حديث آخر
٤١٤ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أنس بْن مالك، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " قَالَ اللَّه ﷿: يَا ابن آدم إن ذكرتني فِي نفسك ذكرتك فِي نفسي، وإن ذكرتني فِي ملإ ذكرتك فِي ملإ من الملائكة، أو قَالَ: فِي ملإهم خير منهم، وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا، وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولة "
٤١٥ - وناه أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " يقول اللَّه ﷿: أنا عند ظن عبدي وأنا معه حيث يذكرني، فإن ذكرني فِي نفسه ذكرته فِي نفسي، وإن ذكرني فِي ملإ ذكرته فِي ملإ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرا اقتربت إِلَيْهِ ذراعا، وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إِلَيْهِ باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة "
[ ٢ / ٤٤٢ ]
٤١٦ - وَناهُ أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ الْمُعَدَّلُ قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ، نا إِسْحَاقُ الْحُنَيْنِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، وَاللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِفَلاةٍ مِنَ الأَرْضِ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ ذِرَاعًا تَقَرَّبَ اللَّهُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ جَاءَ يَمْشِي أَقْبَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بِالْخَيْرِ يُهَرْوِلُ "
[ ٢ / ٤٤٣ ]
اعلم أن الكلام فِي هَذَا الخبر فِي فصول:
أحدها: أن اللَّه تَعَالَى يوصف بأن لَهُ نفسا
٤١٧ - وقد أومأ إِلَيْهِ أحمد فيما خرجه فِي الرد عَلَى الجهمية، فَقَالَ: إِذَا أردت أن تعرف أن الجهمي كاذب عَلَى اللَّه حين زعم أَنَّهُ فِي كل مكان وَلا يكون فِي مكان دون مكان، فقل لَهُ: أليس كان اللَّه وَلا شيء فحين خلق الشيء خلقه فِي نفسه أو خارجا من نفسه؟ فإن قَالَ: خلقه فِي نفسه كفرا؟ وإن قَالَ: خلقه خارجا من نفسه ثُمَّ دخل فيهم كان أَيْضًا كفر، حين دخل فِي مكان وحيز بل وحش، وإن قَالَ: خلقهم خارجا من نفسه ولم يدخل فيهم رجع عَن قوله وَهُوَ قول أهل السنة.
وهذا من كلام أحمد يدل عَلَى إثبات النفس، لأَنَّهُ جعل ذلك حجة عليهم، ولو لَمْ يعتقد ذلك لَمْ يحتج به، وقد أخبر بذلك فِي آي من كتابه منها قوله تَعَالَى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وقوله تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ وقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ولأنه ليس فِي إثبات النفس مَا يحيل صفاته وَلا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نثبت نفسا منفوسة مجسمة مركبة ذات روح، وَلا نثبت نفسا بمعنى الدم عَلَى مَا تقوله العرب: لَهُ نفس سائلة وليست لَهُ نفس ويريدون بذلك الدم، لأَنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ يتعالى عَن ذلك، بل نثبت نفسا هِيَ صفة زائدة عَلَى الذات، كَمَا أثبت لَهُ حياة ونفسا فقلنا حي بحياة، وباقي ببقاء،
[ ٢ / ٤٤٤ ]
وإن لَمْ يكن حياته وبقاءه عرضين كحياتنا وبقائنا، كذلك فِي النفس
فإن قِيلَ: فأثبتوا لَهُ روحا لأَنَّهُ قد وصف نفسه بذلك، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.
قيل: لا نثبت ذلك، لأَنَّ السمع لَمْ يرد بذلك عَلَى وجه الصفة للذات، وقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ المراد به أمره، لقيام الدليل عَلَى أن صفات ذاته لا تحل المحدثات، ويفارق هَذَا إثبات النفس، لأَنَّهُ ليس فِي إثباتها مَا يحيل صفاته وَلا يخرجها عما تستحقه لما ذكرنا.
فإن قِيلَ: ليس المراد بالنفس ها هنا إثبات صفة، وإنما المراد بذلك الذات، كَمَا تقول العرب: هَذَا نفس الأمر، ويريدون به إثبات الأمر لا أن لَهُ نفسا، وقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ معناه: عقوبته، وقيل: إياه، وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي فِي غيبي ﴿وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي غيبك، وقيل فِي قوله: ﴿وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ يرجع إِلَى نفس عِيسَى، وأضاف نفسه إِلَى اللَّه من طريق الملك والخلق، فيكون معناه: لا أعلم مَا فِي ملكك مما خلقته إِلا مَا أعلمتني، وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ﴾ معناه: كتب عَلَيْهِ، وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ معناه: اصطنعتك لذاتي أو لرسالتي، وقول النبي ﷺ: " ذكرته فِي نفسي " معناه: أخفيت ثوابه كَمَا أخفى ذكري فِي نفسه، وَمِنْهُ قوله تَعَالَى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وقول النبي ﷺ إخبارا عَن اللَّه ﷿: " أعددت لعبادي الصالحين مالا عين
[ ٢ / ٤٤٥ ]
رأت، وَلا أذن سمعت وَلا خطر عَلَى قلب بشر ".
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ إن جاز حمل النفس عَلَى الذات جاز حمل الحياة والبقاء عَلَى الذات فيقال: ذات حية ذات باقية، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات عَلَى أَنَّهُ حي بحياة وباقي ببقاء، كذلك جاز أَنْ يَكُونَ ذاتا بنفس، ولأن هَذَا يؤدي إِلَى جواز القول بأن اللَّه نفس، وأنه يجوز أن يدعا فيقال: يَا نفس اغفر لنا، وقد أجمعت الأمة عَلَى منع ذلك.
وأما تأويل قوله تَعَالَى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ معناه: لذاتي ورسالتي، فلا يصح لأَنَّهُ يسقط فائدة التخصيص بموسى، لأَنَّ غيره من الأنبياء اصطنعه لذاته ورسالته، فوجب أَنْ يَكُونَ لتخصيص النفس ها هنا فائدة.
وجواب آخر: وَهُوَ أن قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ المراد به اللَّه الَّذِي لَهُ النفس، وكذلك قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ المراد به اللَّه الَّذِي لَهُ النفس، وكذلك قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ المراد به اللَّه الَّذِي لَهُ النفس.
وجواب آخر: وَهُوَ أَنَّهُ لا يصح حمل قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ عَلَى عقوبته لأَنَّهُ قد قَالَ فِي سياقها: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ولو كان عَلَى مَا
[ ٢ / ٤٤٦ ]
قالوه لكان تقديره: وإلى عقوبة اللَّه المصير، وَلا يصح أَيْضًا حمل قوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ سورة الأنعام آية بمعنى عَلَيْهِ، لأَنَّ ذلك لا ينفي إثبات النفس صفة لَهُ، فيحصل تقديره، كتب ربكم عَلَيْهِ ذي النفس لأَنَّ النفس صفة لَهُ، ومثل هَذَا قوله تَعَالَى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ سورة النساء آية والمراد به بعلمه وذاته، لأَنَّ علمه لا يختص بذلك، وَلا يصح أَيْضًا حمل قوله: وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ سورة المائدة آية عَلَى غيبك لأَنَّ ذلك يسقط فائدة التخصيص، لأَنَّهُ غير عالم بغيب غير اللَّه تَعَالَى، فعلم أن المراد به النفس الَّتِي هِيَ صفة، وكذلك لا يصح حمله لا أعلم مَا فِي ملكك، لأَنَّهُ غير عالم بما فِي ملك غير اللَّه من المخلوقين، فلا فائدة من تخصيصه بالله تَعَالَى، فعلم أن المراد به مَا ذكرنا.
وأما حملهم النفس عَلَى إخفاء الثواب فلا يصح، لأَنَّهُ لا فائدة فِي إخفاء الثواب، بل الفائدة فِي إظهاره لأَنَّهُ يحصل به الترغيب فِي الطاعات، والحث عليها، ولهذا عدد الجنة وأنهارها وثمارها، كل ذلك حثا عَلَى الترغيب فِي الطاعات، وقوله تَعَالَى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ سورة السجدة آية فإنه لَمْ يخف ذكر الثواب، أَلا ترى أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ سورة السجدة آية فأثبت أن هناك مَا تقر به العين، وإنما أخفى تفصيل الثواب، وهكذا الجواب عَن قول النبي ﷺ: " مَا لا عين رأت وَلا أذن سمعت " معناه: لَمْ تر وتسمع بتفصيله، فأما جملته فقد أعلمنا به، وَلا يجوز إثبات روح
٤١٨ - وقد قَالَ أحمد فيما خرجه فِي الرد عَلَى الزنادقة فِي قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فَقَالَ: تفسير " روح اللَّه " إنما معناها أنها روح بكلمة اللَّه خلقها كَمَا يقال: عبد اللَّه،
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وسماء اللَّه، وأرض اللَّه.
الفصل الثاني:
ذكر العبد لله تَعَالَى فِي نفسه، معناه بحيث لا يعلمه أحد غيره، وَلا يطلع عَلَيْهِ سواه، قَالَ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: تعلم مَا أجنه وما أسره وأضمره، وَلا أعلم لي بما فِي نفسك مما أخفيته عني.
الفصل الثالث: قوله: " وإن ذكرني فِي ملإ ذكرته فِي ملإ خير مِنْهُ " فالمراد بالملإ: الملائكة، وقد صرح بذلك فِي لفظ آخر، وأنه تَعَالَى يشهدهم عَلَى مَا يفعل بهم من الكرامات، ويمدحهم ويثني عليهم عندهم.
وقد جعل قوم هَذَا حجة فِي تفضيل الملائكة عَلَى المؤمنين من بني آدم، ومن ذهب إِلَى تفصيل الأنبياء والأولياء من الآدميين عَلَى الملائكة يجيب عَن ذلك بأن مَعْنَى قوله " خير مِنْهُ " يرجع إِلَى الذكر، أي أَنَّهُ قَالَ بذكر خير من ذكره وأطيب مِنْهُ، لأَنَّ ذكر العبد لله دعاء وتضرع، وَذَكَرَ اللَّه إظهار رحمته وكرامته، وذلك خير للعبد وأنفع
[ ٢ / ٤٤٨ ]
٤١٩ - وأخرج إلي أَبُو محمد الحسن بْن محمد الخلال، عَن أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " المؤمن أفضل من الملائكة الذين عند اللَّه ﷿ ".
الفصل الرابع
قوله: " دنوت مِنْهُ ذراعا وباعا وأتيته هرولة " فليس المراد به دنو الذات وقربها فِي المسافة وإتيانها، وإنما المراد بذلك قرب المنزلة والحظ لديه، وكذلك قوله: " أتيته هرولة بالثواب " وأراد بذلك إسراع الثواب، ويحتمل أَنْ يَكُونَ المراد بالهرولة والسرعة والتضعيف فِي الثواب والزيادة فِيهِ، عَلَى مَعْنَى قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾
٤٢٠ - وقد روي هَذَا فِي حديث أَبِي ذر، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " يقول اللَّه ﷿: من عمل حسنة فله عشر أمثالها، ومن عمل سيئة فجزاؤه مثلها، ومن اقترب إلي شبرا اقتربت إِلَيْهِ ذراعا "
[ ٢ / ٤٤٩ ]
فدل هَذَا عَلَى أن المراد بذلك التضعيف، وَلا يكون المراد به السير، وإنما سماه ذلك توسعا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ والسعي هُوَ العدو والإسراع فِي المشي، وليس ذلك بمراد أنهم مشوا، بل المراد بذلك استعجالهم المعاصي، ومبادرتهم إِلَى فعلها، كذلك ها هنا، والذي يدل عَلَى
صحة هَذَا التأويل مَا تقدم فِي حديث أَبِي هريرة: " ومن جاء يمشي أقبل اللَّه إِلَيْهِ بالخير يهرول " وقد ذكرنا إسناده وهذه لفظة زائدة قضينا بها عَلَى غيرها من الألفاظ المطلقة.
ويعضد ذلك تفسير السلف:
٤٢١ - وَهُوَ مَا نا أَبُو عبد اللَّه بْن البغدادي، عَن ابن مالك، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن أحمد، عَن أحمد بِإِسْنَادِهِ، عَن أنس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ ذكر الحديث قَالَ قتادة: " والله أسرع بالمغفرة ".
ويفارق هَذَا مَا تقدم من أخبار النزول إِلَى السماء الدنيا، ومجيئه فِي ظلل من الغمام، وأنها محمولة عَلَى ظاهرها فِي نزول الذات ومجيء الذات لا عَلَى وجه الانتقال، ولم يجز تأويله عَلَى نزول ثوابه وكراماته، لأَنَّهُ لَمْ يرد فِي ألفاظه مَا دل عَلَيْهِ، وها هنا قد جاء التفسير من النبي ﷺ فلهذا حملناه عَلَيْهِ
[ ٢ / ٤٥٠ ]
حديث آخر
٤٢٢ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " يد اللَّه عَلَى الجماعة "
[ ٢ / ٤٥١ ]
٤٢٣ - ورواه أَبُو بكر النجاد فِي سننه، وأبو عبد اللَّه بْن بطة بِإِسْنَادِهِ، عَن أسامة بْن شريك، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ووضع يده عَلَى فِيهِ: " يد اللَّه عَلَى الجماعة، فإذا شذ الشاذ تخطفه الشيطان كَمَا يتخطف الذئب الشاذ من الغنم "
[ ٢ / ٤٥٢ ]
اعلم أن الكلام فِي هَذَا فِي فصلين: أحدهما: فِي " اليد " والثاني فِي قوله: " عَلَى الجماعة ".
أما الأول: فإنه غير ممتنع حمل اليد ها هنا عَلَى أنها يد صفة للذات كقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وكذلك قوله: " قلب العبد بين أصبعين من أصابع الرَّحْمَنِ " عَلَى أنها صفة للذات كذلك ها هنا
فإن قِيلَ: إنما لَمْ تحمل اليد فِي خلق آدم عَلَى الذات، لأَنَّ فِي ذلك إبطال فضيلة آدم وتشريفه عَلَى إبليس، لأَنَّ إبليس أَيْضًا مخلوق بالذات.
قيل: قد أجبنا عَن هَذَا السؤال فِي حديث الساعد بما فِيهِ كفاية، وعلى أن الخبر قصد به تشريف الجماعة ومدحها، والحث عَلَى متابعتها وذم مفارقتها، فإذا حمل الخبر عَلَى الذات أبطلنا فضيلة الجماعة، لأَنَّ غير الجماعة هُوَ معها
فإن قِيلَ: تحمل اليد ها هنا عَلَى الذات كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ معناه: مما عملنا، وكقوله: ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾
[ ٢ / ٤٥٣ ]
معناه: مما ملكتم أنتم، كقوله تَعَالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ معناه: المالك لعقدة النكاح، لأنا رأينا من يملكه مقطوع اليد.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ إن جاز تأويل اليد ها هنا عَلَى الذات جاز تأويل قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عَلَى
الذات، ولأن هَذَا يؤدي إِلَى جواز القول بأن اللَّه يد لأَنَّهُ قد عبر عَن الذات باليد وأنه يجوز أن يدعا فيقال: يَا يد اغفر لنا، وقد أجمعت الأمة عَلَى خلافه.
وجواب آخر
وهو أن يسقط فائدة التخصيص بالجماعة، لأَنَّ ذاته مع الواحد أَيْضًا، فعلم أن تخصيص الجماعة لَهُ فائدة وأما قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ فإنما انتقلنا عَن ظاهره لدليل وَهُوَ حصول الإجماع عَلَى أَنَّهُ لَمْ تخلق الأنعام بيده، وَمِنْهُ قول النبي ﷺ: " إنها جزء من جزء "، وكذلك قوله: ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قد دل الدليل عَلَى أن المراد به ملكنا من العبيد، وكذلك قوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ قام الدليل عَلَى أن المراد به الملك، وليس ها هنا مَا دل عَلَى ذلك فحملناه عَلَى ظاهره.
الفصل الثاني:
في قوله " عَلَى الجماعة " معناه هُوَ معهم بالنصرة لهم
٤٢٤ - وقد قَالَ أحمد فِي قوله تَعَالَى لموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ أدفع عنكما، وقوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ إِلَى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فِي الدفع عنا، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يقول فِي النصر لهم عَلَى عدوهم، وقوله: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا﴾ إِلَى قوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [سورة محمد آية ٣٥]
[ ٢ / ٤٥٤ ]
في النصر لكم عَلَى عدوكم، والوجه مِنْهُ أن الخبر قصد به الترغيب فِي لزوم الجماعة
٤٢٥ - وقد رَوَى أَبُو عبد اللَّه بْن بطة بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " من ترك الطاعة، وفارق الجماعة، ثُمَّ مات فقد مات ميته جاهلية "
٤٢٦ - وَرَوَى النعمان بْن بشير، قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " الجماعة رحمة والفرقة عذاب "
٤٢٧ - وَرَوَى معاذ بْن جبل، أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إن الشيطان ذئب الإنسان
[ ٢ / ٤٥٥ ]
كذئب الغنم، يأخذ الشاذة والقاصية والناحية، وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة "
٤٢٨ - وَرَوَى سعد بْن أَبِي وقاص قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة "
٤٢٩ - وقد رَوَى ابن فورك، عَن مكحول، عَن أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " عليكم بالجماعة فإن يد اللَّه مع الفسطاط " وَقَالَ: مَعْنَى الفسطاط: المدينة، ولذلك قِيلَ لمصر فسطاط، فيكون معناه: إن اللَّه مع السواد العظم ومع أهل الأمصار، وأن من شذ منهم وفارقهم فِي الرأي، فليس عَلَى الحق
[ ٢ / ٤٥٦ ]
٤٣٠ - ورأيت هَذَا الحديث فِي غريب الحديث لابن قتيبة فَقَالَ: يرويه سويد بْن عبد العزيز، عَن النعمان بْن المنذر، عَن مكحول، عَن أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " عليكم بالجماعة فإن يد اللَّه عَلَى الفسطاط " وتكلم عَلَيْهِ نحو مَا تكلم به ابن فورك، وزاد عَلَيْهِ بما هُوَ فِي معناه
[ ٢ / ٤٥٧ ]
حديث آخر فِي هَذَا المعنى
٤٣١ - ناه أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ بَيَانٍ الزَّبِيبِيِّ، قُلْتُ: حَدَّثَكُمُ الْحَسَنُ بْنُ عَلُّوَيْهِ هُوَ الْعَطَّارُ قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الأَعْرَجِ، قَالَ: نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: نا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَدُ الرَّحْمَنِ ﷿ عَلَى رَأْسِ الْمُؤَذِّنِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ أَذَانِهِ، وَإِنَّهُ لَيُغْفُر لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ "
٤٣٢ - وَفِي مَعْنَاهُ مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ: نا الْقَاضِي ابن عُمَرُ بْنُ سُنْبُكٍ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، نا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَدَثَانِيُّ، نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَا الْتَقَى صَفَّانِ قَطُّ إِلا كَانَ كَفُّ الرَّحْمَنِ جَلَّ اسْمُهُ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَهْزِمَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَمَالَ كَفَّهُ نَحْوَهُ وَانْكَفَأَ "
[ ٢ / ٤٥٨ ]
٤٣٣ - وَفِي مَعْنَاهُ مَا نا أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ جُمْهُورٍ، نا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، نا يَحْيَى بْنُ سَعيِدٍ الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْءَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ ﷿ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا لِلْخِلافَةِ مَسَحَ نَاصِيَتَهُ بِيَمِينِهِ ".
اعلم أن قوله: " يد اللَّه عَلَى رأس المؤذن " القول فِيهِ كالقول فِي " يد اللَّه عَلَى الجماعة " لأَنَّهُ فِي معناه، لأَنَّهُ قصد به المدح والثناء، وأما قوله: " مسح عَلَى ناصيته بيمينه " القول فِيهِ كالقول: " لما خلق آدم مسح ظهره فاستخرج الذرية بعضها بيمينه وبعضها بشماله " وأن ذلك عَلَى ظاهره
[ ٢ / ٤٥٩ ]
وأما قوله: " كف الرَّحْمَنِ بينهما " فيحتمل أَنْ يَكُونَ المراد به نصره معهما، لأَنَّ دلالة الحال تدل عَلَيْهِ، وَهُوَ القتال، كَمَا قَالَ أحمد فِي قوله تَعَالَى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ حمله عَلَى النصرة لدلالة الحال
[ ٢ / ٤٦٠ ]
حديث آخر
٤٣٤ - رَوَاهُ ابن فورك، ثُمَّ رأيته بعد ذلك فِي غريب الحديث لابن قتيبة فَقَالَ: حدثنيه أَبُو الخطاب زياد بْن يَحْيَى بْن حسان قَالَ: نا أَبُو عتاب، عَن عِيسَى بْن عبد الرَّحْمَنِ السلمي قَالَ: حَدَّثَنِي عدي
بْن ثابت، عَن البراء بْن عازب، أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إن فلانا هجاني وَهُوَ يعلم أني لست بشاعر، فاهجه اللهم والعنه عدد مَا هجاني ".
وتكلم عَلَى تأويله فَقَالَ: " قوله: " اللهم اهجه " أي جازه عَلَى الهجاء كَمَا قَالَ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ﴾ وليس الثاني اعتداء وَلا سيئة فِي الحقيقة، وإنما سمي باسمه لما كان جزاء لَهُ وكذلك قوله: ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقوله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾.
ومنه قول الشاعر:
أَلا لا يجهلن أحد علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا
[ ٢ / ٤٦١ ]
فسمى الجزاء عَلَى الجهل جهلا، كذلك قوله: " فاهجه اللهم " أي جازه عَلَى هجائه بعقوبة تحلها به.
واعلم أَنَّهُ غير ممتنع عَلَى أصلنا إطلاق الهجو عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، لأَنَّهُ الهجو هُوَ: الذم وقد ذم اللَّه تَعَالَى أَبَا لهب بقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وسمت العرب هَذِهِ السورة هجو أَبِي لهب، وكذلك الاستهزاء والسخرية لا يمتنع وصف اللَّه تَعَالَى بهما، لأَنَّ الاستهزاء والسخرية هُوَ الانتقاص والاستهانة، وقد ينتقص اللَّه أقواما ويهون بهم، قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ وقال النبي ﷺ: " الميزان بيد الرَّحْمَنِ يرفع أقواما ويضع آخرين "
[ ٢ / ٤٦٢ ]
حديث آخر
٤٣٥ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي سعيد الخدري قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " إن اللَّه جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى نعمه عَلَى عبده، ويبغض البؤس والتباؤس "
[ ٢ / ٤٦٣ ]
٤٣٦ - وناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن عامر بْن سعد، عَن أبيه، أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إن اللَّه جميل يحب الجمال، وجواد يحب الجود، وكريم يحب الكرماء، طيب يحب الطيب، ونظيف يحب النظافة، فنظفوا بيوتكم، ونظفوا بيوتكم، ونظفوا ساحاتكم وَلا تشبهوا باليهود تجمع الأكناس فِي دورها "
[ ٢ / ٤٦٤ ]
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع وصفه تَعَالَى بالجمال وأن - ذلك صفة راجعة إِلَى الذات، لأَنَّ الجمال فِي مَعْنَى الحسن، وقد تقدم فِي أول الكتاب قوله: " رأيت ربي فِي أحسن صورة "، وبينا أن ذلك صفة راجعة إِلَى الذات كذلك ها هنا، ولأنه ليس فِي حمله ظاهره مَا يحيل صفاته وَلا يخرجها عما تستحقه، لأَنَّ طريقه الكمال والمدح، ولأنه لو لَمْ يوصف بالجمال جاز أن يوصف بضده وَهُوَ القبح، ولما لَمْ يجز أن يوصف بضده جاز أن يوصف به، أَلا ترى أنا وصفناه بالعلم والقدرة والكلام لأَنَّ فِي نفيها إثبات أضدادها وذلك مستحيل عَلَيْهِ، كذلك ها هنا
فإن قِيلَ: قوله: " جميل " بمعنى: مجمل من شاء من خلقه، لأَنَّ فعيل قد يجيء عَلَى مَعْنَى: مفعل، وَمِنْهُ قولنا: حكيم والمراد محكم لما فعله.
قِيلَ: هَذَا غلط، لأَنَّ الخبر ورد عَلَى سبب، وَهُوَ الحث لهم عَلَى التجمل فِي صفاتهم لا عَلَى مَعْنَى التجميل فِي غيرهم فكان مقتضى الخبر: إن اللَّه جميل فِي ذاته يجب أن تتجملوا فِي صفاتكم، فإذا حمل الخبر عَلَى فعل التجميل فِي الغير، عدل بالخبر عما قصد به
[ ٢ / ٤٦٥ ]
فإن قِيلَ: مَعْنَى الجمال ها هنا الإحسان والإفضال، فيكون معناه: هُوَ المظهر النعمة والفضل عَلَى من شاء من خلقه برحمته.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ قد ذكر الجمال والإحسان والإفضال فَقَالَ: " جميل يحب الجمال، وجواد يحب الجود، وكريم يحب الكرماء " فإذا حملنا الجمال عَلَى ذلك حمل اللفظ عَلَى التكرار وعلى مَا لا يفيد. وجواب آخر: وَهُوَ أن نعم اللَّه ظاهرة، فحمل الخبر عَلَى هَذَا يسقط فائدة التخصيص بالجمال
[ ٢ / ٤٦٦ ]
حديث آخر
٤٣٧ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن علي بْن أَبِي طالب، وأبي هريرة، وأنس قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " إن اللَّه رفيق يحب الرفق، ويعطي عَلَيْهِ مَا لا يعطي عَلَى العنف ".
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع وصفه بالرفق لأَنَّهُ ليس فِي ذلك مَا يحيل عَلَى صفاته، وذلك أن الرفق هُوَ الإحسان والإنعام وَهُوَ موصوف بذلك لما فيها من المدح، ولأن ذلك إجماع الأمة، لأنهم يقولون: يَا رفيق ارفق بنا فِي أحكامك، ولأنه إن امتنع وصفه بالرفق جاز وصفه بضده
[ ٢ / ٤٦٧ ]
حديث آخر
٤٣٨ - ناه أَبُو الْقَاسِم قَالَ: نا أحمد بْن عبد العزيز بْن جعفر إجازة قَالَ: نا أَبُو الطيب عبد اللَّه بْن محمد بْن فراح قَالَ: نا بشر بْن مُوسَى، ومحمد بْن مسلمة قالا: نا حرملة قَالَ: حدث سليمان بْن حميد، أَنَّهُ سمع محمد بْن كعب القرظي يحدث، عَن عمر بْن عبد العزيز قَالَ: إِذَا فرغ اللَّه من أهل الجنة وأهل النار، أقبل يمشي فِي ظلل من الغمام والملائكة، فيقف عَلَى أول أهل درجة فيسلم عليهم، فيردون ﵇ وَهَذَا فِي القرآن: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فيقول: " سلوني، فيقولون: ماذا نسألك، فوعزتك وجلالك وارتفاعك فِي مكانك، لو أنك قسمت علينا رزق الثقلين الجن والإنس لأطعماهم وأسقيناهم، وَلا ينقص، ذلك مما عندنا، قَالَ: بلى سلوني: قالوا: نسألك رضاك، قَالَ: رضائي أحلكم دار كرامتي، فيفعل هَذَا بأهل كل درجة حتى ينتهي إِلَى مجلسه، ولو أن امرأة من الحور اطلعت بسوارها من العرش لأطفأ نور سوارها الشمس والقمر "
[ ٢ / ٤٦٩ ]
اعلم أن هَذَا الحديث وإن كان موقوفا فإن ظاهر القرآن يشهد لَهُ، وَهُوَ قوله تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وَرَوَى بعض هَذِهِ الألفاظ مرفوعا إِلَى النبي ﷺ
٤٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي الْفَتْحِ قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ ابْنِ بِنْتِ مَنِيعٍ وَأَنَا أَسْمَعُ، حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُخْتَارِ قَالَ: نا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ زَمْعَةَ بْنَ صَالِحٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ وَهْرَامٍ أَخْبَرُه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ مِنَ الْغَمَامِ طَاقَاتٍ يَأْتِي اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مَحْفُوفًا بِالْمَلائِكَةِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ".
وإذا كان ظاهر القرآن والسنة يشهد لَهُ وجب إمراره عَلَى ظاهره، كَمَا وجب إمرار غيره من الصفات، إذ ليس فِي ذلك مَا يحيل صفاته، وذلك أنا لا نصف مشيه ووقوفه عَلَى أهل الدرجات وانتهاءه إِلَى مجلسه عَن انتقال وزوال، بل نطلق ذلك كَمَا أطلقنا استواءه عَلَى العرش لا عَن انتقال مع قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ و" ثُمَّ " فِي كلام العرب للمهلة والتراخي، وَكَمَا أثبتنا تجليه للجبل ولموسى لا عَن انتقال، كذلك ها هنا.
ويشهد لهذا الخبر عَلَى أصولنا نزوله إِلَى سماء الدنيا ووضعه القدم، ووطيه بوج،
[ ٢ / ٤٧٠ ]
وقد تقدم الكلام فِي ذلك.
فإن قِيلَ: محمد وقع إِلَيْهِ كتب من يهود قريظة فكان ينظر فيها فيروي عنها، وقيل: إن الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ زمعة وسلمة بْن وهرام وعكرمة وكلهم ضعفاء.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّ الحدي الَّذِي رويناه غير موقوف عَلَى محمد بْن كعب، وإنما رَوَاهُ عَن عمر بْن عبد العزيز وَهُوَ من أعيان التابعين وعلمائهم.
ولو كان موقوفا عَلَى محمد بْن كعب لَمْ يضر أَيْضًا لأَنَّ محمد بْن كعب من العلماء الثقات، رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وعن جابر وغيرهما من الصحابة، وَلا يجوز أن يظن به أَنَّهُ يروى فِي شرعنا مَا هُوَ باطل منسوخ، ويجب أن يحسن الظن فِيهِ.
ولأنا قد بينا فيما تقدم أن سائر الشرائع لا تختلف فيما يتعلق بصفات اللَّه تَعَالَى.
وأما قولهم: رَوَاهُ زمعة، وسلمة، وعكرمة وهم ضعفى، فلا يصح لأَنَّ الإسناد الَّذِي رويناه من طريق محمد بْن كعب ليس فِيهِ واحد من هؤلاء، وإنما ذلك فِي حديث ابن عباس، وقد ذكرنا طريق إسناد محمد بْن كعب مع أن هؤلاء ثقات عدول لا نعلم أحدا أطعن عليهم وَلا قدح فِي عدالتهم وَلا امتنع من الرواية عنهم
فإن قِيلَ: نحمل قوله: " يمشي " يرجع إِلَى أفعاله، مثل قولنا: يعدل ويحسن ويخلق ويحرك ويشكر، وقوله: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ سورة البقرة آية معناه:
[ ٢ / ٤٧١ ]
مقدرها ومدبرها، أو عَلَى فوق الغمام لا عَلَى أَنَّهُ فيها كقوله: فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ سورة التوبة آية أي: فوقها، وقوله: وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ سورة طه آية أي: عَلَى جذوعها، ويحتمل أن يحمل وقوفه عَلَى أهل الدرجات يَعْنِي يكرم أهل الدرجات درجة بعد درجة، وقوله: " حتى ينتهي إِلَى مجلسه " معناه العود إِلَى أفعاله قبل أن يحدث لهم مَا أحدث، كَمَا يقال: جاء الخير يعدوا عدوا، والمراد به سرعة الإقبال عليك.
قيل: هَذَا غلط، أما حمل المشي عَلَى أفعاله فلا يصح لأَنَّ فِيهِ إسقاط فائدة التخصيص بذلك اليوم، لأَنَّ أفعاله وأوامره جائزة قبل ذلك اليوم، ولأنه أضاف ذلك إِلَى الغمام، وذلك غير مختص به، ولأنه إن جاز حمله عَلَى ذلك وجب أن يحمل قوله: " ترون ربكم " عَلَى رؤية أفعاله وكذلك تجليه للجبل عَلَى ظهور أفعاله، ولما لَمْ يجز ذلك هناك كذلك ها هنا.
وأما تأويل قوله: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ سورة البقرة آية عَلَى تدبيرها فلا يصح، لأَنَّهُ لَمْ يزل مدبرا لَهَا فِي دار الدنيا، فيجب أَنْ يَكُونَ لهذا التخصيص بذلك اليوم فائدة، وقولهم لذا نحمل " فِي " بمعنى " عَلَى "، فإنما يجب الامتناع من إطلاق ذلك إِذَا كان فِيهِ إثبات الظرف والمكان، ونحن لا نصفه بالظرفية والمكان، بل نصفه بذلك عَلَى نحو مَا وصفناه جميعا بالعلو عَلَى العرش، لا عَلَى مَعْنَى الجهة، وإن كنا نعلم أن العلو ضد السفل، وَكَمَا نجيز رؤيته فِي الآخرة فِي جهة، وَكَمَا نحن فِي علم اللَّه لا عَلَى مَعْنَى الظرف.
وأما تأويلهم " الانتهاء إِلَى مجلسه " عَلَى العود إِلَى أفعاله فلا يصح، لأَنَّ الأفعال لا تسمى مجلسا فِي لغة العرب، وعلى أَنَّهُ إنما يجب الامتناع من إطلاق المجلس إِذَا أريد به المكان والجهة، فأما إِذَا لَمْ يرد به ذلك لَمْ يمتنع إطلاقه، كالاستواء عَلَى العرش
[ ٢ / ٤٧٢ ]
حديث آخر
ذكره ابن فورك ولم يقع لي عن النبي ﷺ قَالَ: " دخلت عَلَى ربي فِي جنة عدن شابا جعدا فِي ثوبين أخضرين "
[ ٢ / ٤٧٣ ]
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع حمل الخبر عَلَى ظاهره فِي جواز دخوله عَلَيْهِ الجنة، عَلَى وجه لا يوجب الجهة والحد، كَمَا جاز وصفه بالاستواء عَلَى العرش لا عَلَى مَعْنَى الجهة، وجواز رؤيته فِي الآخرة لا فِي جهة، ولأنه قد قَالَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ فإذا جاز إطلاق الوقوف عَلَيْهِ كان إطلاق الدخول عَلَيْهِ أولى.
وأما الصفة الَّتِي ذكرها فقد تقدم فِي أول الكتاب ذكرها فِي حديث ابن عباس وأم الطفيل، وبينا أَنَّهُ غير ممتنع إطلاق ذلك عَلَيْهِ، لا عَلَى وجه التشبيه والأبعاض والأجزاء بل نطلق ذلك صفة، كَمَا أطلقنا صفة الوجه واليدين والعين ونحو ذلك، لا عَلَى وجه الأبعاض والأجزاء.
فإن قِيلَ: قوله: " دخلت عَلَى ربي " معناه: دخلت دار ربي وجنة ربي بتقريبه لي وإكرامه إياي، كَمَا يقال فِي الموسم: أتيناك ربنا شعثا غبرا من كل فج عميق لتغفر لنا، ويقال: أقبل اللَّه عَلَى فلان بالكرامة، وأقبل فلان عَلَى اللَّه بطاعته، وَكَمَا يقال:
[ ٢ / ٤٧٤ ]
دخل فلان عَلَى رأي فلان، ويقال: دخل علي فلان فِي منزلي، لا أَنَّهُ دخل عَلَى بدنه، وإنما المعنى دخل داره.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ قصد بذلك الافتخار وقرب المنزلة، فإذا حملناه عَلَى دخول الجنة بطل ذلك المعنى، لأَنَّهُ يشركه فِيهِ غيره من الأنبياء والأولياء، وقول الناس أتيناك فقد فهم المقصود مِنْهُ، وَهُوَ أنهم أتوه راغبين فِي ثوابه.
فإن قِيلَ: قوله " شابا " يحتمل أَنْ يَكُونَ رأى فيها شابا من أوليائه عَلَى هَذِهِ الصفة، دون أَنْ يَكُونَ المذكور هُوَ اللَّه تَعَالَى، ويحتمل أن تكون الصفة راجعة إِلَى النبي ﷺ فكأنه قَالَ: وأنا شاب جعد.
قيل: هَذَا غلط، أما حمله عَلَى أَنَّهُ رأى فيها شابا فلا يصح، لأَنَّ هَذَا صفة وحال، والصفة والحال يرجع إِلَى مَا تقدم ذكره وَهُوَ اللَّه تَعَالَى، فأما بعض أوليائه فلم يتقدم ذكره، فلا يجوز حمله عَلَيْهِ.
وقولهم: إن الصفة راجعة إِلَى النبي ﷺ فلا يصح أَيْضًا، لأَنَّهُ لَمْ تكن هَذِهِ صفته فِي تلك الليلة، ولو تغيرت صفته فيها لنقل كَمَا نقل وضع اليد بين كتفيه، وقوله: " فيم يختصم الملأ الأعلى " وقد تكلمنا عَلَى هَذَا السؤال فِي أول الكتاب فِي قوله: " رأيت ربي ".
فإن قِيلَ: هَذَا الخبر كان رؤيا منام، والشيء يرى فِي المنام عَلَى خلاف مَا يكون.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّ النبي ﷺ إنما قصد بذلك بيان كرامته من ربه وقرب منزلته، فإذا حمل عَلَى خلاف مَا أخبر زال المقصود، ولأن مَا يخبر به شرع، وصفات اللَّه تَعَالَى اعتقادها شرع، فهو معصوم فِيهِ، وإذا كان معصوما استوى فِيهِ المنام وغيره، ولأنا قد بينا أن رؤيا الأنبياء وحي لأَنَّ أعينهم تنام وقلوبهم لا تنام
[ ٢ / ٤٧٥ ]