حديث آخر
٢٣٢ - ناه أَبُو القسم بإسناده، عن أنس بن مالك، أن رسول الله، ﷺ، قَالَ: " لله، ﷿، أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يسقط عَلَى بعيره وقد أضله بأرض فلاة
٢٣٣ - " أَخْبَرَنَاهُ أيضا بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ، قَالَ: " الله جل اسمه أشد استبشارا بتوبة أحدكم، من أحدكم بضالته بفلاة من الأرض، عليها سقاؤه ومتاعه وما يصلحه "
٢٣٤ - وناه بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ، قَالَ: " لا يوطن رجل مسلم المساجد للصلاة وللذكر، إلا تبشبش الله به حين يخرج من بيته، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم " أعلم أن الكلام فِي الفرح والاستبشار قريب من
[ ١ / ٢٤١ ]
الكلام فِي الحديث الذي تقدم فِي الضحك، والقول فيه كالقول فِي ذَلِكَ.
وقد حكينا كلام أَحْمَد فِي ذَلِكَ، والأخذ بظاهر الحديث من غير تفسير كذلك هاهنا، إذ ليس فِي حمله عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نثبت فرحا هو السرور لأنه يقتضي جواز الشهوة والحاجة عليه، ومن قوله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ أي سروا بها، ولا نثبت أيضا فرحا هو البطر والأشر لأنهما لا يليقان بالله، ﷿، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ يعني بذلك فرح البطر والأشر، بل نثبت ذَلِكَ صفة، كما أثبتنا صفة الوجه واليدين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناه، ولا يوجب أن يستوحش من إطلاق مثل هَذَا اللفظ إذا ورد به سمع، كما لم يستوحش من إطلاق ذَلِكَ فِي غيره من الصفات.
فإن قيل: معنى الفرح هاهنا معنى الرضا، ومن قوله تَعَالَى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: راضون لأن من سر بالشيء فقد رضيه، ويقول: هو فرح به بمعنى هو راض به، فيكون معناه: أن من وفقه الله للتوبة من معاصيه، فقد رضي أن يكون مثابا عَلَى الخير مقبولا منه الطاعة والعبادة
[ ١ / ٢٤٢ ]
قيل: هَذَا غلط لأن هَذَا القائل عنده أن الرضا بمعنى الإرادة، وإرادة الله سُبْحَانَهُ لا تختص ما ذكر فِي الخبر من التوبة، لأن ضد التوبة مما كان عليه قبل ذَلِكَ، كان الله مريدا له، عَلَى أنه لا يمتنع أن يكون معنى ذَلِكَ ما قالوه وكذلك القول فِي البشبشة، لأن معناه يقارب معنى الفرح، والعرب تقول: رأيت لفلان بشاشة، وهشاشة وفرحا، ويقولون: فلان هش بش فرح، إذا كان منطلقا، فيجوز إطلاق ذَلِكَ كما جاز إطلاق الفرح.
وقد ذكر ابن قتيبة هَذَا الحديث فِي كتاب الغريب، وَقَالَ قوله: يبشبش من البشاشة وهو يتفعل.
فحمل الخبر عَلَى ظاهره ولم يتأوله.
[ ١ / ٢٤٣ ]