حديث آخر
٣٢٤ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " إن العبد إِذَا قام فِي الصلاة فإنه بين عيني الرَّحْمَنِ جل اسمه، فإذا التفت قَالَ لَهُ الرب جل اسمه: يَا ابن آدم إِلَى من تلتفت؟ إِلَى خير لك مني أقبل إلي أنا خير لك ممن تلتفت إِلَيْهِ "
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع حمل الخبر عَلَى ظاهره فِي إثبات عينين هما صفتان زائدتان عَلَى البصر والرؤية، ليستا بجارحتين، والوجه فِي ذلك أن اللَّه تَعَالَى وصف نفسه بذلك بقوله تَعَالَى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ وَقَالَ: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
وقول النبي ﷺ: " الدجال أعور وإن ربكم ليس بأعور "
[ ٢ / ٣٤٧ ]
٣٢٦ - وروي: " أن ملكا كان فِي بني إسرائيل ففرشت لَهُ النساء فجعل يمشي عَلَى صدورهن، فبينما هُوَ عَلَى صدر امرأة منهن إذ رفعت رأسها إِلَى السماء فقالت: اللهم إن هَذَا بعينك، فَقَالَ اللَّه تَعَالَى: علي تمرد يَا أرض خذيه، قَالَ: فخسفت به الأرض والناس ينظرون "
٣٢٧ - وَرَوَى عبد اللَّه فِي كتاب السنة بِإِسْنَادِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ قَالَ: بعين اللَّه ﷿
[ ٢ / ٣٤٨ ]
فإن قِيلَ: قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أي: بمرأى مني وبمشهد مني، وقيل فِيهِ: بحفظي وكلائتي، وكذلك قوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بحفظنا وكلائتنا.
وقيل: بمرآى ومشاهدة منا، وكذلك قوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ وكذلك قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾.
وقيل: المراد به أعين الماء الَّتِي أخرجها من الأرض، وكذلك قول النبي ﷺ فِي المصلي: " بين عيني الرَّحْمَنِ " أي: بحفظه وكلائته، ومعناه: أن اللَّه حافظ للمصلي، أَلا ترى أَنَّهُ قَالَ: أنا خير لك ممن تلتفت إِلَيْهِ.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّ اللَّه تَعَالَى كان رائيا لَهُ ومشاهدا لَهُ قبل جريان الفلك، وقبل طرحه فِي اليم، وكذلك كان حافظا وكالئا قبل وجود الجريان وطرحه فِي اليم بقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ فتبين أن كلائته لنا بالليل والنهار
[ ٢ / ٣٥٠ ]
حديث آخر
٣٢٨ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن ابن عمر، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رأى نخامة فِي قبلة المسجد وَهُوَ يصلي، فلما أنصرف أخذ عودا فأتاها فحكها، ثُمَّ قَالَ: " يَا أيها الناس إن أحدكم إِذَا كان فِي صلاته فإنه يواجه ربه جل اسمه، فلا يتنخمن أحد فِي قبلته وَلا عَن يمينه "
٣٢٩ - وَفِي لفظ آخر: رَوَاهُ أنس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إن العبد إِذَا قام يصلي فإنما يناجي ربه جل اسمه فيما بينه وبين القبلة "
٣٣٠ - وَفِي لفظ آخر: رَوَاهُ ابن عمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " إن أحدكم إِذَا صلى فإن اللَّه قبل وجهه ".
وفي لفظ أخر: " إن اللَّه قبل وجه أحدكم إِذَا كان فِي الصلاة "
[ ٢ / ٣٥١ ]
٣٣١ - وَفِي حديث آخر: رَوَاهُ أَبُو ذر قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " لا يزال اللَّه جل اسمه مقبلا عَلَى العبد مَا لَمْ يلتفت، فإذا التفت انصرف عَنْهُ ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَ: " إِذَا لينصرف وجهه عَنْهُ " وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَ: " إِذَا التفت أعرض عَنْهُ ".
اعلم أن الكلام فِي فصلين:
أحدهما: قوله: " إن اللَّه قبل وجهه ومواجهه ".
والثاني: فِي الإعراض.
أما الأول فغير ممتنع حمله عَلَى ظاهره، إذ ليس فِي ذلك مَا يحيل صفاته، لأَنَّ ذلك لا يوجب الجهة فِي حقه، كَمَا لَمْ يوجب الجهة فِي القول بجواز رؤيته فِي الآخرة،
[ ٢ / ٣٥٢ ]
وإن كنا نعلم فِي الشاهد أن المرئي لا يكون إِلا فِي جهة كذلك ها هنا، وَفِي هَذَا إسقاط لقولهم أن وصفه بذلك يفضي إِلَى الجهة والمحاذاة والمقابلة، لأَنَّهُ لا يفضي إِلَى ذلك، كَمَا لَمْ يفض هَذَا القول إِلَى القول بجواز رؤيته، وَفِي القول بالإستواء عَلَى العرش.
فإن قِيلَ: معناه ثواب اللَّه ينزل عَلَى هَذَا المصلي قبل وجهه وكرامته، ومثله قول النبي ﷺ: " يجيء القرآن بين يدي صاحبه يوم القيامة "
[ ٢ / ٣٥٣ ]
أي: يجيء ثوابه، ويحتمل أَنْ يَكُونَ ذلك عَلَى مَعْنَى الترغيب فِي إدمان الخشوع وإحضار القلب حين يشغله ذلك عَن غيره.
قيل: هَذَا غلط لأَنَّ ثواب اللَّه تَعَالَى وكرامته لا تختص بالمصلي، وَلا يختص تلقاء وجهه، لأنها عامة قبل الصلاة وبعدها، وأمامه ووراه، وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
الفصل الثاني
قوله: " لا يزال اللَّه مقبلا عَلَى عبده مَا لَمْ يلتفت، فإذا التفت أعرض عَنْهُ " فلا يمتنع حمله عَلَى ظاهره، وأن ذاته مقبلة عَلَيْهِ، إذ ليس فِي حمله عَلَى ذلك مَا يحيل صفاته، لأنا لا نثبت إقبال انتقال، وَلا إعراضا بمعنى الانصراف عَن ذلك، كَمَا حملنا تجليه للجبل عَلَى ظاهره، ولم يوجب ذلك حمله عَلَى انتقال.
فإن قِيلَ: هَذَا محمول عَلَى أَنَّهُ لا يزال خيره مقبلا عَلَيْهِ، كَمَا يقول القائل: إن الأمير أقبل عَلَى فلان وقربه، أي انصرف خيره وثوابه، كَمَا يقال: صرف الأمير وجهه عَن فلان، إِذَا قطع خيره عَنْهُ، ولم يحسن إِلَيْهِ.
ويحتمل أَنْ يَكُونَ معناه: لا يزال توفيق اللَّه للعبد مَا لَمْ يعرض، فإذا أعرض أعرض عَنْهُ، يَعْنِي قطع التوفيق واللطف، وَهُوَ مَعْنَى قوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ معناه: لما صرف اللَّه قلوبهم عَن الخير بقطع التوفيق واللطف، انصرفت قلوبهم عَن الخير.
قيل: هَذَا غلط، لما بينا وَهُوَ أن ثوابه لا يختص بالمصلي، وكذلك قطع الثواب لا يختص بمن التفت فِي صلاته، لأَنَّ غير الملتفت - من الغائب - فِي صلاته يقطع ثوابه، فيجب أن لا يكون لهذا التخصيص فائدة إِلا مَا ذكرنا
[ ٢ / ٣٥٥ ]
حديث آخر
٣٣٢ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثلاثة لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة: الإمام الكذاب، والشيخ الزاني، والعائل المزهي "
٣٣٣ - وَفِي حديث آخر: عَن أسامة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثلاثة لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة: عاقا لوالديه، ومدمنا خمرا، ومنانا بما أعطى "
[ ٢ / ٣٥٦ ]
٣٣٤ - وَفِي حديث آخر: عَن ابن عمر، قَالَ: سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يقول: " من جر ثوبه من الخيلاء فإن اللَّه لا ينظر إِلَيْهِ يوم القيامة "
[ ٢ / ٣٥٧ ]
٣٣٥ - وَفِي حديث آخر: عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن عمرو قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " لا ينظر اللَّه تَعَالَى إِلَى امرأة لا تعرف حق زوجها، وَلا تستغني عَنْهُ "
٣٣٦ - وَفِي حديث آخر: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " لا ينظر
[ ٢ / ٣٥٨ ]
اللَّه إِلَى رجل أتى رجلا أو امرأة فِي دبرها "
[ ٢ / ٣٥٩ ]
٣٣٧ - وَفِي حديث آخر: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لا ينظر اللَّه إِلَى مسدل "
٣٣٨ - وَفِي حديث آخر: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " إن اللَّه تَعَالَى لا ينظر إِلَى مسبل إزاره "
٣٣٩ - وَفِي حديث آخر: عَن أَبِي أمامة قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " ثلاثة لا ينظر اللَّه ﷿ إليهم يوم القيامة وَلا يزكيهم ولهم عذاب أليم: عاق والديه، ومدمنا خمرا، ومكذبا بقدر اللَّه تَعَالَى "
[ ٢ / ٣٦٠ ]
اعلم أن الكلام فِي هَذَا الخبر مبني عَلَى أصل وَهُوَ أَنَّهُ يجوز أن يوصف اللَّه تَعَالَى بالنظر الَّذِي هُوَ رؤية، كَمَا يجوز وصفه بأنه رأي بصيرة.
وذكر ابن فورك فِي كتاب تأويل الأخبار أَنَّهُ لا يجوز وصفه بأنه ناظر نظرا هُوَ رؤية، قَالَ: " لأَنَّهُ لا يجوز أن يثبت لَهُ صفة إِلا مَا وصف بها نفسه، أو وصفه رسوله ".
ولو تأمل لعلم أن هَذِهِ صفة قد وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ سورة الأعراف آية فوصف نفسه بالنظر
٣٤٠ - وَرَوَى أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إن اللَّه ﷿ لا ينظر إِلَى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إِلَى أعمالكم وقلوبكم " وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم
[ ٢ / ٣٦١ ]
فأخبر أَنَّهُ ناظر إِلَى الأعمال والقلوب
٣٤١ - وَرَوَى أَبُو بكر النجاد بِإِسْنَادِهِ، عَن جابر بْن عبد اللَّه قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " إِذَا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر اللَّه إليهم، ومن نظر إِلَيْهِ لَمْ يعذبه "
[ ٢ / ٣٦٢ ]
٣٤٢ - وَرَوَى أَبُو بكر فِي كتابه الشافي بِإِسْنَادِهِ، عَن واثلة بْن الأسقع قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " إن لله ﷿ فِي كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة ليس لصاحب الشاه فيها نصيب ".
فقد نطق الكتاب والسنة بإثبات هَذِهِ الصفة، وغير ممتنع حمل مَا رَوَاهُ واثلة عَلَى ظاهره، لا عَلَى وجه التكرار، كَمَا جاز وصفه تَعَالَى بأن لَهُ تسعة وتسعين اسما لا عَلَى وجه التحديد، وَكَمَا جاز وصفه بالعلو لا فِي جهة، وكذلك جواز النظر إِلَيْهِ لا فِي جهة، وإن كنا نعلم أن العلو ضد السفل، والنظر لا يصح فِي الشاهد إِلا فِي وجهة، كذلك ها هنا.
وكما جاز وصفه بالذات، وإن كان حقيقة الذات فِي الشاهد هُوَ الجسم المؤلف، وكذلك جاز وصفه بالسمع والبصر والوجه وغير ذلك، وَلا نقول إنها جميعه وَلا بعضه، وإن كانت فِي الشاهد أنها بعض الذات، كذلك لا يمتنع وصفه بالعدد وإن لَمْ يتعدد، وَلا يصح تأويله عَلَى مَا يحدثه فِي كل حال من تغيير الأحوال لوجهين:
أحدهما: أن مَا يحدثه لا يختص بتسعة وتسعين رحمة
والثاني: أن هَذِهِ الأشياء تصدر عَن القدرة لا عَن النظر
فعلم أن المراد بالخبر إثبات صفة ترجع إِلَى النظر الَّذِي هُوَ الرؤية، لا عَلَى وجه
[ ٢ / ٣٦٣ ]
التكرار لاستحالة التكرار فِي صفات ذاته، لأَنَّ تكرارها يفضي إِلَى حدثها
[ ٢ / ٣٦٤ ]
٣٤٣ - وَرَوَى أَبُو بكر أحمد بْن إسحاق الصبغي فِي كتابه المسمى ب الأسماء والصفات فيما حكاه ابن فورك عَنْهُ، عَن عاصم بْن لقيط، أن لقيط بْن عامر خرج وافدا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ومعه صاحبه، قَالَ: فأتينا رَسُول اللَّهِ ﷺ حين انصرف من صلاة الصبح، وَذَكَرَ الحديث، وَقَالَ فِيهِ: " فتخرجون من مصارعكم تنظرون إِلَيْهِ، وينظر إليكم "
٣٤٤ - وَرَوَى ابن المنذر، عَن جابر قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " بينما أهل الجنة فِي نعيمهم، إذ سطع لهم نور من فوق رؤوسهم، فإذا الرب ﷿ قد أشرف عليهم من فوقهم فَقَالَ: السلام يَا أهل الجنة، فذلك قوله تَعَالَى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ قَالَ: فينظر إليهم وينظرون إِلَيْهِ، وَلا يلتفتون إِلَى شيء من النعيم مَا داموا ينظرون إِلَيْهِ "
[ ٢ / ٣٦٥ ]
٣٤٥ - وروي عَن كعب أَنَّهُ قَالَ: " مَا نظر اللَّه إِلَى الجنة قط إِلا قَالَ لَهَا: طيبي لأهلك، قَالَ: فازدادت طيبا إِلَى مَا كانت ".
فإن قِيلَ: تحمل هَذِهِ الأخبار عَلَى التعطف والرحمة، وأن اللَّه يتعطف عليهم فيريهم نفسه ويرحمهم.
قيل: هَذَا غلط لأَنَّهُ إن جاز أن يتأول نظره إِلَى الأشياء عَلَى مَعْنَى التعطف جاز أن تتأول رؤيته وبصره إِلَى الأشياء عَلَى مَعْنَى التعطف والرحمة.
وقد أثبت ابن فورك البصر والرؤية صفة، كذلك النظر ولأنه إِذَا جاز وصفه بالرؤية والبصر إِلَى الأشياء جاز وصفه بالنظر، إذ ليس فِي ذلك مَا يحيل صفاته وَلا يخرجها عما تستحقه.
فأما قوله فِي حديث جابر: " بينا أهل الجنة فِي نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوق رؤوسهم " فلا يمتنع حمله عَلَى ظاهره، وأنه نور ذاته، لأَنَّهُ إِذَا جاز أن يظهر لهم ذاته فيرونها جاز أن يظهر لهم نوره فيرونه، لأَنَّ النور من صفات ذاته، وَمِنْهُ قوله تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾.
وأما قوله: " فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوق رؤوسهم " فلا يمتنع أَيْضًا
[ ٢ / ٣٦٦ ]
حمله عَلَى ظاهره، وأنه إشراف ذاته، لا عَلَى وجه الجهة، كَمَا جاز أن يتجلى للجبل حتى جعله دكا.
فإن قِيلَ: يحمل قوله: " إذ سطع لهم نور " عَلَى مَا يتجدد لهم من كراماته، وإشعارهم بما يزيدهم من معارفه، فعند ذلك يرفعون رؤوسهم، عَلَى مَعْنَى مَا يقال: فلان رفع رأسه، إِذَا ارتفعت حاله عَن انخفاض بما يتجدد لَهُ، وقوله عند ذلك: " أشرف عليهم من فوق رؤوسهم " يَعْنِي: من فوق رجائهم.
قيل: هَذَا غلط، لأنه إن جاز أن يحمل ظهور النور عَلَى كرامته جاز أن يحمل قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ إِلَى كراماته، ولأنه إِذَا جاز أن يوصف أَنَّهُ أشرف عليهم من فوقهم رجائهم جاز أن يوصف من فوق رؤوسهم، لا عَلَى وجه الجهة إذ لا فرق بينهما.
فأما قوله تَعَالَى: ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ معناه لا يتعطف عليهم وَلا يرحمهم، وكذلك قوله ﷺ: " وَلا يَنْظُرُ اللَّه إِلَيْهِمْ " عَلَى هَذَا المعنى، ولهذا يقول القائل: انظر إلي بمعنى تعطف علي وارحمني، وليس المراد به نفي النظر الَّذِي هُوَ الرؤية، لأَنَّهُ تَعَالَى ناظرا رائيا إِلَى جميع الأشياء غير مستترة عَنْهُ
٣٤٦ - وَفِي معناه مَا روي: " إن اللَّه لَمْ ينظر إِلَى الدنيا منذ خلقها " معناه: لَمْ يجل قدرها وَلا قدر من
ركن إِلَيْهَا، لأَنَّهُ خلقها للفناء والزوال وحث عَلَى الزهد فيها وترك الاشتغال بها، وَمِنْهُ قولهم: مَا نظر فلان إِلَى فلان إِذَا أراد أَنَّهُ يعتد به.
وأما قوله: " إن اللَّه لا ينظر إِلَى صوركم ولكن ينظر إِلَى قلوبكم " معناه الاحتساب والاعتداد، أي لا يعتد بما يظهر منكم إِذَا لَمْ يوافق الباطن، لأَنَّ الأعمال الظاهرة
[ ٢ / ٣٦٧ ]
منوطة بصحة السرائر والإخلاص، ولهذا قَالَ ﷺ: " إنما بالنيات، وإنما لا مرئ مَا نوى " يريد أن النيات هِيَ المصححة للأعمال.
وليس إِذَا نفينا النظر فِي حال دل عَلَى نفي ذلك فِي الجملة، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ ولم يدل ذلك عَلَى نفي الكلام فِي الجملة
[ ٢ / ٣٦٨ ]
حديث آخر
٣٤٧ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن عائشة قالت: كانت عندي امرأة فلما قامت قَالَ النبي ﷺ: " من هَذِهِ يَا عائشة "؟ قلت: يَا رَسُول اللَّهِ أما تعرفها هَذِهِ فلانة مَا تنام الليل، وهي من أعبد أهل المدينة، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " مه عليكم من العمل مَا تطيقون، فإن اللَّه تَعَالَى لا يمل حتى تملوا " قالت: وكان أحب العمل إِلَيْهِ أدومه وإن قل
٣٤٨ - وَفِي حديث آخر: عَن أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " إن اللَّه لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل "
[ ٢ / ٣٦٩ ]
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع إطلاق وصفه تَعَالَى بالملل لا عَلَى مَعْنَى السآمة والاستثقال ونفور النفس عَنْهُ، كَمَا جاز وصفه بالغضب لا عَلَى وجه النفور، وكذلك الكراهة والسخط والعداوة، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ وقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ: ﴿سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وَقَالَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾
فإن قِيلَ: مَعْنَى الملل ها هنا الغضب، فيكون معناه لا يغضب عليهم وَلا يقطع عنهم ثوابه حتى يتركوا العمل.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّ الملل قد يحصل من العبد، فيما لا يقتضي الغضب عَلَيْهِ، وَهُوَ ترك النوافل، والخبر عَلَى هَذَا الوجه خرج، ولأنه إن جاز تأويل الملل عَلَى الغضب، جاز تأويل الغضب عَلَى الملل إذ ليس أحدهما بالتأويل أولى من الآخر، وكلاهما مما قد ورد الشرع بإطلاقه عَلَيْهِ.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
ولأن الملل والغضب فِي اللغة عبارة عَن معنيين مختلفين، فلا يجوز حمل أحدهما عَلَى الآخر، ولأنه إن جاز امتناع إطلاق الملل لأَنَّ لَهُ حكم فِي الشاهد جاز امتناع إطلاق الغضب والرضا والإرادة لأَنَّ لَهَا حدا فِي الشاهد.
فإن قِيلَ: معناه: إن اللَّه لا يمل إِذَا مللتم، ومثل هَذَا قولهم: إن هَذَا الفرس لا يفتر حتى تفتر الخيل، وليس المراد بذلك أَنَّهُ يفتر إِذَا فترت الخيل، إذ لو كان المراد به هَذَا مَا كان لَهُ فضل عليها، لأَنَّهُ يفتر معها، وإنما المراد به لا يفتر وإن فترت الخيل، وكذلك قولهم فِي الرجل البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه، يريد بذلك أَنَّهُ لا ينقطع إِذَا انقطعوا، إذ لو كان المراد به ينقطع إِذَا انقطعوا لَمْ يكن لَهُ فضل عليهم.
فعلى هَذَا يكون مَعْنَى الخبر أن اللَّه ﷿ لا يترك الإحسان إِلَى عبيده، وإن تركوا هم طاعته.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّ الخبر قصد به بيان التحريض عَلَى العمل والحث عَلَيْهِ وإن قل، فإذا حمل الخبر عَلَى استدامة الثواب مع انقطاع العمل من العامل لَمْ يوجد المقصود بالخبر، لأَنَّهُ يعول عَلَى التفضل ويطرح العمل.
وجواب آخر: وَهُوَ أن حتى لَهَا ثلاثة أقسام: أحدها: أنها تكون غاية، وتكون بمعنى كي، وتكون بمعنى إِلا أن وليست بمعنى إِذَا
[ ٢ / ٣٧١ ]
حديث آخر
٣٤٩ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة، عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لا تسبوا الدهر فإن اللَّه هُوَ الدهر " وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " لا يقولن أحدكم: يَا خيبة الدهر فإن اللَّه هُوَ الدهر".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " قَالَ اللَّه ﷿: يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار "
[ ٢ / ٣٧٢ ]
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " لا تسبوا الدهر فإن اللَّه ﷿ يقول: أنا الدهر، لي الليل والنهار أجدده وأبليه، وأذهب بملوك وآتي بملوك ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَ: " كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، هُوَ الَّذِي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فَقَالَ اللَّه ﷿ فِي كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ فَقَالَ اللَّه ﷿: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " يقول اللَّه: استقرضتك عبدي فلم تقرضني، ويشتمني عبدي وَهُوَ لا يدري، يقول: وادهراه وادهراه، وأنا الدهر "
[ ٢ / ٣٧٣ ]
٣٥٠ - اعلم أن أَبَا بكر الخلال قَالَ: حَدَّثَنِي بشر بْن مُوسَى الأسدي قَالَ: سألت أَبَا عبد اللَّه أحمد بْن حنبل عَن الدهر، فلم يجبني فِيهِ بشيء.
وظاهر هَذَا أن أحمد توقف عَن الأخذ بظاهر الحديث، وامتنع من إطلاق تسمية الدهر عَلَى اللَّه سُبْحَانَهُ
٣٥١ - وَقَالَ حنبل: سمعت هارون الحمال يقول لأبي عبد اللَّه: كنا عند سفيان بْن عيينة بمكة، فحدثنا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لا تسبوا الدهر "، فقام فتح بْن سهل فَقَالَ: يَا أَبَا محمد تقول يَا دهر ارزقنا؟ فسمعت سفيان يقول: خذوه فهو جهمي، وهرب، فَقَالَ أَبُو عبد اللَّه: القوم يردون الآثار عَن رَسُول اللَّهِ ونحن نؤمن بها، وَلا نرد عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ قوله.
وظاهر هَذَا أَنَّهُ أخذ بظاهر الحديث ويحتمل أَنْ يَكُونَ قوله: " نحن نؤمن بها " راجع إِلَى أخبار الصفات فِي الجملة، ولم يرجع إِلَى هَذَا الحديث خاصة.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
٣٥٢ - وَقَدْ ذَكَرَ شيخنا أَبُو عبد اللَّه ﵀ هَذَا الحديث فِي كتابه وَقَالَ: لا يجوز أن يسمى اللَّه دهرا.
والأمر عَلَى مَا قاله لأَنَّهُ قد روي فِي بعض ألفاظ هَذَا الحديث مَا منع من حمله عَلَى ظاهره، ولم يرد فِي غيره من أخبار الصفات مَا دل عَلَى صرفه عَن ظاهره فلهذا وجب حملها عَلَى ظاهرها، وذلك أَنَّهُ رَوَى فِيهِ: " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار " وَفِي لفظ آخر: " لي الليل والنهار أجدده وأبليه، وأذهب بملوك وآتي بملوك " فبين أن الدهر الَّذِي هُوَ الليل والنهار خلق لَهُ وبيده، وأنه يجدده ويبليه فامتنع أَنْ يَكُونَ اسما لَهُ.
وأصل هَذَا الخبر أَنَّهُ ورد عَلَى سبب، وَهُوَ أن الجاهلية كان تقول: أصابني الدهر فِي مالي بكذا، ونالتني قوارع الدهر ومصائبه، فيضيفون كل حادث يحدث مما هُوَ جار بقضاء اللَّه وقدره وخلقه وتقديره من مرض أو صحة أو غنى أو فقر أو حياة أو موت إِلَى الدهر، ويقولون: لعن اللَّه هَذَا الدهر والزمان، ولذلك قَالَ قائلهم:
أمن المنون وريبها يتوجع … والدهر ليس بمعتب من يجزع
وقال سُبْحَانَهُ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ أي: ريب الدهر وحوادثه وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ فأخبر عنهم بما كانوا عَلَيْهِ من نسبة أقدار اللَّه وأفعاله إِلَى الدهر فَقَالَ ﷺ: " لا تسبوا الدهر " أي: إِذَا أصابتكم المصائب لا تنسبوها إِلَيْهِ، فإن اللَّه تَعَالَى هُوَ الَّذِي أصابكم بها، لا الدهر، وإنكم إِذَا سببتم الدهر وفاعل ذلك ليس هُوَ الدهر
٣٥٣ - وَقَالَ أَبُو بكر الخلال: سألت إبراهيم الحربي عَن قول النبي ﷺ: " لا يقولن أحدكم يَا خيبة الدهر فإن اللَّه هُوَ الدهر " وقوله: " لا تسبوا الدهر، فإن اللَّه
[ ٢ / ٣٧٥ ]
هُوَ الدهر " قَالَ: كانت الجاهلية تقول: الدهر هُوَ الليل والنهار، يقولون الليل والنهار يفعل بنا كذا، فَقَالَ اللَّه ﷿: أنا أفعل ليس الدهر.
فقد بين إبراهيم الحربي أن الخبر ليس عَلَى ظاهره، وأنه ورد عَلَى سبب
٣٥٤ - وَذَكَرَ أَبُو عبيد نحو مَا ذكرنا، فَقَالَ: لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه، وذلك أن أهل التعطيل يحتجون به عَلَى المسلمين، واحتج به بعضهم فَقَالَ: أَلا تراه يقول: فإن اللَّه هُوَ الدهر " قَالَ: وتأويله أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب الَّتِي تنزل بهم من موت أو هرم أو تلف، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر وأتى عليهم الدهر، فيجعلونه الَّذِي يفعل ذلك فيذمونه عَلَيْهِ، فَقَالَ النبي ﷺ: " لا تسبوا الَّذِي يفعل بكم هَذِهِ الأشياء وتصيبكم هَذِهِ المصائب، فإنكم إِذَا سببتم فاعلها فإنما يقع السب عَلَى اللَّه ﷿ إذ هُوَ الفاعل لَهَا لا الدهر "
[ ٢ / ٣٧٦ ]
حديث آخر
٣٥٥ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن خولة بنت حكيم، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خرج وَهُوَ محتضن أحد ابني بنته ويقول: " إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون، وإنكم لمن ريحان اللَّه، وإن آخر وطأة الرَّحْمَنِ بوج "
٣٥٦ - وناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن يعلى العامري: أَنَّهُ جاء حسن وحسين يستبقان إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فضمهما إِلَيْهِ وَقَالَ: " إن الولد مجبنة مبخلة، وإن آخر وطئة وطئها رب العالمين بوج " وَفِي رواية أَبِي الحسن، وأبي الْقَاسِم ابني بشران بِإِسْنَادِهِ، عَن يعلى بْن مرة: " وإن آخر وطئة وطئها رب العالمين بوج "
[ ٢ / ٣٧٧ ]
٣٥٧ - وَذَكَرَ الحميدي فِي مسنده بِإِسْنَادِهِ، عَن كعب أَنَّهُ قَالَ: وج مقدس، مِنْهُ عرج الرب إِلَى السماء يوم قضى خلق الأرض.
قال الحميدي: موضع بالطائف يقال لَهُ وج.
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع عَلَى أصولنا حمل هَذَا الخبر عَلَى ظاهره، وأن ذلك معى يتعلق بالذات دون الفعل، لأنا حملنا الخبر عَلَى ظاهره فِي قوله: " ينزل اللَّه إِلَى سماء الدنيا "
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وقوله: " يضع قدمه فِي النار " وقوله: " يتجلى لهم فِي رمال الكافور " وقوله تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ كذلك ها هنا، إذ لسنا نحمل الوطئة عَلَى مماسته جارحة لبعض الأجسام، بل نطلق هَذِهِ الصفة كَمَا أطلقنا استواءه عَلَى العرش لا عَلَى وجه المماسة والانتقال من حال إِلَى حال، وَكَمَا أطلقنا قوله تَعَالَى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لا عَلَى وجه المماسة، كذلك ها هنا.
فإن قِيلَ: مَعْنَى ذلك يرجع إِلَى الفعل، وَهُوَ أن آخر مَا أوقع اللَّه سُبْحَانَهُ بالمشركين من الشدة بوج وَهُوَ اسم موضع بالطائف، لأَنَّهُ كان آخر غزوة غزاها رَسُول اللَّهِ ﷺ وحنين أدنى الطائف، وَهَذَا مثل قوله ﷺ: " اللهم اشدد وطأتك عَلَى مضر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف " فتتابع القحط عليهم سبع سنين حتى أكلوا القد والعظام، والعرب تقول فِي كلامها: اشتدت وطأة السلطان عَلَى رعيته، وليس يريدون بذلك وطء القدم، كذلك ها هنا
[ ٢ / ٣٨٠ ]
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ لَمْ يكن ذلك آخر مَا أوقع اللَّه بالمشركين، لأَنَّ الفتوح حصلت بعد النبي ﷺ والنكاية فِي المشركين ظاهر عَلَى يدي خليفة بعد خليفة، ثُمَّ النكاية فِي الفرس والروم، وغير ذلك من أهل الكفر.
وجواب آخر: وَهُوَ أن فِي الخبر مَا يسقط هَذَا، وَهُوَ قوله: آخر وطئة " وذلك لا يستعمل فِي الشدة، وإنما يستعمل فِي الشدة مَا كان بالهمزة والألف، نحو قوله: " اشدد وطأتك عَلَى مضر " فإن هناك قرينة دلت عَلَى أن المراد به العذاب، وَهُوَ أَنَّهُ دعا عَلَى الكفار، ولأنه ذكر الوطأة هناك بالهمزة والألف.
٣٥٨ - وقد حكى ابن قتيبة هَذَا التأويل فِي مختلف الحديث، وَقَالَ فِي جوابه: لا أقضي به عَلَى مراد رَسُول اللَّهِ ﷺ لأنني قرأت فِي الإنجيل: أن المسيح صلوات اللَّه عَلَيْهِ قَالَ للحواريين: ألم تسمعوا أَنَّهُ قِيلَ للأولين: لا تكذبوا إِذَا حلفتم بالله، ولكن أصدقوا، وأنا أقول لكم لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي اللَّه، وَلا بالأرض فإنها موطئ قدميه، وَلا بأورشليم فإنها مدينة الملك الأكبر، وَلا تحلف برأسك فإنك لا تستطيع أن تزيد فِي شعرة سوداء وَلا بيضاء، ولكن ليكن قولكم: نعم نعم، وَلا لا، وما كان سوى ذلك فإنه من الشيطان.
هذا مع حديث حدثنيه يزيد بْن عمرو قَالَ: نا عبد اللَّه بْن الزبير، قَالَ: نا عبد اللَّه بْن الحرث، عَن أَبِي بكر بْن عبد الرَّحْمَنِ، عَن كعب قَالَ: " إن وج مقدس، مِنْهُ عرج الرب إِلَى السماء يوم قضى خلق الأرض ".
وهذا الكلام من ابن قتيبة إقرار مِنْهُ بفساد هَذَا التأويل، وحمل الخبر عَلَى ظاهره كَمَا ذهبنا إِلَيْهِ
[ ٢ / ٣٨١ ]
حديث آخر
٣٥٩ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن جابر، وابن عمر، وأنس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " اهتز عرش الرَّحْمَنِ جل اسمه لموت سعد بْن معاذ "
٣٦٠ - وَفِي حديث آخر: رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَن أَبِي سلمة بْن عبد الرَّحْمَنِ، عَن معيقيب قَالَ: نظر رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى سعد بْن معاذ عَلَى السرير فَقَالَ: " لقد اهتز العرش
[ ٢ / ٣٨٢ ]
لموته، عرش الرَّحْمَنِ ﷿ "
٣٦١ - وَفِي حديث آخر: رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَن ابن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " لهذا العبد الصالح الَّذِي تحرك لَهُ العرش، وفتحت لَهُ أبواب السموات، وشهده سبعون ألف من الملائكة لَمْ يهبطوا إِلَى الأرض قبل ذلك، ولقد ضم فِي قبره ثُمَّ أفرج لَهُ " يَعْنِي سعدا ﵀.
اعلم أن هَذَا الخبر ليس مما يرجع إِلَى شيء من الصفات لأَنَّ العرش محدث مخلوق، وغير ممتنع أن يهتز العرش عَلَى الحقيقة، ويتحرك لموت سعد، لأَنَّ العرش تجوز عَلَيْهِ الحركة، ويكون لذكره فائدة وَهُوَ: فضيلة سعد، أن العرش مع عظم قدره اهتز لَهُ
[ ٢ / ٣٨٣ ]
وقد تأول قوم عَلَى أن العرش ها هنا السرير الَّذِي كان عَلَيْهِ سعد وَهَذَا غلط لوجهين أحدهما: أن فِي الخبر " اهتز عرش الرَّحْمَنِ جل اسمه " وإضافة العرش إِلَى اللَّه سُبْحَانَهُ إنما ينصرف إِلَى العرش الَّذِي هُوَ فِي السماء.
والثاني: أَنَّهُ قصد بهذا الخبر فضيلة سعد، وَلا فضيلة فِي تحرك سريره واهتزازه، لأَنَّ سرير غيره قد يتحرك ويهتز من تحته.
وتأوله آخرون: عَلَى أن الاهتزاز ها هنا راجع إِلَى حملة العرش، الذين يحملونه ويطوفون حوله، وأقام العرش مقام من يحمله ويطوف به من الملائكة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ وإنما يريد أهل السماء وأهل الأرض، وَكَمَا قَالَ النبي ﷺ فِي أحد: " هَذَا جبل يحبنا ونحبه " يريد: يحبنا أهله يَعْنِي الأنصار
[ ٢ / ٣٨٤ ]
ويكون مَعْنَى اهتزاز حملته الاستبشار والسرور به، يقال: فلان يستبشر للمعروف ويهتز لَهُ، وَمِنْهُ قِيلَ فِي المثل: إن فلانا إِذَا دعي اهتز، وإذا سئل ارتز، والكلام لأبي الأسود الدئلي، والمعنى فِيهِ: إِذَا دعي إِلَى طعام يأكله ارتاح لَهُ واستبشر، وإذا دعي لحاجة ارتز، أي تقبض ولم ينطلق، قَالَ الشاعر:
وتأخذه عند المكارم هزة … كَمَا اهتز عند البارح الغصن الرطب
وهذا غلط لما بينا أَنَّهُ غير ممتنع من إضافة الاهتزاز إِلَى العرش لكونه محدثا، وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ وهذه إضافة صحيحة إِلَى السماء والأرض، وكذلك إضافة ذلك إِلَى العرش، وحمل ذلك عَلَى حملة العرش عدول عَن الحقيقة إِلَى المجاز من غير حاجة إِلَى ذلك، ولئن جاز هَذَا، جاز العدول فِي قوله: ﴿تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ معناه أهل السماء وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا معناه أهل الجبال، ولأن مَا يمنع من حمل الخبر عَلَى العرش يمنع من حمله عَلَى حملته، وما يجوز فِي أحدهما نجوزه فِي الآخر، ولأنه لا يجب أن يمتنع المخالف من هَذَا، لأَنَّهُ لا يثبت كونه عَلَى العرش، وإذا لَمْ يثبت ذلك لَمْ يمتنع إضافة ذلك إِلَى العرش.
وأما قوله: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ سورة الدخان آية فمعناه: فما
[ ٢ / ٣٨٥ ]
بكت عليهم السماء بأهلها، وكذلك قوله: " هَذَا جبل يحبنا " معناه يحبنا بأهله
[ ٢ / ٣٨٦ ]
حديث أخر
٣٦٢ - رَوَاهُ أَبُو بكر أحمد بْن سلمان النجاد فِي السنة، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن أحمد قَالَ: نا معمر، قَالَ: نا وكيع، عَن
مُوسَى بْن عبيد، عَن محمد بْن كعب، قَالَ: كأن الناس إِذَا سمعوا القرآن من فِي الرَّحْمَنِ ﷿ يوم القيامة، فكأنهم لَمْ يسمعوه قبل ذلك
٣٦٣ - وناه أَبُو محمد الحسن بْن محمد، قَالَ: نا عمر بْن أحمد بْن عثمان، قَالَ: نا محمد بْن هارون بْن حميد، قَالَ: نا عثمان بْن أَبِي شيبة، قَالَ: نا وكيع، قَالَ: نا مُوسَى بْن عبيدة، قَالَ: سمعت محمد بْن كعب القرظي يقول: إِذَا سمع القرآن من فِي الرَّحْمَنِ فِي القيامة فكأنهم لَمْ يسمعوه قبل ذلك
٣٦٤ - ونا أَبُو القسم عبد العزيز بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " كأن الخلق لَمْ يسمعوا القرآن حين سمعوه من فِيهِ يوم القيامة ".
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع إطلاق الفي عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، كَمَا لَمْ يمتنع إطلاق اليد والوجه والعين
٣٦٥ - وقد نص أحمد عَلَى ذلك فِي رسالة أَبِي العباس أحمد بْن جعفر الفارسي
[ ٢ / ٣٨٧ ]
فَقَالَ: كلم اللَّه مُوسَى تكليما من فِيهِ
فإن قِيلَ: هَذَا الحديث ضعيف يرويه مُوسَى بْن عبيدة، وَقَالَ يَحْيَى بْن سعيد القطان: مُوسَى بْن عبيدة ضعيف.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّ مُوسَى بْن عبيدة رجل من أهل الربذة لا بأس به، وقد روي عَنْهُ وكيع وَهُوَ من أئمة أصحاب الحديث.
وأما محمد بْن كعب: فهو من علماء التابعين بالتفسير والفتيا، وأبوه كعب بْن
[ ٢ / ٣٨٨ ]
سليمان من الصحابة
فإن قِيلَ: فنتأول قوله: " من فِي الرَّحْمَنِ " معناه من الرَّحْمَنِ.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ يتضمن حذف صفة قد ورد الخبر بها، وعلى أَنَّهُ إن جاز هَذَا التأويل وجب مثله فِي قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ معناه بذاتي ويكون ذكر اليد زائد، وكذلك قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ المراد به: ذاته، وليس المراد به الوجه الَّذِي هُوَ صفة، ولما لَمْ يجز هَذَا هناك كذلك ها هنا، ولأن هَذَا يؤدي إِلَى جواز القول بأن لله فِي، وأنه يجوز أن يدعى فيقال: يَا فِي اغفر لنا، وَهَذَا لا يجوز، فامتنع أَنْ يَكُونَ المراد بالفي الذات، لأَنَّهُ لا يجوز وصفه ودعاءه بذلك
[ ٢ / ٣٨٩ ]
حديث آخر
٣٦٦ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن عقبة بْن عامر الجهني، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " لو كان القرآن فِي إهاب مَا مسته النار "
٣٦٧ - وَفِي حديث آخر عَن عبيد اللَّه بْن موهب، عَن عصمة بْن مالك الخطمي، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " لو جمع القرآن فِي إهاب مَا أحرقته النار "
[ ٢ / ٣٩٠ ]
اعلم أَنَّهُ قد قِيلَ فِي ذلك وجوه: أحدها:
أن من حفظ القرآن وقاه اللَّه عذاب النار، واحتج فِي ذلك بحديث أَبِي أمامة: " إن اللَّه سُبْحَانَهُ لا يعذب قلبا وعى للقرآن".
وإلى هَذَا أومئ أحمد فِي رواية إسحاق بْن إبراهيم، وقد سأله مَا مَعْنَى: " لو كان القرآن فِي إهاب مَا مسته النار " قَالَ أَبُو عبد اللَّه: هَذَا يرجى لمن القرآن فِي قلبه أن لا تمسه النار فِي إهاب، يَعْنِي فِي قلب رجل.
وفي هَذَا ضعف، لأَنَّهُ قد روي فِي الخبر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " يكون فيكم قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية "
٣٦٨ - وروي " النار إِلَى فسقة القرآن أقرب منها إِلَى عبدة الأوثان " وعلم أن مَعْنَى قول النبي ﷺ: " إن اللَّه لا يعذب قلبا وعى القرآن " إِذَا حفظ حدوده وعمل بموجبه وقال قوم: معناه أَنَّهُ لو كتب القرآن فِي جلد ثُمَّ طرح فِي النار مَا أحرقته النار،
[ ٢ / ٣٩١ ]
وذلك فِي عهد رَسُول اللَّهِ ﷺ علامة لنبوته.
وقال قوم: تأويله أن القرآن لو كتب فِي جلد ثُمَّ طرح الجلد فِي النار مَا احترق، أي: مَا احترق القرآن، وما بطل وَلا اندرس، وإنما يندرس ويبطل المداد والحبر والجلد
٣٦٩ - وَهَذَا مثل قوله حاكيا عَن اللَّه سُبْحَانَهُ: " إني منزل عليك كتابا لا يغسله الماء " ومعناه لا يبطله وَلا يفنيه الماء، كذلك قوله: " مَا احترق " وَهَذَا وجه صحيح، لأنا وإن قلنا إن القرآن مكتوب فِي الحقيقة، وأن الكتابة هِيَ المكتوب، فلسنا نقول إنه حال فِي الجلد، وَلا فِي الورق وَلا فِي اللوح، فاحتراق المحل لا يوجب احتراقه، لأَنَّهُ ليس بحال فِي محل كتابته
[ ٢ / ٣٩٢ ]
حديث آخر
٣٧٠ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي أمامة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَا أذن اللَّه لعبد فِي شيء أفضل من ركعتين يصليهما، وإن اللَّه ليذر البر فوق رأس العبد مَا دام فِي صلاته، وما تقرب العبد إِلَى اللَّه بمثل مَا خرج مِنْهُ " يَعْنِي القرآن
[ ٢ / ٣٩٣ ]
٣٧١ - ورواه أَبُو عبد اللَّه بْن بطة فِي كتاب الإبانة بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي أمامة قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " مَا تقرب العباد إِلَى اللَّه بشيء أفضل من شيء خرج مِنْهُ " وَهُوَ
[ ٢ / ٣٩٤ ]
القرآن.
اعلم أن المراد بالخروج ها هنا ظهور المنافع، كَمَا يقال: خرج لنا من كلامك خير كثير، وأتنا مِنْهُ نفع بين، وليس المراد به الخروج الَّذِي هُوَ بمعنى الانتقال والمفارقة، لأَنَّهُ ليس بجسم وَلا جوهر، وإنما يجوز الانتقال عَلَى الجواهر والأجسام
[ ٢ / ٣٩٥ ]
٣٧٢ - وقد قَالَ أحمد فِي رواية عبدوس بْن مالك العطار: كلام اللَّه ليس ببائن مِنْهُ
٣٧٣ - وَقَالَ فيما خرجه فِي الرد عَلَى الجهمية فِي الأحاديث الَّتِي رويت: " يجيء القرآن فِي صورة الشاب " فَقَالَ: كلام اللَّه لا يجيء وَلا يتغير من حال إِلَى حال
٣٧٤ - وَقَالَ فِي رواية حنبل: احتجوا علي يومئذ " تجئ البقرة يوم القيامة "، "
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وتجيء تبارك "
[ ٢ / ٣٩٧ ]
فقلت لهم: هَذَا الثواب.
فقد نص أحمد عَلَى المعنى الَّذِي ذكرنا.
وقد قَالَ قوم: إن الهاء فِي قوله: " خرج مِنْهُ " يعود عَلَى العبد، وخروجه مِنْهُ وجودة متلوا عَلَى لسانه، محفوظا فِي صدره، مكتوبا بيده.
وهذا غلط لوجهين:
أحدهما: أَنَّهُ وصف الخارج بأنه كلام اللَّه، وهذه الصفة لا يصح خروجها من غير اللَّه تَعَالَى، والذي يظهر من التالي هُوَ التلاوات، والتلاوات عَلَى قولهم ليست بقرآن، وإنما هِيَ تلاوة للقرآن، والتلاوة عندهم غير القرآن، فلا يصح هَذَا التأويل.
والثاني: أن قائلا لو قَالَ: مَا تقرب إلي زيد بشيء أفضل من شيء خرج مِنْهُ، وَهُوَ عمله، فإن ذلك يرجع إِلَى أَنْ يَكُونَ العلم الخارج من زيد، كذلك ها هنا
[ ٢ / ٣٩٨ ]
حديث آخر
٣٧٥ - رَوَاهُ أَبُو عبد اللَّه بْن بطة بِإِسْنَادِهِ، عَن عثمان بْن عفان، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " إن فضل القرآن عَلَى سائر الكلام، كفضل اللَّه عَلَى خلقه، وذلك أن القرآن مِنْهُ خرج وإليه يعود "
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وأما قوله: " مِنْهُ خرج " فمعناه مِنْهُ خرج تنزيله وظهوره والابتداء، وإليه يعود حكمه لأَنَّ مَا تضمنه القرآن من الأحكام الَّتِي هِيَ العبادات واجتناب المحرمات إنما يفعل لله ﷿ فيكون الحكم عائد إِلَيْهِ بمعنى مفعول لَهُ ولأجله
٣٧٦ - وقد قَالَ أَبُو بكر الخلال: سمعت عبد اللَّه بْن أحمد قَالَ: ذكر أَبُو بكر الأعين قَالَ: سئل أَبُو عبد اللَّه أحمد بْن حنبل عَن تفسير قوله: " القرآن كلام اللَّه مِنْهُ خرج وإليه يعود "، فَقَالَ أحمد: مِنْهُ خرج هُوَ المتكلم به، وإليه يعود.
فقد فسر قوله: " مِنْهُ خرج " عَلَى أَنَّهُ صفة من صفات ذاته، مبتدي به، ولم يفسر قوله: " وإليه يعود " وتفسيره مَا ذكرنا من أن أحكامه عائدة إِلَيْهِ
[ ٢ / ٤٠١ ]
٣٧٧ - وهكذا فسره أَبُو بكر بْن إبرة من أصحابنا فيما وجدته معلقا بخطه فِي حاشية كتاب السنة لأبي بكر الخلال.
وقد قِيلَ: مَعْنَى قوله: " مِنْهُ خرج " أي مِنْهُ يسمع وبتعليمه يعلم وبتفهيمه يفهم.
وهذا لا يخرج عَلَى أصولنا، لأَنَّ عَلَى قولنا يسمع مِنْهُ فِي حق من تولى خطابه، ويسمع من غيره فِي حق من لَمْ يتول خطابه.
وقيل: مَعْنَى قوله: " مِنْهُ خرج " أَنَّهُ لَهُ، والعرب تقول: إن هَذَا منك، تعني أَنَّهُ لك كَمَا قَالَ القائل:
ومنك العطاء ومنك الثناء.
أي لك العطاء ولي الثناء عليك.
ولا يجوز أن يحمل قوله " مِنْهُ " عَلَى مَعْنَى الجزء مِنْهُ، لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ ليس بذي أبعاض وأجزاء.
ولا يجوز أَيْضًا حمله عَلَى أن مِنْهُ بمعنى فعله كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ يَعْنِي: خلقا وملكا، لأَنَّهُ قد ثبت بالدليل أن كلامه صفة قديمة لذاته غير محدثة وَلا مخلوقة
[ ٢ / ٤٠٢ ]
حديث آخر
٣٧٨ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إن اللَّه ﵎ قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلما سمعت الملائكة القرآن، طوبى لأمة ينزل هَذَا عليها، وطوبى لأجواف تحمل هَذَا، وطوبى لألسن تكلم بهذا ".
وقد ذكر أَبُو عبد اللَّه بْن بطة فِي كتابة بِإِسْنَادِهِ.
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع إطلاق صفة القراءة عَلَى اللَّه سُبْحَانَهُ، كَمَا أَنَّهُ غير ممتنع إطلاق صفة الكلام عَلَيْهِ، فنقول: قرأ ويقرأ، كَمَا نقول: تكلم ويتكلم، وقد قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ﴾ فوصف نفسه بذلك،
[ ٢ / ٤٠٣ ]
ولأنه ليس فِي ذلك مَا يوجب خلق القرآن وَلا حدوثه، كَمَا لَمْ يكن فِي قولنا تكلم مَا يوجب حدوثه
فإن قِيلَ: بل فِيهِ مَا يوجب حدوثه وخلقه، وذلك أن القراءة عبارة عَن جمع الشيء، وَمِنْهُ قولهم: مَا قرأت هَذِهِ الناقة سلا قط، أي: مَا جمعت فِي رحمها ولدا، وكذلك قولهم: قرأت الماء فِي الحوض وقرأت اللقمة فِي في، ومتى وصفنا القرآن بالجمع، وصفناه بصفة توجب حدوثه.
قيل: يحتمل أَنْ يَكُونَ الجمع راجعا إِلَى أحد وجهين:
أحدهما: إِلَى أحكامه وشرائعه، لا إِلَى نفس الكلام الَّذِي هُوَ الصفة لقيام الدليل عَلَى قدمه والقديم لا يصح جمعه، وأحكامه مجموعة فِي الجملة ومفصلة فِي الآيات والسور، ويكون ذكر السور والآيات علامات لتفصيل الأحكام
[ ٢ / ٤٠٤ ]
الوجه الثاني: أَنْ يَكُونَ الجمع راجعا إِلَى جمع فهمه وعلمه ومعرفته، وذلك لا يفضي إِلَى الحدث فِي القرآن، لأَنَّ الجمع يحصل فِي صفات القارئ لا فِي القرآن، ولأن المقرؤ عبارة عَن المجموع، ثُمَّ لَمْ يوجب ذلك منع وصفه بذلك، كذلك فِي القراءة
٣٧٩ - وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بكر بْن الأنباري فِي كتاب الزاهر فَقَالَ: إنما سمي القرآن قرآنا فِيهِ قولان:
أحدهما: قاله أَبُو عبيدة: لأَنَّهُ يجمع السور ويضمها.
وقال قطرب: إنما سمي القرآن قرآنا لأَنَّ القارئ يظهره ويلقيه من فِيهِ، أخذ من قول العرب: مَا قرأت الناقة سلا قط، أي: مَا رمت بولد
[ ٢ / ٤٠٧ ]