حديث آخر
٢٤٨ - رواه الثقات من طرق مختلفة، وألفاظ مختلفة، حَدَّثَنَاهُ أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي بكر الصديق، عن النبي، ﷺ، قَالَ: " ينزل الله، ﷿، ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لكل نفس إلا إنسان فِي قلبه شحناء أو مشرك بالله جل اسمه "
٢٤٩ - وروى معاذ بن جبل، قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ: " يطلع الله إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لهم إلا المشرك أو مشاحن "
٢٥٠ - وروت عائشة قالت: قَالَ رسول الله، ﷺ: " إن الله جل اسمه يطلع ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب "
[ ١ / ٢٥٥ ]
٢٥١ - وروى أَبُو سعيد وأبو هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ، قَالَ: " إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل هبط، ﷿، فقال: هل من داع يستجاب له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ هل من مستغفر من ذنب؟ "
٢٥٢ - وروى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: سمعت رسول الله، ﷺ: " إذا ذهب شطر الليل الأول ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى ينشق الفجر "
٢٥٣ - وحدثنا أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ وأبي سعيد قالا: قَالَ رسول الله، ﷺ: " إن الله يمهل حتى إذا شطر الليل نزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر يغفر له؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى
[ ١ / ٢٥٦ ]
ينشق الفجر ثم يرتفع "
٢٥٤ - وَقُرِئَ عَلَى أَبِي الْفَرَجِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْمُسْلِمَةِ الْمُعَدَّلُ، فِي دَارِهِ وَأَنَا حَاضِرٌ أَسْمَعُ، قَالَ: أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَوَالِيقِيُّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ الزَّارِعُ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: نا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ، قَالَ: نا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " يَنْزِلُ اللَّهُ، ﵎، كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى سُؤْلَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ عَانٍ فَيُفَكُّ عَانِيهِ؟ قَالَ: فَيَكُونُ
[ ١ / ٢٥٧ ]
كَذَلِكَ، حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ ثُمَّ يَعْلُو رَبُّنَا، ﵎، عَلَى كُرْسِيِّهِ "
٢٥٥ - وروى أَبُو بكر أَحْمَد بن إسحاق الصبغي، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله، ﷺ، قَالَ: " ما من أيام أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض "
[ ١ / ٢٥٨ ]
٢٥٦ - وروي عن ابن عباس أنه قرأ هَذِهِ الآية: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ قَالَ: ينزل أهل السماء الدنيا وهم أكثر من أهل الأرض من الجن والإنس فيقول أهل الأرض: أفيكم ربنا؟ فيقولون لا - وذكر الحديث - ثم يأتي الرب فِي الكروبيين وهم أكثر أهل السموات السبع والأرضين ".
أعلم أن هَذَا حديث صحيح يجب الأخذ بظاهره من غير تأويل، ولا يجب أن يستوحش من إطلاق مثل ذَلِكَ
[ ١ / ٢٥٩ ]
٢٥٧ - وقد نص أَحْمَد عليه فِي رواية ابن منصور وقد سأله: " ينزل ربنا، ﵎، كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا " أليس تقول بهذا الحديث؟ قَالَ أَحْمَد: صحيح
٢٥٨ - وَقَالَ أَحْمَد بن الحسين بن حسان: قيل لأبي عبد الله: " إن الله، ﵎، ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة "، قَالَ: نعم، قيل له: وفي شعبان كما جاء الأثر؟ قَالَ: نعم.
٢٥٩ - وَقَالَ يُوسُف بن موسى: قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قَالَ: نعم.
٢٦٠ - وَقَالَ حنبل: قلت لأبي عبد الله: ينزل الله، ﷿، إلى السماء الدنيا؟ قَالَ: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ فقال: اسكت عن هَذَا وغضب، وَقَالَ: مالك ولهذا امض الحديث عَلَى ما روي.
والوجه فِي ذَلِكَ أنه ليس فِي الأخذ بظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نحمله عَلَى نزول انتقال كما قَالَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ ولا عَلَى أن يخلوا منه مكان ويشغل مكان، لأن هَذَا من صفات الأجسام، بل نطلق القول فيه كما أطلقناه فِي قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا﴾ وليس يمتنع إطلاق ذَلِكَ، وإن لم يكن معقولا فِي الشاهد، كما
[ ١ / ٢٦٠ ]
وصفناه بالحياة وأنه حي بحياة، ولم نصفه بالحركة والانتقال والتحول، وإن كنا نعلم فِي الشاهد أن الحي لا ينفك عن الحركة والانتقال والتحول، وكذلك قد وصف أمره بالمجيء فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ ولم يوجب ذَلِكَ انتقال فِي الموضعين، وكذلك جاء الليل وجاء النهار وجاءت الحمى، وإن لم يوجب ذَلِكَ انتقال، وكما أطلقنا القول بالاستواء وحمله بعضهم عَلَى العلو، ولم يوجب ذَلِكَ حدوثه فِي جهة العلو بعد أن لم يكن، وإن كان حقيقة، ثم فِي اللغة للتراخي، ولا أوجب له الجهة، وإن كان العلو غير السفل كذلك هاهنا.
٢٦١ - وقد قَالَ أَحْمَد فِي رسالته إلى مسدد: إن الله، ﷿، ينزل فِي كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلوا من العرش.
فقد صرح أَحْمَد بالقول إن العرش. لا يخلوا منه، وهكذا القول عندنا فِي قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ والمراد به مجيء ذاته لا عَلَى وجه الانتقال.
وكذلك قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ المراد به مجيء ذاته لا عَلَى وجه الانتقال.
وقد حكينا كلام أَحْمَد فِي ذَلِكَ فِي رواية أَبِي طالب وحنبل وكلام أَبِي إسحاق فِي الكلام عَلَى قول النبي، ﷺ: " أتاني ربي فِي أحسن صورة "، وليس يمتنع أن نثبت له نزول ذات لا عَلَى وجه الانتقال لا يعقل معناه، وإن لم يعقل هَذَا فِي الشاهد، كما أثبتنا ذاتا ويدين ووجها وعينا لا يعقل معناه.
وقد عضد هَذَا الخبر القرآن، فذكر مقاتل فِي تفسيره فِي قوله تَعَالَى:
[ ١ / ٢٦١ ]
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ بمعنى انفرجت، وهو البياض الذي فِي وسط السماء لنزول من فيها، يعني الرب والملائكة.
فإن قيل: المراد بقوله: " ينزل الله، ﵎، " معناه ينزل من أفعاله التي هي ترغيب لأهل الخير وإقبال عَلَى أهل الأرض والاستعطاف، بالتذكير والتنبيه الذي يلقى فِي قلوب أهل الخير حتى يستغفروه.
قيل: هَذَا غلط لوجوه أحدها: أنه لم يكن غير مقبل فأقبل عليهم، بل
[ ١ / ٢٦٢ ]
كان مقبلا قبل ذَلِكَ، يبين صحة هَذَا قول النبي، ﷺ: "لا يزال الله مقبلا عَلَى عبده فِي الصلاة".
الثاني: أنه إن جاز تأويله عَلَى هَذَا، جاز تأويل قوله: " ترون ربكم " عَلَى الرؤية إلى رحمته.
الثالث: أن فِي الخبر ما يسقط هَذَا وهو قوله: " هل من سائل فيعطى سؤله؟
[ ١ / ٢٦٣ ]
هل من مستغفر فيغفر له؟ " وهذه صفة تختص الذات، لا يصح وجودها من الرحمة والأفعال التي هي صفات قائمة بالذات.
فإن قيل: قوله " ينزل " معناه تنزل ملائكته بهذا النداء وبهذا الدعاء فيضاف ذَلِكَ إليه كما يقال: ضرب الأمير اللص، ونادى فِي البلد، ومعناه: أمر بذلك، وكذلك قوله: " ينزل عشية عرفة " يحمل عَلَى ملائكته وعلى نزول رحمته.
قيل: هَذَا غلط لوجوه أحدها: أن فِي الخبر: " ينزل ربنا، ﷿، " وهذا لا يصح حمله عَلَى ملائكته، كما إذا قيل: نزل الملك ببلد كذا لا يعقل منه نزول أصحابه.
الثاني: قد روي فِي بعض الألفاظ ما يسقط هَذَا
٢٦٢ - وهو ما حَدَّثَنَاهُ أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي الدرداء،
عن النبي، ﷺ، أنه قَالَ: " إن الله، ﷿، ينزل فِي ثلاث ساعات يبقين من الليل فيفتح الذكر فِي الساعة الأولى، الذي لم تره عين فيمحوا الله ما يشاء ويثبت، ثم ينزل فِي الساعة الثانية إلى جنة عدن، وهي داره وهي مسكنه التي لم ترها عين ولم يخطر عَلَى قلب بشر، وهي مسكنه لا يسكنها معه من بني آدم إلا ثلاث: النبيون والصديقون والشهداء، ثم ينزل فِي الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا وملائكته، فتنتفض فيقول: قومي بعزتي، ثم يطلع إلى عباده فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ ألا من يسألني فأعطيه؟ ألا من داع فأجيبه؟ حتى تكون صلاة الفجر، ولذلك يَقُول الله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾
[ ١ / ٢٦٤ ]
وهذا يسقط التأويل، لأنه قَالَ: " ينزل فِي الساعة الثالثة إلى سماء الدنيا وملائكته "، فأثبت نزول ذاته ونزول ملائكته.
فإن قيل: يحتمل قوله: " ينزل وملائكته " معناه ينزل بملائكته قيل: هَذَا غلط لأن حقيقة الواو للعطف والجمع، ولأنه قَالَ فِي الخبر: " ألا من يسألني فأعطيه؟ ألا من داع فأجيبه؟ " وهذا القول لا يكون لملك الثالث: أنه إن جاز تأويل هَذَا عَلَى نزول ملائكته، جاز تأويل قوله: " ترون ربكم عَلَى رؤية ملائكته "
٢٦٣ - وجواب آخر جيد وهو ما رواه إبراهيم بن الجنيد الختلي فِي كتاب العظمة بإسناده، عن أنس، أن النبي، ﷺ، قَالَ: " إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينزل نزل بذاته "
فإن قيل: فقد روي بضم الياء " ينزل الله " وإذا كان كذلك، صح التأويل بأنه ينزل من أفعاله التي هي ترغيب لأهل الخير واستعطاف لأهل العطف
قيل: هَذَا غلط لأنه لا يحفظ هَذَا عن أحد من أصحاب الحديث أنه روى ذَلِكَ بالضم فلا يجوز دعوى ذَلِكَ، والذي يبين بطلان ذَلِكَ قوله: " ألا من يسألني فأعطيه؟ ألا من داع فأجيبه؟ " وهذه صفة تختص بها الذات دون الأفعال، وما هَذِهِ الزيادة ألا تحريف المبطلين لأخبار الصفات
فإن قيل: يحمل قوله: " ثم يعلوا " المراد به ملائكته
قيل: هَذَا غلط لأنه قَالَ فِي الخبر: " ثم يعلوا عَلَى كرسيه " وليس هَذِهِ صفة للملائكة لأن الكرسي مضاف إليه، وكذلك قوله: " ثم يرتفع " لا يصح حمله عَلَى الملائكة لأن هاء الكناية ترجع إلى المذكور
فإن قيل: أليس قد قَالَ تَعَالَى: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ وكان طمس الأعين من الملائكة بأمر الله، فلا يمتنع أن يكون تنزل الملائكة بأمر الله،
[ ١ / ٢٦٥ ]
وكذلك قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ وَقَالَ: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ وقوله تَعَالَى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ كل ذَلِكَ المراد به فعل يظهر منه كذلك هاهنا
قيل: هَذَا غلط لأن تِلْكَ الآيات لم يقترن بها ما دل عَلَى أن المراد به نفس الذات فالأمر فيها محتمل، فحمل عَلَى أفعاله، وأما هاهنا ففي سياق الخبر ما دل عَلَى أن المراد به الذات من الوجه الذي ذكرناه
فأما قوله فِي حديث أَبِي سعيد وأبي هُرَيْرَةَ: " إذا ذهب ثلث الليل هبط " فالقول فيه كالقول فِي الرواية المشهورة " ينزل " وأن ذَلِكَ إخبار عن هبوط الذات ونزولها، وأما قوله فِي حديث أَبِي الدرداء: " ينزل فِي الساعة الثانية جنة عدن وهي داره ومسكنه لا يسكنها معه إلا النبيون والصديقون والشهداء " فإنه غير ممتنع حمله عَلَى ظاهره، وأنه يجوز إطلاق القول بأن جنة عدن داره ومسكنه، لا عَلَى وجه الحد والجهة، كما أطلقنا القول بالاستواء عَلَى العرش، لا عَلَى وجه الجهة، وقد دل عَلَى صحته هَذَا الإطلاق قوله تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ فأخبر أنه فِي السماء، ولا يمتنع أيضا جواز إطلاق القول بأن الأنبياء والشهداء والصديقين سكان معه
٢٦٤ - ويشهد لذلك قوله تَعَالَى: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا سورة الإسراء
آية حَدَّثَنَا أَبُو القسم بإسناده، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، فِي قول: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا سورة الإسراء آية، قَالَ: يجلسه معه عَلَى السرير
وأما قوله فِي حديث أَبِي الدرداء: " يمحو الله ما يشاء ويثبت " فليس ذَلِكَ عَلَى معنى تغيير حكم قد استقر، لكن عَلَى معنى تجديد كراماته ونعمه، ويأتي الكلام عَلَى هَذَا مستوفى فِي قوله تَعَالَى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ سورة الرعد آية وهو مذكور فِي حديث النبي، ﷺ: " من سره أن يمد الله فِي عمره، ويوسع عليه فِي
[ ١ / ٢٦٦ ]
رزقه، فليتق الله وليصل رحمه "
وأما قوله فِي حديث أَبِي الدرداء: " وينزل فِي الساعة الثالث وملائكته " فغير ممتنع حمله عَلَى ظاهره، ويشهد له قوله تَعَالَى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا سورة الفجر آية وقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ سورة البقرة آية وقد امتنع قوم من إطلاق ذَلِكَ وقالوا قوله: " جنة عدن داره ومسكنه " معناه: دار كرامته ومثوبته، وهذا غلط لوجهين أحدهما: أن جنة عدن لا تختص بكرامته ومثوبته لأن سائر الجنان كذلك
والثاني: أنه إن جاز تأويله عَلَى هَذَا جاز تأويل الاستواء عَلَى العرش، عَلَى كرامته ومثوبته وتأولوا قوله:
" لا يسكنها معه إلا الأنبياء والشهداء " عَلَى أنه معهم بالنصرة والكرامة، وهذا غلط، لأن ذَلِكَ يسقط فائدة التخصيص بجنة عدن، لأنه ناصرهم فِي غيرها، ولأن لفظة السكنى لا تستعمل فِي النصرة
٢٦٥ - وقد ذكر أَبُو بكر النقاش فِي كتاب الرسالة فِي قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ لو كان الجائي غيره لكان الجائي غير الملك، وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه قَالَ: سألني رجل من الجهمية أنه قَالَ: إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلوا منه العرش؟ قَالَ: فقلت: يقدر أن ينزل ولا يخلوا منه العرش؟ قَالَ: فسكت، قَالَ: فقلت: إن قلت يقدر خصمت، وإن قلت لا يقدر كفرت، ولأن تكون مخصوما خير من أن يكون كافرا
قال إسحاق: وسألني رجل عن نزول الرب وما توهم الرجل عند ذَلِكَ، فقلت: ما توهم عند قوله: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ فيكون توهمك عند النزول مثل توهمك ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾
٢٦٦ - وقد ذكر أَبُو بكر عبد العزيز من أصحابنا فِي كتاب التفسير فِي قوله تَعَالَى:
[ ١ / ٢٦٧ ]
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ فقال: اختلف فِي صفة إتيان الرب فِي قوله إلا أن يأتيهم الله فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصف به نفسه من المجيء والإتيان والنزول، وغير جائز تكلف القول فِي ذَلِكَ لأحد، إلا بخبر من الله أو من رسوله، فأما القول فِي صفات الله وأسمائه، فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا
وقال آخرون: إتيان جل ذكره نظير ما يعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع، انتقاله من مكان إلى مكان
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ معناه: أمر الله، كما يقال: قد خشينا أن يأتينا بنو أمية، يراد به حكمهم
وقال آخرون: معنى ذَلِكَ هل ينظرون إلا أن يأتيهم ثوابه وحسابه وعقابه كما قَالَ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ وكما يقال: قطع الوالي اللص أو ضربه، وإنما قطعه أعوانه، وغلب أَبُو بكر الوجه الأول، وروى فِي ذَلِكَ بإسناده عن ابن عباس، أن النبي، ﷺ، قَالَ: " إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفا " وذلك قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ سورة
البقرة آية
٢٦٧ - وروي بإسناده حديثا طويلا ذكرت بعضه عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
[ ١ / ٢٦٨ ]
رسول الله، ﷺ: " توقفون موقفا واحدا يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم، ولا يقضي بينكم قد حصر عليكم فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى بلغ ذَلِكَ منكم الأذقان، ويلجمكم فتضجون، ثم تقولون: من يشفع لنا إلى ربنا حتى يأتوني فإذا جاءوني خرجت حتى آتي الفحص "، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يا رسول الله ما الفحص؟ قَالَ: " قدام العرش فأخر ساجدا " وذكر الخبر إلى أن قَالَ: " فيقول: قد شفعتك، فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينا نحن وقوف سمعنا حسا من السماء شديدا فهالنا، فنزل أهل السماء الدنيا بمثلي من فِي الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض لنورهم، فقلنا: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا وهو آت " وذكر الخبر إلى أن قَالَ: " ثم ينزل أهل السموات عَلَى قدر ذَلِكَ من التضعيف حتى نزل الجبار تَعَالَى ذكره فِي ظلل من الغمام والملائكة ولهم زجل من تسبيحهم، فينزل ربنا، ﵎، يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم عَلَى تخوم الأرض السفلى والسموات إلى حجزهم، والعرش عَلَى مناكبهم، فوضع الله، ﷿،
عرشه حيث شاء من الأرض ثم ينادي نداءا يسمع الخلاق " وذكر الخبر
قال أَبُو بكر: وبمثل ذَلِكَ روي الخبر عن جماعة من الصحابة والتابعين، ويؤكد صحة هَذَا وأن المراد بالإتيان والمجيء الذات قوله تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ فلما قصد إتيان الآيات صرح بذكرها.
[ ١ / ٢٦٩ ]