حديث آخر
٢٩٦ - أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " إن اللَّه يقبل الصدقات، وَلا يقبل منها إِلا الطيب فيأخذها بيمينه فيربيها كَمَا يربي أحدكم فلوه أو فصيله "
[ ٢ / ٣٠٤ ]
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَ: " من تصدق بتمرة من كسب طيب، ثُمَّ وضعها فِي موضعها أخذها اللَّه بيمينه، فلم يزل يربيها كَمَا يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل أو أفضل
[ ٢ / ٣٠٥ ]
" وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " إن اللَّه يقبل الصدقة بيمينه، وَلا يقبل منها إِلا مَا كان طيبا، وإن اللَّه ليربي لأحدكم صدقته كَمَا يربي أحدكم مهرة أو فصيله حتى يوافى بها يوم القيامة وهي أعظم من أحد "
٢٩٧ - وَفِي حديث آخر رَوَاهُ ابن عباس قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " تصدقوا فإن أحدكم يعطي اللقمة أو الشيء فيقع فِي يد اللَّه تَعَالَى قبل أن تقع فِي يدي السائل، ثُمَّ تلى هَذِهِ الآية: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ فيربيها كَمَا يربي أحدكم مهره أو فصيله فيوفيها إياه يوم القيامة "
[ ٢ / ٣٠٦ ]
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع حمل الخبر عَلَى ظاهره، إذ ليس فِيهِ مَا يحيل صفاته، وَلا يخرجها عما تستحق، لأنا لا نثبت كفا هُوَ جارحة وَلا بعض، بل نطلق كفا هُوَ صفة كَمَا أطلقنا يدين ووجها وعينا وسمعا وبصرا وذاتا، كذلك لا يمتنع إطلاق ذلك فِي الكف، ويكون فائدة الخبر الترغيب والحث فِي الصدقة، وأنها مما يجب أن يقصد بها الطيب من المال لحصولها فِي كف الرَّحْمَنِ، وأنه لا يقبل منا إِلا الطيب.
فإن قِيلَ: مَعْنَى الكف ها هنا: الملك والسلطان، فيكون تقديره يقع فِي ملكه وسلطانه، قَالَ الأخطل:
أعاذل إن النفس فِي كف مالك … إِذَا مَا دعا يوما أجابت به الرسلا
وكان عمر ﵁ ينشد كثيرا هذين البيتين:
[ ٢ / ٣٠٧ ]
هون عليك فإن الأمور … بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها … وَلا قاصر عنك مأمورها
وهذا مستعمل فِي كلامهم: فلان فِي كفي، يريدون بذلك يجري عَلَيْهِ أمري، وربما قِيلَ المراد بالكف: الأثر والنعمة، ومعناه تقع منكم بنعمة من اللَّه وتوفيقه إياكم لفعلها، وَمِنْهُ قول ذي الإصبع:
زمان به لله كف كريمة … علينا ونعما لهن بشير
أراد بذلك نعمة ظاهرة لله ﷿ فِيهِ
[ ٢ / ٣٠٨ ]
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ ليس شيء من الأشياء خارج عَن ملكه وسلطانه ومن نفى ذلك كفر، وكذلك جميع الطاعات تقع بنعمة من اللَّه وتوفيقه، وإذا كان كذلك، فلا فائدة فِي تخصيص الصدقة بالنعمة وغيرها من الطاعات من جملة نعمه، وكذلك لا فائدة فِي تخصيص الصدقة بالملك والسلطان وغيرها فِي ملكه وسلطانه، فوجب حمل الخبر عَلَى ظاهره، وما قاله الشاعر فهو عَلَى طريق المجاز، لأَنَّ الحقيقة فِي هَذِهِ التسمية خلاف ذلك، وَلا يجوز إضافة المجاز إِلَى صفات اللَّه، لأَنَّ المجاز لا حقيقة لَهُ.
فإن قِيلَ: كيف يصح حمله عَلَى ظاهره، والصدقة من جملة المحدثات، والمحدثات لا تلاقي القديم!.
قيل: كَمَا صح حمل قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عَلَى ظاهره وإن كان آدم من جملة المحدثات، كذلك ها هنا لا يمتنع حمل ذلك عَلَى ظاهره عَلَى وجه لا يقتضي الملاقاة كَمَا قلنا فِي خلق آدم
٢٩٨ - وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَا ناه أَبُو الْقَاسِمِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَزَّازُ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّكَّرِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خُلْدٍ التَّغْلِبِيُّ،
[ ٢ / ٣٠٩ ]
نا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَا مِنْ دَمْعَةٍ تَقَعُ مِنْ عَيْنِ يَتِيمٍ إِلا وَقَعَتْ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ، وَذَلِكَ أَنْ لا يَظْلِمَهُ وَلا يُؤْذِيَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ "
[ ٢ / ٣١٠ ]