٩١ - وقد اختلفت الرواية عن أَحْمَد فِي ذَلِكَ فروى أَبُو بكر المروزي قَالَ: قلت لأبي عبد الله: إن قوما يقولون إن عائشة قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية، فبأي شيء تدفع قول عائشة قَالَ بقول النبي، ﷺ: " رأيت ربي "، وقول النبي، ﷺ، أكبر من قولها
٩٢ - وقيل له: إن رجلا يَقُول: أنا أقول أن الله يرى فِي الآخرة ولا أقول إن محمدا رأى ربه فِي الدنيا، فقال: هَذَا أهل أن يخفى ما اعتراضه فِي هَذَا الموضوع يسلم الخبر
[ ١ / ١١٠ ]
كما جاء وظاهر هَذَا من كلامه إثبات الرؤية فِي ليلة المعراج، وهذه الرواية اختيار أَبِي بكر النجاد وأنا أحكي كلامه فِي آخر الفصل
٩٣ - ونقل حنبل قَالَ: قلت لأبي عبد الله: النبي، ﷺ، رأى ربه؟ قَالَ: رؤيا حلم رآه بقلبه.
وهذا يقتضي نفي الرؤية فِي تِلْكَ الليلة
٩٤ - ونقل الأثرم، عن أَحْمَد أنه حكى له قول رجل يَقُول: رآه ولا أقول بعينه ولا بقلبه، فقال أَبُو عبد الله: هَذَا حسن.
وظاهر هَذَا إطلاق الرؤية من غير تفسير بعين أو قلب والرواية الأولى أصح، وأنه رآه فِي تِلْكَ الليلة بعينيه وهذه المسألة وقعت فِي عصر الصحابة، وكان ابن عباس وأنس وغيرهما يثبتون رؤيته فِي ليلة المعراج، وكانت عائشة تنكر رؤيته بعينه فِي تِلْكَ الليلة، والدلالة عَلَى إثبات رؤيته قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ﴾ فوجه الدلالة أنه تَعَالَى قسم تكليمه لخلقه عَلَى ثلاثة أوجه: أحدها: بإنفاذ الرسل، وهو كلامه لسائر الأنبياء والمكلفين والثاني: من وراء حجاب هو تكليمه موسى، ﵇، وهذا الكلام بلا واسطة لأنه لو كان بواسطة دخل تحت القسم الذي ذكرنا وهو إنفاذ الرسل.
الثالث: من غير رسول، ولا حجاب وهو كلامه لنبينا فِي ليلة الإسراء إذ لو كان من وراء حجاب أو كان رسولا دخل تحت القسمين ولم يكن للتقسيم فائدة فتثبت أنه كان كلامه له عن رؤية.
ويدل عليه قوله تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ أي كلمه
[ ١ / ١١١ ]
بما كلمه بلا واسطة ولا ترجمان ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ فالظاهر يقتضي أن النبي، ﷺ، لما رأى الله بعيني رأسه ليلة المعراج عند سدرة المنتهى لم يكذب فؤاده ما رآه بعيني رأسه
٩٥ - وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو الْحَسَنِ التَّمَّارُ، قَالَ: نا أَبُو بَكْرٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي مَعْمَرٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبِ بْنِ الْحَكَمِ الأَشْعَرِيُّ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: نا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قَالَ: رَأَيْتُ رَبِّي، جَلَّ اسْمُهُ، مُشَافَهَةً لا شَكَّ فِيهِ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾، قَالَ: رَأَيْتُهُ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ نُورُ وَجْهِهِ "
٩٦ - وروى أَبُو بكر الخلال، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: هي رؤيا عين أريها النبي، ﷺ، ليلة أسري به
[ ١ / ١١٢ ]
٩٧ - وروى أَبُو القسم عبيد الله بن أَحْمَد بن عثمان فيما خرجه من أخبار الصفات بإسناده، عن ابن عباس، قَالَ: كانت الخلة لإبراهيم، ﵇، والكلام لموسى، ﵇، والرؤية لمحمد، ﷺ
٩٨ - وروى أَبُو حفص بن شاهين فِي سننه بإسناده، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس: رأى مُحَمَّد، ﷺ، ربه، ﷿، بعينيه مرتين
٩٩ - وروى أَبُو حفص بإسناده، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قَالَ: رأى رسول الله، ﷺ، ربه بفؤاده مرتين
١٠٠ - وروى أيضا بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس، قَالَ: رأى مُحَمَّد، ﷺ، ربه
[ ١ / ١١٣ ]
بقلبه.
وهذا الاختلاف عنه ليس براجع إلى ليلة المعراج إنما هو راجع إلى رؤيته فِي المنام فِي غير تِلْكَ الليلة رآه بقلبه عَلَى ما نبينه فما بعد، وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة لأن قول ابن عباس يطابق قول النبي، ﷺ، لأن النبي، ﷺ، أثبت رؤيته فِي تِلْكَ الليلة، ولأنه مثبت والمثبت أولى من النافي، ولا يجوز أن يثبت ابن عباس ذَلِكَ إلا عن توقيف إذ لا مجال للقياس فِي ذَلِكَ.
فإن قيل: قوله: رأيت ربي إنما هو بكسر الراء، وهو اسم كان لعثمان، ﵁، رآه، ﷺ، فِي النوم عَلَى تِلْكَ الصفات، أو يكون المراد التابع من الجن رآه عَلَى تِلْكَ الصفات.
قيل: لفظ الخبر يسقط هَذَا السؤال لأنه قَالَ له: " فيم يختصم الملأ الأعلى " وهذا لا يقوله أحد من البشر، ولأنه قَالَ: " فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي " وليس أحد له هَذَا من المخلوقين
١٠١ - وقد حكى القاضي أَبُو علي، عن أَبِي بكر بن سُلَيْمَان النجاد ﵀ أنه قَالَ: رأى محمدا ربه إحدى عشرة مرة منها بالسنة تسع مرات فِي ليلة المعراج حين كان يتردد بين موسى وبين الله، ﷿، يسأل أن يخفف عن أمته الصلاة فنقص خمسة وأربعين صلاة فِي تسع مقامات ومرتين بالكتاب.
[ ١ / ١١٤ ]