حديث آخر
١٦٨ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى بْنِ بَيَانٍ، قَالَ: نا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الْوَشَّاء، نا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ وَالأَبْيَضُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ".
أعلم أنه غير ممتنع إطلاق القبض عليه سُبْحَانَهُ وإضافتها إلى الصفة التي هي اليد التي خلق بها آدم، لأنه مخلوق باليد من هَذِهِ القبضة، فدل عَلَى أنها قبضة باليد، وفي جواز إطلاق ذَلِكَ أنه ليس فِي ذَلِكَ ما يحيل صفاته ولا يخرجها
[ ١ / ١٦٨ ]
عما تستحقه، لأنا لا نحمل القبضة عَلَى معنى الجارحة والعضو والبعض ومعالجة وممارسة، بل نطلق هَذِهِ التسمية كما أطلقنا قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، عَلَى ظاهره.
وكذلك الوجه والعين والاستواء لا فِي مكان
١٦٩ - وقد قَالَ أَحْمَد فِي رواية الميموني: من زعم أن يداه نعماه كيف يصنع بقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ مشددة، قَالَ الميموني: فقلت: " وحين خلق آدم بقبضة " يعني من جميع الأرض، والقلوب بين أصبعين وظاهر هَذَا منه الأخذ بظاهر الحديث.
فإن قيل: لا يجوز إطلاق ذَلِكَ عليه بل تحمل القبضة عَلَى معنى القدرة كقول القائل: فلان فِي قبضتي عَلَى معنى قادر عليه، وعلى هَذَا قوله تَعَالَى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: تحت قدرته وملكه.
قيل: هَذَا غلط لأن فيه إسقاط فائدة التخصيص بهذه القبضة لعلمنا بقدرته عَلَى جميع الأشياء، فلا معنى لإضافة القدرة إلى خلق آدم من قبضة قبضها، ولأن للقدرة أسماء أخص به من القبضة، ولأنه إن جاز أن تحمل القبضة عَلَى معنى القدرة وجب أن يحمل قوله: " ترون ربكم يوم القيامة " بمعنى ترون قدرته،
[ ١ / ١٦٩ ]
وكذلك قوله: " خلق آدم بيده " بمعنى بقدرته فأما قوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فلا يمتنع أن نقول فيه ما قلناه هاهنا.
فإن قيل: يحمل ذَلِكَ عَلَى معنى إظهار فعل هو الخلق والإختراع والإحداث كما قَالَ تَعَالَى: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ وكما قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ وليس ذَلِكَ طمسا وختما عَلَى معالجة.
قيل: هَذَا يسقط فائدة التخصيص بآدم لأن إظهار الفعل موجود عند خلق غير آدم من سائر البشر، ولأن لذلك اسما أخص به من القبض وهو الخلق والإختراع والأحداث، ولأن هَذَا يوجب أن يكون قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عَلَى معنى إظهار فعل، وكذلك يوجب تأويل قوله: " ترون ربكم " عَلَى رؤية أفعال يظهرها، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات عَلَى خلاف ذَلِكَ.
وأما قوله: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ ﴿نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ فإنما لم يضف ذَلِكَ إلى الصفة التي هي اليد لأنه لبس فِي الآية ما دل عَلَى ذَلِكَ وفي القبضة ما دل عليه من الوجه الذي ذكرنا وهو أنه مخلوق باليد من القبضة فدل عَلَى أنها قبضة باليد.
فإن قيل: تحمل القبضة عَلَى أنها لبعض الملائكة بأمر الله، كما يقال: ضرب الأمير اللص، وإنما أمر بضربه.
قيل: هَذَا غلط، لأن الخبر يقتضي أن آدم مخلوق من القبضة، وقد ثبت أن الخالق لآدم هو الله سُبْحَانَهُ، فوجب أن يكون هو القابض لا غيره، ولأنه إن جاز تأويله عَلَى هَذَا جاز تأويل قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ معناه بيدي بعض الملائكة
[ ١ / ١٧٠ ]
وأعلم أنه ليس بمنكر فِي العقول، أن يكون الله خلق طينة آدم من أجزاء أنواع الطين، وأن الأخلاق والخلق اختلفت وتفاوتت كما تفوت أجزاء الطين، لا لأجل أن تفاوتها أوجب ذَلِكَ بل حدوثها عَلَى تِلْكَ الوجوه التي حدثت عليه بقدرة الله واختياره، لكنه جعلها علامات لربوبيته ووحدانيته
حديث آخر
١٧٠ - حَدَّثَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: نا أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَرْبِيُّ، قَالَ: نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ أَبُو بَكْرٍ الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نا أَبُو عُثْمَانَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ أَوْ سَلْمَانَ، قَالَ: وَلا أُرَاهُ إِلا سَلْمَانَ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ، ﷿، لَمَّا خَمَّرَ طِينَةَ آدَمَ، ﵇، أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ فِيهِ، فَخَرَجَ كُلُّ طَيِّبٍ فِي يَمِينِهِ وَكُلُّ خَبِيثٍ فِي يَدِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ خَلَطَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: فَمِنْ ثَمَّ خَرَجَ الْحَيُّ مِنَ الْمَيِّتِ وَالْمَيِّتُ مِنَ الْحَيِّ أَوْ كَمَا قَالَ هَكَذَا حَدَّثَنَاهُ مَوْقُوفًا وَرُبَّمَا وَصَلَهُ بَعْضُهُمْ
[ ١ / ١٧١ ]
أعلم أن الخبر تضمن إثبات اليمين وتخمير الطين وخلط بعضه ببعض، وغير ممتنع إضافة ذَلِكَ إلى اليد التي خلق بها آدم ليس فِي ذَلِكَ ما يحيل صفاته، لأنا لا نحمل إثبات اليمين والتخمير والخلط عَلَى معنى الجارحة والعضو ومعالجة وممارسة، بل نطلق ذَلِكَ كما أطلقنا قوله: خلقت بيدي عَلَى ظاهره.
فإن قيل: يحمل قوله خمر وخلط عَلَى ما تقدم فِي الخبر الذي قبله، وهو أنه خمرها وخلطها بملكه وقدرته، أو أمر بعض المخلوقين من ملائكته بفعل ذَلِكَ.
قيل: هَذَا غلط لما تقدم من الجواب فِي الخبر الذي قبله، وهو أن فيه إسقاط فائدة التخصيص لأن قدرته تعم سائر الأشياء ولأن للقدرة اسما أخص به، ولأنه إن جاز ذَلِكَ هاهنا جاز فِي قوله: خلقت بيدي.
فإن قيل: إنما لم يحمل قوله: خلقت بيدي عَلَى القدرة، لأن فيه إبطال تفضيل آدم عَلَى إبليس، وليس فِي حمله هاهنا عَلَى القدرة إبطال ذَلِكَ.
قيل: فِي حمله عَلَى القدرة هاهنا إبطال فضيلة آدم أيضا، لأنه من هَذِهِ الطينة خلق، ولا يصح حمله أيضا عَلَى يد بعض المخلوقين ولا القدرة لما ذكرنا فِي الخبر الذي قبله، ولأن فِي الخبر ما يسقط ذَلِكَ، وهو قوله: " فخرج كل طيب فِي يمينه وكل خبيث فِي يده الأخرى "، وهذا صريح فِي إبطال القدرة لأن القدرة لا توصف باليمين والشمال، ولأن يد غير الله سُبْحَانَهُ لا توصف بأنه يخرج منها الخبيث والطيب، لأن هَذَا ابتداء خلق، وهو ما يختص الله به سُبْحَانَهُ.
فإن قيل: يحمل قوله: " فخرج كل طيب بيمينه " أي: بما أنعم عليه من توفيقه وتسديده، وكل خبيث فِي اليد الأخرى بما حرمه من معونته ونصرته، والعرب تستعمل لفظة اليمين عَلَى معنى الحظ والجد كما قَالَ القائل:
إذا ما راية رفعت لمجد … تلقاها عرابة باليمين
أي: بجد وحظ
[ ١ / ١٧٢ ]
قيل: لا يصح لأن الكلام يجب أن يرجع إلى ما تقدم ذكره، والذي تقدم ذكره: اليدان بقوله: " ثم ضرب بيديه فخرج كل طيب فِي يمينه " وجب أن يكون ذكر اليمين صفة لما تقدم ذكره من اليدين.
فأما النعم فلم يجر لها ذكر، ولأن النعم لا توصف باليمين وضدها.
فإن قيل يحمل قوله: " ثم ضرب بيديه ثم خلط بينهما " عَلَى معنى أنه لما خلق الذرية خلقها نوعين طيبا وخبيثا، وميزهما وجعل محل الطيب جانب اليمين عند يمين السعادة والتوفيق، وجعل محل الخبيث جانب اليسار من آدم أو من الملك الذي أمره بخلط الطينة ثم خلطهما بأن جعل الطيب فِي محل الخبيث والخبيث فِي المحل الطيب.
قيل: هَذَا غلط لأنه قد ثبت أنه خلقه بيديه فوجب أن يكون الخلط والضرب عائدا إليهما لأن بهما حصل الخلق، ولأنه لا يجوز حمله عَلَى الطائفتين لأن الطائفتين لا يقع عليهما اسم يدين ولا يمين وأعلم أن الخبر أفاد أن آدم، ﵇، كان أصله طينا عَلَى هَذَا الوجه هَذِهِ المدة، ويشبه أن يكون ما روي فِي الخبر: " أن النطفة تكون علقة أربعين يوما، ثم تكون مضغة مثلها، إلى أن ينفخ فيها الروح "، فكانت مدة تغير آدم من هيئة إلى هيئة كنحو مدة تغير النطفة، وإن كان أمر النطفة مفارق لطينة آدم من وجوه أخر ا هـ.
حديث آخر
١٧١ - ناه أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمخرمِيُّ، قَالَ: نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، أَنَّ
[ ١ / ١٧٣ ]
عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ فَمَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْخَيْرِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ "
١٧٢ - ونا أَبُو الْقَاسِمِ، قَالَ: نا أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَرْبِيُّ، قَالَ: نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفِرْيَابِيُّ، نا قُتَيْبَةُ، نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أَنَّهُ قَالَ: " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَذَكَرَ الْخَبَرَ إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَدَيْهِ فَأَخْرَجَ فِيهِمَا مَنْ هُوَ خَالِقٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، ثُمَّ قَبَضَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اخْتَرْ يَا آدَمُ، قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَكَ، يَا رَبِّ، وَكِلْتَا يَدَيْكِ يَمِينٌ، فَبَسَطَهَا فَإِذَا فِيهَا ذُرِّيَّتُهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ "
[ ١ / ١٧٤ ]
١٧٣ - وأنا أَبُو مُحَمَّد الحسن بن مُحَمَّد بإسناده، عن أَبِي نضرة، أن رجلا من أصحاب النبي، ﷺ، يقال له أَبُو عبد الله دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي، فقال: إني سمعت رسول الله، ﷺ، يَقُول: " إن الله قبض قبضة بيمينه وأخرى بيساره فقال: هَذِهِ لهذه، وهذه لهذه ولا أبالي " فلا أدري فِي أي القبضتين أنا "
[ ١ / ١٧٥ ]
١٧٤ - وروى أَبُو عبد الله بن بطة فِي الإبانة، حَدَّثَنِي أَبُو صالح مُحَمَّد بن ثابت ثال، نا أَبُو علي الحسن بن عليل العنزي، ونا أَبُو حفص عمر بن مُحَمَّد بن رجا، قَالَ: نا أَبُو جعفر مُحَمَّد بن داود البصروي قالا: نا العباس بن عبد العظيم العنبري، قَالَ: نا الهيثم بن خارجة، قَالَ: نا سُلَيْمَان بن عتبة أَبُو الربيع السلمي، قَالَ: سمعت يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أَبِي إدريس الخولاني، عن أَبِي الدرداء، عن النبي، ﷺ، قَالَ: " خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمين، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى، فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للتي فِي يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وَقَالَ للتي فِي يساره: إلى النار ولا أبالي ".
وروي أيضا عن أَبِي ابن جعفر، قَالَ: نا مُحَمَّد بن إسماعيل، قَالَ: نا وكيع، قَالَ: نا سفيان، عن حبيب بن أَبِي ثابت، عن ابن عباس، قَالَ: مسح الله ظهر آدم فأخرج فِي يمينه كل طيب، وأخرج فِي الأخرى كل خبيث.
وأعلم أن هَذَا الخبر يفيد جواز إطلاق القبضة عليه واليمين واليسار والمسح، وذلك غير ممتنع لما بينا فيما قبل من أنه لا يحيل صفاته، فهو بمثابة إثبات اليدين والوجه وغيرهما
[ ١ / ١٧٦ ]
فإن قيل: هَذَا الحديث تفرد بروايته مُحَمَّد بن إسماعيل وكان ضعيفا والمقبري وهو مدلس.
قيل: قد رويناه من غير هَذَا الطريق عَلَى أن مُحَمَّد بن إسماعيل وهو ابن فديك من أهل المدينة، وتفرده به لا يوجب ضعفه، وكذلك كون المقبري مدلسا لا يوجب رد خبره.
فإن قيل: إضافة القبضة إليه عَلَى معنى الملك والفعل.
قيل: هَذَا غلط لما بينا فيما قبل، وهو أن هَذَا يسقط فائدة التخصيص، لأن ملكه لا يختص للقبضة، ولأن لذلك أسماء أخص به، ولأن هَذَا يوجب تأويل اليدين أيضا.
فإن قيل: قوله: " اخترت يمين ربي " معناه اخترت من اختاره الله من أهل السعادة، وهم أولياؤه، وأضافه إلى اليمين لأنها محل للطيب.
قيل: هَذَا غلط لأن لذلك أسماء أخص به، ولأن هَذَا يوجب تأويل اليدين أيضا، ولأن الكلام يجب أن يحمل عَلَى ما تقدم ذكره، والذي تقدم ذكره ذكر اليدين، وحصول الخلق والمسح بهما، لا يوجب أن يكون اليمين والشمال صفة لهما.
[ ١ / ١٧٧ ]
فإن قيل: قوله: " اخترت يمين ربي " معناه رددت أمري إلى ربي واخترت ما اختاره.
قيل: هَذَا غلط، لأنه لو كان قد رد الأمر إليه لم يوجد منه اختيار، وفي الخبر اخترت.
فأما قوله: " وكلتا يديه يمين " قيل فيه: أنه لم يوصف باليدين ويد الجارحة تكون أحدهما يمينا والأخرى يسارا، واليسرى تنقص أبدا فِي الغالب عن اليمين فِي القوة والبطش عرفنا كمال صفة الله تَعَالَى، وأنه لا نقص فيها، وأن ما وصف به من اليدين ليس كما يوصف به الجوارح التي تنقص مياسره عن ميامنه
[ ١ / ١٧٨ ]
وقيل: معنى قوله: " كلتا يديه يمين " وصفه بغاية الجود والكرم والإحسان والتفضل، وذلك أن العرب تقول لمن هو كذلك: كلتا يديه يمين، وإذا نقص حظ الرجل وبخس نصيبه، قيل: جعل سهمه فِي الشمال، وإذا لم يكن عنه اجتلاب منفعة ولا دفع مضرة قيل: ليس فلان باليمين ولا بالشمال، ولذلك قَالَ
[ ١ / ١٧٩ ]
الفرزدق: كلتا يديه يمين غير مختلفة ا هـ.
وهذا لا بأس لأنه لا ينفي الصفة بل يثبتها عَلَى الكمال.
حديث آخر
١٧٥ - حَدَّثَنَاهُ أَبُو القسم عبد العزيز بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ يبلغ به النبي، ﷺ: " قَالَ الله جل اسمه: يابن آدم أنفق أنفق عليك، يمين الله جل اسمه سحاء - وفي لفظ آخر: إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ".
معنى سحاء: كثيرة العطايا لا ينقصها شيء، وهذا لا بأس به لأنه لا ينفي الصفة بل يثبتها عَلَى الكمال
[ ١ / ١٨٠ ]
حديث آخر
١٧٦ - حدثناه أَبُو القاسم بإسناده، عن عبد الله بن عمرو يبلغ به النبي، ﷺ، قَالَ: " المقسطون عند الله يوم القيامة عَلَى منابر من نور عن يمين الرحمن، ﷿، وكلتا يديه يمين ".
أعلم أن هَذَا الخبر يتضمن اليدين وإثبات اليمين، وقد تقدم ذكر ذَلِكَ، وبينا أنه ليس فِي إطلاق ذَلِكَ ما يحيل صفاته، لأن إطلاق اليمين كإطلاق اليد فإن قيل: قوله: " عن يمين الرحمن " معناه عن يمين عرش الرحمن عَلَى طريقة العرب فِي الحذف والإضمار، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ معناه حب العجل، وكما قَالَ الشاعر:
واستب بعدك يا كليب المجلس
يعني أهل المجلس.
قيل: هَذَا غلط لوجوه أحدها: قوله: " وكلتا يديه يمين " وهذا يدل عَلَى أن ذَلِكَ صفة ترجع إلى ذاته لأن العرش لا يوصف باليدين.
الثاني: أن اليمين إذا إضيفت إلى الذات اقتضت إضافة صفة، ولهذا إذا قيل: وقف الوزير عَلَى يمين الخليفة إنما يعقل منه يمينه التي هي من صفته.
الثالث: أن حمله عَلَى ذَلِكَ يقتضي إضمارا فِي الخبر، وهو ذكر العرش والإضمار ترك حقيقة.
فإن قيل: قوله: " عن يمين الرحمن " المراد به المنزلة الرفيعة والمحل العظيم، لأنهم يقولون: كان فلان عندنا باليمين، أي كان عندنا بالمحل العظيم والمنزلة الرفيعة، قَالَ الشاعر:
أقول لناقتي إذ بلغتني … لقد أصبحت عندي باليمين
[ ١ / ١٨١ ]
أي بالمحل الجليل.
قيل: هَذَا غلط لأنه لو أراد ذَلِكَ لقال: المقسطون فِي يمين الرحمن، معناه فِي المنزلة الرفيعة لأنه يقال: فلان عندنا فِي المنزلة الرفيعة، ولأنه قَالَ: " وكلتا يديه يمين " فلو كان المراد به المنزلة لم يكن لذكر اليد معنى.
فإن قيل: حمله عَلَى ظاهره يستحيل عَلَى الله سُبْحَانَهُ لأنه يؤدي إلى وصفه بالحد والجهة.
قيل: لا يفضي إلى ذَلِكَ، كما أن قوله: " ترون ربكم كما ترون القمر " حملناه عَلَى ظاهره، وإن كنا نعلم أن رؤية القمر فِي جهة ومحدودة، والله تَعَالَى لا فِي جهة ولا محدود، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ تطلق هَذِهِ الصفة وإن كان العرش فِي جهة، ولم يوجب ذَلِكَ وصفه تَعَالَى بالجهة، كذلك هاهنا.
حديث آخر
١٧٧ - حَدَّثَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ، قَالَ: نا الْقَاضِي عُمَرُ بْنُ سنبكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ نَصْرِ بْنِ زِيَادٍ، نا أَبُو سَالِمٍ الْعَلاءُ بْنُ مَسْلَمَةَ الرَّوَّاسِيُّ، نا أَبُو حَفْصٍ الْعَبْدِيُّ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " الْحَجَرُ فِي الأَرْضِ يَمِينُ اللَّهِ، جَلَّ اسْمُهُ، فَمَنْ مَسَحَ
[ ١ / ١٨٢ ]
يَدَهُ عَلَى الْحَجَرِ، فَقَدْ بَايَعَ اللَهَ، ﷿، أَنْ لا يَعْصِيَهُ "
١٧٨ - وروى ابن جريج، عن مُحَمَّد بن عباد بن جعفر المخزومي، قَالَ: سمعت عبد الله بن عباس يَقُول: إن هَذَا الركن الأسود يمين الله فِي الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه.
اعلم أن هَذَا الخبر ليس عَلَى ظاهره، لأن إضافة الحجر إلى أنه صفة ذات هي يمين، يحيل صفاته ويخرجها عما تستحقه، لأن الحجر جسم مخلوق حال فِي مخلوق وفي الأرض، والقديم سُبْحَانَهُ تستحيل عليه هَذِهِ الصفات، ويفارق
[ ١ / ١٨٣ ]
هَذَا ما تقدمه من إثبات اليمين فِي الخبر الذي قبله، وأن ذَلِكَ صفة ذات، لأنه لا يستحيل إضافتها إليه لأنها غير مستحيلة عليه، لأن إضافة اليمين إليه كإضافة اليد إليه، وذلك جائز، ومثل هَذَا غير موجود هاهنا.
يبين صحة هَذَا من كلام أَحْمَد أن فسر قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ قَالَ معناه: هو إله من فِي السموات وإله من فِي الأرض، وهو عَلَى العرش، فلم يحمل قوله: " وفي الأرض " عَلَى ظاهره بل تأوله وبين أنه عَلَى العرش، فوجب أيضا أن يمتنع من إطلاق صفة ذات فِي الأرض تلمس فِي جهة من الجهات.
وقد قيل فِي تأويله أوجه أحدها: أن هَذَا عَلَى طريق المثل وأصله أن الملك كان إذا صافح رجلا قبل الرجل يده، فكأن الحجر لله سُبْحَانَهُ بمنزلة اليمين للملك يستلم ويلثم وقد روي فِي الخبر " أن الله، ﷿، حين أخذ الميثاق من بني آدم وأشهدهم عَلَى أنفسهم ألست بربكم، قَالُوا: بلى جعل ذَلِكَ فِي الحجر الأسود ولذلك يقال إيمانا بك ووفاء بعهدك
[ ١ / ١٨٤ ]
وقد قيل فيه وجه آخر وهو أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: " الحجر يمين الله فِي أرضه " إنما أضافة إليه عَلَى طريق التعظيم للحجر وهو فعل من أفعال الله تَعَالَى سماه يمينا فنسبه إلى نفسه، وأمر الناس باستلامه ومصافحته ليظهر طاعتهم بالايتمار وتقربهم إلى الله سُبْحَانَهُ، فيحصل لهم بذلك البركة والسعادة.
وقيل: فيه وجه آخر أن معنى قوله: " يمين الله " أمان الله، لأن الحجر من جملة البيت وقد قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ولا بأس بهذه الوجوه للمعنى الذي ذكرنا من امتناع إضافة ذَلِكَ إلى الله سُبْحَانَهُ.
ويبين صحة هَذَا ما روي عن النبي، ﷺ، الحجر الأسود من ياقوت الجنة وإنما سودته خطايا بني آدم وأيضا قول عمر: لإني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع.
وهذا لا يقال فِي صفات القديم
[ ١ / ١٨٥ ]
حديث آخر
١٧٩ - نا أَبُو الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِجَازَةً، عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَلالِ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنِ الْحُسَيْنِ الرَّقِّيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ وَاسْتَلْقَى وَوَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى، وَقَالَ: إِنَّهَا لا تَصْلُحُ لِبَشَرٍ "
[ ١ / ١٨٧ ]
١٨٠ - وفي لفظ آخر عن عمرو بن عتبة بن فرقد وكعب بن عجرة أنهما كانا جالسين عند الأشعث بن قيس، قَالَ: فوضع إحدى رجليه عَلَى الأخرى فقال: ضعهما إنها لا تصلح لبشر
١٨١ - وفي لفظ آخر عن مُحَمَّد بن قيس، قَالَ: جاء رجل إلى كعب فقال: يا كعب أين ربنا؟ فقال له الناس: دق الله فاك أتسأل عن هَذَا؟ قَالَ لكعب: دعوة فإن يك عالما أزداد، وإن يك جاهلا تعلم، سألت أين ربنا وهو عَلَى العرش العظيم متكئ واضع إحدى رجليه عَلَى الأخرى
١٨٢ - ونا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ التَّمَّارُ، مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، قَالَ: نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَكَمِ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الأَبَّارُ أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ،
[ ١ / ١٨٨ ]
قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ جَاءَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ فَجَلَسَ يَتَحَدَّثُ وَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا يَابْنَ حُنَيْنٍ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ اشْتَكَى، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ فَوَجَدْنَاهُ مُسْتَلْقِيًا رَافِعًا رِجْلَهُ الُيْمَنى عَلَى الْيُسْرَى، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ وَجَلَسْنَا، فَرَفَعَ قَتَادَةُ يَدَهُ إِلَى رِجْلِ أَبِي سَعِيدٍ فَقَرَصَهَا قَرْصَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سُبْحَان اللَّهِ يَابْنَ أَخِي أَوْجَعْتَنِي، قَالَ: ذَاكَ أَرَدْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى خَلْقَهُ اسْتَلْقَى ثُمَّ رَفَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ خَلْقِي أَنْ يَفْعَلَ هَذَا " فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لا جَرَمَ وَاللَّهِ لا أَفْعَلُهُ أَبَدًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلالُ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَهُمْ مَعَ ثِقَتِهِمْ شَرْطُ الصَّحِيحَيْنِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ
١٨٣ - وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنَنِهِ، فَقَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّقِّيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي
[ ١ / ١٨٩ ]
الْمَسْجِدِ إِذْ جَاءَنِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ وَجَلَسَ إِلَيَّ وَتَحَدَّثَ، وَثَابَ إِلَيْنَا النَّاسُ، فَقَالَ قَتَادَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ وَاسْتَلْقَى، وَوَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى، وَقَالَ: إِنَّهَا لا تَصْلُحُ لِبَشَرٍ ".
أعلم أن هَذَا الخبر يفيد أشياء منها: جواز إطلاق الاستلقاء عليه، لا عَلَى وجه الاستراحة، بل عَلَى صفة لا تعقل معناها، وأن له رجلين كما له يدان، وأنه يضع إحداهما عَلَى الأخرى عَلَى صفة لا نعقلها، إذ ليس فِي حمله عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته، لأنا لا نصف ذَلِكَ بصفات المخلوقين بل نطلق ذَلِكَ كما أطلقنا صفة الوجه واليدين وخلق آدم بها، والاستواء عَلَى العرش، وكذلك جاز النظر إليه، لا فِي مكان، وكذلك إثبات الوجه لا عَلَى الصفة التي هي معهودة فِي الشاهد، وكذلك العين.
فإن قيل: لا يجوز حمل هَذَا الخبر عَلَى ظاهره بل يحمل قوله: " لما فرغ من خلقه استلقى " بمعنى ترك أن يخلق مثله ويديم ذَلِكَ كما يقال: فلان بنى داره وعمرها فاستلقى عَلَى ظهره بمعنى أنه ترك البناء، ولا يراد أنه اضطجع.
قيل: قولكم أنه لا يجوز حمله عَلَى ذَلِكَ غلط، لأنا قد بينا أنا لا نحمله عَلَى صفة تستحيل فِي صفاته، بل يجري فِي ذَلِكَ مجرى غيره من الصفات، وأما حمله عَلَى ترك أن يخلق مثله وترك الاستدامة لذلك فغلط أيضا، لأن لذلك اسما هو أخص به من الاستلقاء وهو ترك الخلق وقطع استدامته.
وجواب آخر: وهو أنه لا يصح حمله عَلَى قطع الاستدامة لأنه مستديم لخلقه ومستديم أيضا إيقاع خلق فِي السموات والأرض بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ فأخبر أنه فاعل لإمساكها بعد الفراغ منها
[ ١ / ١٩٠ ]
فإن قيل: قوله: " استلقى " بمعنى ألقى مخلوقاته عن الرجل يستلقي ويضع إحدى رجليه عَلَى الأخرى، قَالَ: ليس به بأس قد روي.
وقال حنبل: رأيت أَبَا عبد الله مستلقيا عَلَى قفاه واضعا إحدى رجليه عَلَى الأخرى.
قيل: هَذَا غلط، لأن قول كعب تضمن شيئين:
أحدهما: إثبات الرجلين صفة.
والثاني: منع هَذِهِ الجلسة وكراهتها، قام الدليل عَلَى جواز هَذِهِ الجلسة لخلاف السلف وأجازتهم له، وبقي إثبات الرجلين عَلَى ظاهره لأنه لم ينقل عنهم خلافه ولا رده، فوجب الرجوع إليه لأنه لا يجوز فِي حقه إثبات صفة برأيه واجتهاده.
حديث آخر فِي هَذَا المعنى
ناه أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْفَامِيُّ أَبُو الطَّيِّبِ، قَالَ: نا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: نا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ أَبُو عَلِيٍّ الْبَزَّازُ، قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، نا سَلَمَةُ بْنُ كُلْثُومٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ، أَنَّ رَجُلا مِنَ الْمُشْرِكِينَ سَبَّ النَّبِيَّ، ﷺ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُ، فَقُتِلَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " مَا تَعْجَبُونَ مِنْ رَجُلٍ نَصَرَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَقِيَ اللَّهَ غَدًا مُتَّكِيًا فَقَعَدَ لَهُ " وَالْكَلامُ فِيهِ كَالْكَلامِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ فِي الاسْتِلْقَاءِ سَوَاءٌ.
[ ١ / ١٩١ ]