وقد روي بألفاظ ففي:
١٠٢ - حديث أَبِي عبيدة بن الجراح: " فوضع يده حتى وجدت " وذكر كلمة نسيها الراوي
١٠٣ - وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رواه أَبُو بكر الخلال، عن النبي، ﷺ، قَالَ: " أتاني ربي فِي أحسن صورة، فقال: يا مُحَمَّد أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي
١٠٤ - وناه أَبُو القسم عبد العزيز بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ فوجدت برد أنامله بين ثديي
١٠٥ - وفي رواية ابن عباس فِي موضع آخر: " فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي ".
وأعلم أنه ليس فِي حمل هَذَا الخبر عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأننا نثبت كفا كما أثبتنا يدين وسمعا وبصرا ووجها، لا عَلَى وجه الجوارح والأبعاض، وليس أثبات تِلْكَ الصفات بأولى من إثبات الكف، لأننا نطلق اسم الوضع بين كتفيه كما أطلقنا خلقه لآدم بيديه فما يتطرق عَلَى
[ ١ / ١١٥ ]
هَذَا يتطرق مثله هناك، ورأيت بعضهم يَقُول غير ممتنع أن تلاقي كف الصفة لكتفي النبي، ﷺ، لا عَلَى منع ملاقاة الجسم للجسم، لكن عَلَى معنى ملاقاة الجسم لنور الشمس والقمر، قَالَ: وهذا ظاهر ما جاء فِي الحديث: " فوجدت بردها بين كتفي " ولأنه ليس فِي الملاقاة أكثر من مقاربة المحدث من القديم
١٠٦ - وقد جاء الشرع بذلك فروى: " إن الله يدني عبده حتى يضع عليه كتفه "، ولأنه قد قَالَ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، قَالَ: يقعده معه عَلَى العرش، ولأن هَذَا غير ممتنع عَلَى أصل من أثبت
[ ١ / ١١٦ ]
أنه عَلَى العرش، لأنه إذا كان بجهة تصح الإشارة إليه فيها ويصح النظر منها وإنما يمتنع عَلَى أصل من نفى كونه بجهة يشار إليه فيها فإن.
قيل: الكف هاهنا بمعنى القدرة كما قَالَ القائل:
هون عليك فإن الأمور … بكف الإله مقاديرها
يعني فِي قدرته تقديرها وتدبيرها، فعلى هَذَا يكون اعتراف النبي، ﷺ، بالعجز وإقراره بعد وضع الكف إنما هو إقرار بقدرة الله تَعَالَى عَلَى ما فعل به من التعطف واللطف حتى عرف ما لم يعرفه، أو يكون المراد بالكف النعمة والمنة والرحمة، ومنه قوله: لي عند فلان يد بيضاء أي نعمة منه كاملة فيكون إخبارا عن نعمة الله وفضله وإقباله عليه بأن شرح صدره ونور قلبه ما لم يعرفه.
قيل: هَذَا غلط لأنه إن جاز تأويل الكف عَلَى ما قالوه جاز تأويل قول ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عَلَى ذَلِكَ، ولأن قدرته ونعمته لا تختص الكفين بل هي عامة فِي جميع مقدوراته، وما قاله الشاعر من أن الأمور بكف الإله مقاديرها، لا يشبه هَذَا لأنه قد فسر ما بكفه وهو تقدير الأمور وذلك لا يختص الكف لأنه صفته، وتدبير الأشياء لا يحصل بالصفات وإنما يحصل بالذات فأما هاهنا فإنما أضاف إلى الكف فعلا، كما أضاف إلى اليد فعلا وهو خلق آدم.
فإن قيل: قوله: " بين كتفي " معناه أوصل إلى قلبه من لطفه ونوره وفوائده، لأن القلب بين الكتفين وهو محل الأنوار العلوم
قيل: هَذَا غلط لأن القلب لا يوصف بوضع الكف فيه وإنما يوصف ذَلِكَ بالكتفين.
فإن قيل: قوله: " فوجدت بردها " يحتمل برد النعمة بمعنى روحها وأثرها من قولهم: عيش بارد إذا كان رغدا فِي رفاهية وسعة.
[ ١ / ١١٧ ]
قيل: هَذَا غلط لما بينا أن الكف ليس معناه النعمة وإذا لم يكن معناه النعمة لم يصح التأويل.
عليه فإن قيل: قوله: " فوجدت برد أنامله " يحتمل آثار إحسانه ونعمه ورحمته فِي صدري فتجلى لي ما بين السماء والأرض، قيل: هَذَا غلط لما بينا من أن إحسانه ونعمه لا يختص القلب والكف والأنامل، ولأنه إن جاز تأويل الأنامل عَلَى ذَلِكَ جاز تأويل اليدين عَلَى النعمتين والوجه عَلَى الذات.
[ ١ / ١١٨ ]