت صحيحة لم يمتنع حملها عَلَى ظاهرها، وأن ذَلِكَ صفة لله تَعَالَى، عَلَى ما ذكرنا فِي ظاهر الخبر.
فإن قيل: هَذَا خرج عَلَى طريق المجازاة عَلَى عجبهم، لما أخبر عنهم أنهم عجبوا من الحق لما جاءهم وقالوا: هَذَا شيء عجاب، وهذا شيء عجيب كما قاله القائل:
فنجهل فوق جهل الجاهلينا.
وكما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فسمى الثاني باسمها.
قيل: إنما يكون هَذَا عَلَى طريق المجازاة إذا تقدم العجب منهم ولم يجر له ذكره فِي هَذِهِ السورة، وإنما جرى ذكره فِي سورة ص، فلا يخرج هَذَا مخرج المجازاة، ألا ترى أن المواضع التي استشهدوا بها تقدم ذكر ذَلِكَ، من جهتهم فخرج الإنكار من الله تَعَالَى عَلَى طريق المجازاة.
فإن قيل: المراد به النبي، ﷺ، فأخبر عن نفسه، والمراد به النبي، ﷺ، كما قَالَ: " مرضت فلم تعدني "، وكما قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ معناه: أولياءه.
قيل: هناك قد دل الدليل عَلَى أن هناك مضمر محذوف، وليس هاهنا ما دل عَلَى ذَلِكَ، فوجب التمسك بحقيقة اللفظ وهو الإضافة إلى نفسه، وعلى أن فِي الآية ما يدل عَلَى أن ذَلِكَ راجع إليه سُبْحَانَهُ لأنه عطفه عَلَى نفسه بقوله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾
[ ١ / ٢٤٨ ]
وهذا كله راجع إليه سُبْحَانَهُ، ثم عطفه، فقال: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ فكان ذَلِكَ راجعا إليه.
حديث آخر
٢٤١ - ناه أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي بن كعب، قَالَ: " لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن جل اسمه " وفي لفظ آخر: " فإنها من نفس الله جل اسمه، فإذا رأيتموها فقولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بالله من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به "
٢٤٢ - وروى ابن بطة فِي بعض مكاتباته إلى بعض أصدقائه جواب مسائل سأله عنها بإسناده، عن جابر، قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ: " إذا رأيتم الريح فلا تسبوها، فإنها من نفس الرحمن، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فسلوا الله من خيرها
[ ١ / ٢٤٩ ]
واستعيذوا بالله من شرها ".
أعلم أن شيخنا أَبَا عبد الله ذكر هَذَا الحديث فِي كتابه، وامتنع أن يكون عَلَى ظاهره فِي أن الريح صفة ترجع إلى الذات، والأمر عَلَى ما قاله، ويكون معناه أن الرحي مما يفرج الله، ﷿، بها عن المكروب والمغموم، فيكون معنى النفس معنى التنفيس، وذلك معروف فِي قولهم: نفست عن فلان، أي فرجت عنه، وكلمت زيدا فِي التنفيس عن غريمة، ويقال: نفس الله عن فلان كربة أي: فرج عنه، وروي فِي الخبر: " من نفس عن مكروب كربة نفس الله عنه كربة يوم القيامة " وروى فِي الخبر أن الله فرج عن نبيه بالريح يوم الأحزاب فقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾.
وإنما وجب حمل هَذَا الخبر عَلَى هَذَا، ولم يوجب تأويل غيره من الأخبار لأنه قد روي فِي الخبر ما يدل عَلَى ذَلِكَ، وذلك أنه قَالَ: " فإذا رأيتموها فقولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به " وهذا يقتضي أن فيها شر وأنها مرسلة، وهذه صفات المحدثات.
٢٤٣ - ونا أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ: " إن الريح من روح الله يبعثها بالرحمة ويبعثها بالعذاب فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، وعوذوا بالله من شرها "
[ ١ / ٢٥٠ ]
وقوله: " فإنها من روح الله " يدل عَلَى صحة التأويل، وأنه يروح بها عن المكروب.
وقوله: " يبعثها بالرحمة وبالعذاب " صريح فِي أنها مخلوقة مأمورة بالرحمة تارة وبالعذاب أخرى، وهذا دليل عَلَى صحة التأويل
[ ١ / ٢٥١ ]
حديث آخر فِي هَذَا المعنى
٢٤٤ - من حديث أَبِي الحسين وأبي القسم بن بشران، عن دعلج، عن ابن خزيمة بإسناده، عن النبي، ﷺ، قَالَ وهو مول ظهره إلى اليمن: " إني أجد نفس الرحمن فِي هاهنا "
٢٤٥ - وروى ابن بطة فِي مكاتبته إلى بعض أصدقائه بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ، أنه قَالَ: " الإيمان يمان والحكمة يمانية، وأجد نفس ربكم من قبل اليمن " ومعناه ما تقدم فِي الحديث الذي قبله، وهو أني أجد تفريج الله عني
[ ١ / ٢٥٢ ]
وتنفيسه عن كربي بنصرته إياي من قبل أهل اليمن، وذلك لما نصره المهاجرون والأنصار نفس الله عن نبيه ما كان فيه من أذى المشركين، وقتلهم الله عَلَى أيدي المهاجرين من أهل اليمن والأنصار، وكان، ﷺ، كثيرا ما كان يمدح أهل اليمن، فروي عنه أنه قَالَ: " الإيمان يمان والحكمة يمانية " وإنما وجب حمله عَلَى ذَلِكَ لما تقدم فِي الحديث الذي قبله، وأن فيه ما دل عَلَى أن النفس مخلوقة، لأنه أضافه إلى الريح، والريح مخلوقة من جهة أنها مأمورة بالرحمة والعذاب، فوجب حمل هَذَا المطلق عَلَى ذَلِكَ.
٢٤٦ - ورأيت فِي بعض مكاتبات ابن بطة إلى بعض أصدقائه، وقد ذكر هذين الخبرين حديث جابر: " إذا رأيتم الريح فلا تسبوها "، وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ: " أجد نفس ربكم " وحكى كلام ابن قتيبة فِي ذَلِكَ فقال: أنت فِي نفس من أمرك أي فِي سعة، وقوله: " من نفس الرحمن " معناه أنها يفرج بها الكرب ويذهب بها الجدب، يقال: اللهم نفس عني أي: فرج عني، وذكر كلاما طويلا.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ثم قَالَ ابن بطة بعده: ومما يشهد لصحة هَذَا التأويل، وأن الريح من نفس ربكم إنما أراد بالنفس: الفرج والروح، ما سمعت أَبَا بكر بن الأنباري يَقُول: إنما سميت الريح ريحا لأن الغالب عليها فِي هبوبها المجيء بالروح والراحة، وانقطاع هبوبها يكسب الكرب والغم والأذى، فهي مأخوذة من الروح وأصلها روح فصارت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
ثم قَالَ: فهذا ما قاله أهل العلم بتأويل الكتاب والسنة وكلام العرب فِي تأويل الريح، ومعنى النفس بها، وفي كتاب الله تَعَالَى ما دل علي أنها بمعنى الفرج من الغم، والنفس من الكرب، أن الغم والضيق يكونان بركودها، قوله جل وعز: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾
٢٤٧ - وفي معنى ذَلِكَ حديث آخر رواه ابن فورك، ولم يقع لي طريقه أنه قَالَ: " هَذَا نفس ربي أجده بين كتفي أتتكم الساعة " معناه: هَذَا فرج الله عني صرف به غمومي وهمومي وكشف عن قلبي وسري عن فؤادي ما كان يجده، ﷺ، فِي مستقبل أوقاته، من زوائد روح اليقين والألطاف، فسمى ذَلِكَ نفس الرب، لأنه هو الذي نفس به عنه، والإضافة عَلَى طريق الملك، والموجب لحمله عَلَى ذَلِكَ ما تقدم فِي الخبر الأول، وقد بينا أن فيه ما دل عليه.
[ ١ / ٢٥٤ ]