حديث آخر
٣٠٨ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن نافع، عَن ابن عمر قَالَ: صعد رَسُول اللَّهِ ﷺ المنبر فتلى هَذِهِ الآية: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " يأخذ اللَّه ﷿ السموات والأرضين بيده ثُمَّ يقول: أنا الملك، فما زال يقولها حتى رجف به المنبر حتى ظننا ليخر به المنبر من رجفانه "
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " إن اللَّه ﷿ إِذَا كان يوم القيامة جمع السموات والأرضين السبع فِي قبضته، ثُمَّ بسطها، ثُمَّ يقول: أنا اللَّه أنا الرَّحْمَنِ أنا الملك أنا القدوس أنا السلام أنا المؤمن أنا المهيمن أنا العزيز أنا الجبار أنا المتكبر، أين الجبابرة ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: قَالَ: " يطوي اللَّه تَعَالَى السموات يوم القيامة فيأخذها بيده اليمنى، ثُمَّ يقول: أنا الملك أين الجبارون وأين المتكبرون ثُمَّ يطوي الأرضين ثُمَّ يأخذهن بشماله فيقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " يأخذ الجبار تَعَالَى سمواته وأرضه " وجعل رَسُول اللَّهِ ﷺ يقبض يديه ويبسطها ويقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ولفظ الشمال
[ ٢ / ٣٢٦ ]
قد ذكره مسلم فِي صحيحه
[ ٢ / ٣٢٧ ]
٣٠٩ - ونا أَبُو محمد الحسن بْن محمد بِإِسْنَادِهِ، عَن ربيعة الجرشي:" والسموات مطويات بيمينه " قَالَ: والأخرى خلو ليس فيها شيء ".
اعلم أَنَّهُ غير مستحيل إضافة " القبض والبسط " إِلَى ذاته سُبْحَانَهُ، كَمَا لَمْ يستحل إضافة خلق آدم بيده إِلَى ذاته، والإستواء عَلَى عرشه، وقد عضد ذلك قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ فوصف نفسه بذلك.
فإن قِيلَ: القبض والبسط راجع إِلَى القدرة والسلطان.
قيل: هَذَا غلط لما بينا فيما قبل وأن جميع الأشياء فِي قدرته وسلطانه، فلا مَعْنَى لتخصيص السماء والأرض بذلك، ولأنه قَالَ: " يأخذه بيده اليمنى " وَفِي لفظ آخر: " بشماله " وهذه صفة ذات لا تختص القدرة والسلطان
[ ٢ / ٣٢٨ ]
فإن قِيلَ: يحتمل أَنْ يَكُونَ قوله قبضها بمعنى أفناها، كقول القائل: قبض اللَّه روح فلان إِلَيْهِ، أفناها ثُمَّ بسطها أي ثُمَّ يعيدها عَلَى الوجه الَّذِي يريد.
قيل هَذَا غلظ لوجهين:
أحدهما: أَنَّهُ قَالَ يقبضها بيده، ولو كان المراد به الفناء لَمْ يعلقه باليد، لأَنَّ فناء الأشياء لا يختص باليد
٣١٠ - الثاني: أن أَبَا محمد الحسن بْن محمد الخلال رَوَى فيما خرجه من أخبار الصفات بِإِسْنَادِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " يطوي اللَّه السموات السبع بما فيها من الخليقة، والأرضين السبع بما فيها من الخليقة بيمينه، فلا يرى من عند الإبهام شيئا، وَلا من الخنصر شيئا، ويكون ذلك فِي كفه بمنزلة الخردلة ".
وهذا يمنع تأويلهم بالفناء لأَنَّهُ أخبر أنها باقية فِي كفه
فإن قِيلَ: قوله: " بيمينه " أي بقسمه كأنه أقسم بها
[ ٢ / ٣٢٩ ]
قيل: هَذَا غلط لأنا لا نعلم أَنَّهُ أقسم بها ولو كان لنقل، ولأنه ليس ها هنا حرف القسم.
فإن قِيلَ: فالذي يدل عَلَى أن المراد بالقبض الفناء قوله: " أنا الملك وأين الملوك " فيقول هُوَ: " اللَّه الواحد القهار " قَالَ المفسرون: إنما يكون ذلك عند فناء خلقه وإماتتهم، فلا يكون لَهُ مجيب غير نفسه " لله الواحد القهار ".
قيل: ليس فِي ذلك مَا يمنع قبضها بيده لأَنَّهُ يحتمل أن يقبضها بيمينه، ثُمَّ يفنيها
٣١١ - وقد حمل أَبُو بكر عبد العزيز قوله تَعَالَى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ عَلَى ظاهره وأن ذلك راجع إِلَى ذاته، ذكر ذلك فِي كتاب التفسير فِي الكلام عَلَى قوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فَقَالَ: قد قَالَ بعض أهل العربية فِي قوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ يقول: فِي قدرته واستشهد عَلَى ذلك بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وليس المراد بالملك اليمين دون سائر الجسد، ولأنك تقول: هَذَا الشيء فِي قبضتك، أي فِي قدرتك، ثُمَّ أجاب عَن ذلك بأن قَالَ: مَا روي عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ وعن الصحابة والتابعين يشهد عَلَى بطلان هَذَا القول، وَهُوَ يؤل إِلَى قول جهم وذلك قوله تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.
وقول النبي ﷺ: " فوضع يده بين كتفي ".
وقال ﷺ: " فأقوم عَن يمين ربي مقاما لا يقومه غيري "
[ ٢ / ٣٣٠ ]
فقد احتج عَلَيْهِ بهذه الأشياء لإثبات اليمين والقبض بها
٣١٢ - ثُمَّ ذكر حديثا بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي أيوب الأنصاري قَالَ: أتى النبي ﷺ حبر من اليهود فَقَالَ: أرأيت إذ يقول اللَّه فِي كتابه: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ فَقَالَ: " هم فيها كرقم الكتاب "
[ ٢ / ٣٣١ ]
حديث آخر
٣١٣ - ناه أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَالَ: " وَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ طَرَفِ أُنْمُلَةِ خِنْصِرِهِ فَسَاخَ الْجَبَلُ " قَالَ حُمَيْدٌ لِثَابِتٍ: تَقُولُ هَذَا فَرَفَعَ ثَابِتٌ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَ حُمَيْدٍ، وَقَالَ: يَقُولُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَقُولُهُ أَنَسٌ وَأَنَا أَكْتُمُهُ.
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: قَالَ: فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ الإِبْهَامَ عَلَى الْمَفْصِلِ مِنَ الْخِنْصِرِ فَسَاخَ الْجَبَلُ
٣١٤ - ونا أَبُو الْقَاسِمِ، عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّكُونِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى الْمُقْرِئُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قَالَ: " هَكَذَا " يَعْنِي أَنَّهُ أَخْرَجَ طَرَفَ الْخِنْصِرِ، قَالَ أَبِي: أَرَانَاهُ مُعَاذٌ، فَقَالَ حُمَيْدٌ: مَا تُرِيدُ فِي هَذَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرَهُ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا حُمَيْدُ وَمَا أَنْتَ يَا حُمَيْدُ، يُحَدِّثُنِي بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ،
[ ٢ / ٣٣٢ ]
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ أَنْتَ مَا تُرِيدُ
٣١٥ - وَأنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْمَعْمَرِيُّ مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ رميس، قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ إِشْكَابٍ، قَالَ: نا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قَالَ: " أَخْرَجَ أَوَّلَ مَفْصِلٍ مِنْ إِصْبُعِهِ الْخِنْصِرِ " قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِشْكَابٍ: وَرَأَيْتُ مُعَاذَ بْنَ مُعَاذٍ أَخْرَجَ أَوَّلَ مَفْصِلٍ مِنْ إِصْبُعِهِ الْخِنْصِرِ
٣١٦ - وذكره أَبُو الحسين بْن السوسنجردي فِي حديثه بِإِسْنَادِهِ، عَن أنس قَالَ: قرأ رَسُول اللَّهِ ﷺ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَالَ: " وضع إبهامه عَلَى قريب أنملة خنصره " وفعل حماد هكذا وأرانا طرف الخنصر، ووضع موضع المفصل فساخ الجبل.
اعلم أن الكلام فِي هَذَا الخبر فِي فصلين: أحدهما إثبات التجلي، والثاني فِي
[ ٢ / ٣٣٣ ]
الخنصر.
فأما التجلي فهو راجع إِلَى الذات وذلك غير ممتنع، كَمَا لَمْ يمتنع أن يتجلى للمؤمنين يوم القيامة جهرة وعيانا، وكذلك لا يمتنع أن يتجلى للجبل جهرة وعيانا، وَهُوَ أن خلق فِي الجبل رؤية حتى رأى ربه بأن أحياه وجعله عالما رائيا، ثُمَّ دكه بعد الرؤية، وجعله قطعا علامة لموسى فِي أَنَّهُ لا يراه فِي الدنيا
٣١٧ - وقد نا أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " لما تجلى اللَّه جل اسمه للجبل طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، فوقع بالمدينة أحد وورقان ورضوى، ووقع بمكة ثبير وحراء وثور".
فإن قِيلَ: يحمل التجلي عَلَى إظهار الفعل والتدبير.
قيل: إن جاز تأويل الخبر عَلَى هَذَا جاز تأويل قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ عَلَى مجيء بعض ملائكته وكلامه لموسى دون اللَّه، وكذلك قوله: " ترون ربكم " عَلَى رؤية أفعاله، وَهَذَا لا يصح، كذلك ها هنا، وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ كَمَا حملته المعتزله عَلَى ظاهره فِي الذات دون الأفعال.
ويحتمل أَنْ يَكُونَ ظهور سبحاته أوجب دكه من غير أن يخلق فِيهِ إدراكا، كَمَا أن النار إِذَا لاقت الجبل أوجب تقطيعه وإن لَمْ يحصل فِيهِ إدراك، كَمَا قَالَ: " حجابه النور لو كشفها عَن وجهه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره "
[ ٢ / ٣٣٤ ]
الفصل الثاني: فِي الخنصر: وَهُوَ عَلَى ظاهره، إذ ليس فِي حمله عَلَى ذلك مَا يحيل صفاته، وأن الخنصر كالإصبع، والإصبع كاليد، وقد جاز إطلاق اليدين، كذلك ها هنا يجب أن يجوز لا عَلَى وجه التبعيض والعضو.
فإن قِيلَ: هَذَا الحديث ضعيف، ذكره حماد، عَن ثابت، ولم يروه غيره عَنْهُ من أصحابه، وَقَالَ بعضهم: إن حمادا كانت لَهُ خرجة إِلَى عبادان، وإن ابن أَبِي العوجاء الزنديق أدخل عَلَى أصوله ألفاظا وأحاديثا احتملها فِي آخر عمره، فرواها بغفلة ظهرت فِيهِ.
قيل: هَذَا حديث صحيح رَوَاهُ الأثبات منهم: أحمد وَهُوَ المعول عَلَيْهِ فِي الجرح والتعديل، وحماد بْن سلمة ممن أثنى عَلَيْهِ أحمد، وأخرج عَنْهُ البخاري حديثا مسندا فِي الصحيح، ويجب أن لا يلتفت إِلَى مثل هَذَا الكلام لأَنَّ القائل لَهُ يقصد بذلك رد أحاديث الصفات، وقد قَالَ الأئمة من العلماء: إن أثبت الناس فِي ثابت البناني حماد بْن سلمة
[ ٢ / ٣٣٥ ]
فإن قِيلَ: المراد بالخنصر الشيء اليسير من آياته فذكر الخنصر وضرب المثل به، لا أَنَّهُ جعل لَهُ خنصر.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ لو كان المراد ذلك لَمْ ينكره حميد، وَلا أنكره عَلَيْهِ ثابت، وَلا أحتج عَلَيْهِ بأن النبي ﷺ قاله، لأَنَّ آيات اللَّه لا تنكر، فثبت أن المراد بذلك صفة ذات.
وجواب آخر: وَهُوَ أَنَّهُ إن جاز حمل الخنصر عَلَى الشيء اليسير من آياته، جاز حمل التجلي للجبل عَلَى إظهار بعض آياته للجبل حتى جعله دكا، وكذلك جاز حمل قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ عَلَى أَنَّهُ أمر بعض ملائكته بكلامه لا أَنَّهُ كلمه بنفسه، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات عَلَى أَنَّهُ تجلى بذاته للجبل، وكلم مُوسَى بنفسه، كذلك ها هنا يجب أن يحمل الخنصر عَلَى أنها صفة لذاته، كَمَا وجب حمل اليد الَّتِي خلق بها آدم
[ ٢ / ٣٣٦ ]