٦٨ - وقد روى أَبُو عبد الله بن منده بإسناده، عن إسحاق بن راهويه، قَالَ: قد صح عن رسول الله، ﷺ، أنه قَالَ: " إن آدم خلق عَلَى صورة الرحمن " وإنما علينا أن ننطق به.
والوجه فيه أنه ليس فِي حمله عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه لا كالصور كما أطلقنا تسمية ذات ونفس لا كالذوات والنفوس.
يبين صحة هَذَا أن الصورة ليست فِي حقيقة اللغة عبارة عن التخاطيط وإنما هي عبارة عن حقيقة الشيء، ولهذا يَقُول عرفني صورة هَذَا الأمر
[ ١ / ٨١ ]
ويطلق القول فِي صورة آدم عَلَى صورته سُبْحَانَهُ لا عَلَى طريق التشبيه فِي الجسم والنوع والشكل والطول لأن ذَلِكَ مستحيل فِي صفاته.
وإنما أطلقنا حمل إحدى الصورتين عَلَى الأخرى تسمية لورود الشرع بذلك عَلَى طريق التعظيم لآدم كما قَالَ تَعَالَى فِي أزواج النبي: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ وليس بأمهات فِي الحقيقة لكن عَلَى وجه التعظيم، ولأن فيه معنى ينفرد به من بين سائر ذريته، وهو أنه لما وجد حيا كان كاملا لم ينتقل من حال صغر إلى كبر، ومن حال ضعف إلى قوة، ومن حال جهل إلى علم، كذلك الله تَعَالَى فِي حال وجوده كاملا لم ينتقل من نقص إلى كمالا، ولا يجوز أن يقال أن هَذَا المعنى موجود فِي خلق حواء وفي الملائكة لأنه وإن كان خلقهم عَلَى ذَلِكَ فآدم أكمل منهم لأن الله أسجدهم له، ولأنه قَالَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ولأن حواء ناقصة بالأنوثية وليس فِي حمل إحدى الصورتين عَلَى الأخرى ما يوجب المساواة كما قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ ومعلوم أن آدم أفضل لأنه لم يخلق من نطفة، ولا اشتمل عليه رحم وعيسى وجد فِي ذَلِكَ، وكما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، وَقَالَ: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ولفظه أحسن وأرحم عَلَى وزن أفعل ولفظة أفعل تقتضي الاشتراك فِي الشيء، وقد شرك بينه وبين خلقه فِي هَذِهِ الصفات كذلك لا يمتنع الاشتراك فِي الصورة
٦٩ - وقد روي عن ابن عباس ما دل أن الهاء راجعة عَلَى الرحمن، ذكره إسحاق بن بشر القرشي فِي كتاب المبتدأ بإسناده، عن ابن عباس، أن ملك
[ ١ / ٨٢ ]
الروم كتب إلى معاوية يسأله عن مسائل منها: أخبرني عن أكرم رجل عَلَى الله، فانفذ بها معاوية إلى ابن عباس فقال: أكرم رجل عَلَى الله آدم خلقه بيده، ونحله صورته، ونفخ فيه من روحه، واسجد له ملائكته، وأسكنه جنته.
فقد نص عَلَى أنه نحله صورته.
فإن قيل: فصفوه بالجسم لا كالأجسام قيل: لا نصفه بذلك لأن الشرع لم يرد بذلك، وهذا كما وصفته أنت بأن له نفسا وحياة، ولا نصفه بأنه جسم وكذلك نصفه بأنه ذات وشيء ولا نصفه بأنه جسد.
فإن قيل: الهاء عائدة عَلَى المضروب لأن الخبر ورد عَلَى سبب
٧٠ - وذلك أن النبي، ﷺ، مر برجل يضرب ابنه أو عبده فِي وجهه لطما، ويقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فقال النبي، ﷺ: " إذا ضرب أحدكم عبده فليتق الوجه فإن الله خلق آدم عَلَى صورته " يعني المضروب.
[ ١ / ٨٣ ]
قيل: هَذَا غلط لوجهين: أحدهما: أن هَذَا يسقط فائدة التخصيص بآدم لأن آدم وغيره من الأنبياء والبشر مخلوقون عَلَى صورة المضروب بمعنى أن له وجها،
[ ١ / ٨٤ ]
وما أسقط فائدة التخصيص سقط فِي نفسه.
والثاني: أن فِي اللفظ " خلق آدم عَلَى صورة الرحمن " فإن قيل: إنما خص آدم بالذكر، لأنه هو الذي ابتديت خلقة وجهه عَلَى الحد الذي يحتذى عليها من بعده، كأنه عَلَى وجهه المبالغة فِي الردع له عن ذَلِكَ قيل: لو كان القصد المبالغة لقال: فإن الله خلق مُحَمَّد عَلَى صورته لأنه أفضل من آدم، فلما خص
آدم بالذكر دل عَلَى أنه لمعنى فيه وجواب آخر: وهو أنه قد روي فِي لفظ آخر: " عَلَى صورة الرحمن وعلى صورة نفسه " وهذا يمنع حمله عَلَى المضروب فوجب أن يقضى بالمقيد عليه.
فإن قيل: الهاء ترجع عَلَى آدم ويكون رجوعها عليه لوجوه: أحدها: أن يعرفنا أنه خلق فِي الجنة عَلَى الصورة التي كان عليها فِي الدنيا لم يغير الله خلقته، ويكون فائدة ذَلِكَ تعريفنا الفرق بينه وبين سائر من أخرجه من الجنة معه من الحية والطاووس، فإنه عاقب الحية وشوه خلقها وسلبها قوائمها وجعل أكلها التراب وشوه رجلي الطاووس، ولم يشوه خلقة آدم بلى أبقى له حسن الصورة فعرفنا بذلك أنه كان فِي الجنة عَلَى الصورة التي هو عليها
[ ١ / ٨٥ ]
قيل: هَذَا لا يصح لوجوه:
أحدها: أنه روي ما دل عَلَى تغير خلقه عن الصفة التي كانت عليها
٧١ - حَدَّثَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: نا أَبُو الْفَتْحِ الْقَوَّاسُ وَلَنَا مِنْهُ إِجَازَةٌ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمَّادٍ، نا أَبُو يَحْيَى النَّاقِدُ، قَالَ: نا أَبُو صَالِحِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّبَذِيُّ، قَالَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمَّارٍ، نا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: إِنَّ آدَمَ لَمَّا هَبَطَ إِلَى الْهِنْدِ وَرَأْسُهُ يَكَادُ يَنَالُ السَّمَاءَ، وَأَنَّ الأَرْضَ شَكَتْ إِلَى رَبِّهَا ثِقَلَ آدَمَ قَالَ: فَوَضَعَ الْجَبَّارُ، جَلَّ اسْمُهُ، يَدَهُ عَلَيْهِ فَانْحَطَّ سَبْعِينَ بَاعًا، وَهَبَطَ مَعَهُ الْفَحْلُ وَالأُتْرُجُّ وَالْمَوْزُ، قَالَ أَبُو يَحْيَى النَّاقِدُ: يَقُولُونَ: الْفَحْلُ الذَّكَرُ مِنَ النَّخْلِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَغَيُّرِ خِلْقَتِهِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ.
وجواب آخر: وهو أن هَذَا يسقط فائدة التخصيص لأن حواء لم يغير خلقها لما أخرجها من الجنة فوجب أن يكون لهذا التخصيص فائدة.
جواب آخر: وهو أنه قد روي: " خلق آدم عَلَى صورة الرحمن "، وهذا يمنع رجوع الهاء عَلَى آدم فإن قيل: فالهاء عائدة عَلَى آدم، ويكون المراد به أن النبي، ﷺ، أفادنا بذلك إبطال قول أهل الدهر إنه لم يكن إنسان إلا من نطفة ولا نطفة إلا من إنسان فيما مضى، ويأتي وليس لذلك أول ولا آخر وإن الناس إنما ينقلون من نشوء إلى نشوء عَلَى ترتيب معتاد، فعرفنا تكذيبهم، وأن آدم خلق عَلَى صورته التي شوهد عليها من غير أن كان عن نطفة قبله وعن تناسل، أو تنقل من صغر إلى كبر كالمعهود من أحوال أولاده.
قيل: هَذَا غلط لأنه يسقط فائدة التخصيص بآدم لأن الملائكة خلقوا من غير نطفة ولا تناسل وكذلك عيسى خلق من غير نطفة قبله وغير تناسل، وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
[ ١ / ٨٦ ]
ولأنا قد استفدنا إبطال قول الدهرية من غير هَذَا الموضوع وهو قوله خلقته من طين.
وجواب آخر: وهو أنه قد روي: " خلق آدم عَلَى صورة الرحمن " وهذا يمنع رجوع الهاء عَلَى آدم، فإن قيل: الهاء عائدة عَلَى آدم ويكون فائدته إعلامنا أنه لم يكن حادثا عن توليد عنصر أو تأثير طبع أو فلك أو ليل أو نهار إبطالا لقول الطبائعيين، أن بعض ما كان عليه آدم من هيئاته وصورته لم يخلقه الله، ﷿، بل كان فعل الطبع أو تأثير فلك، فبين بذلك أن الله تَعَالَى هو الخالق لآدم عَلَى ما كان فيه من الصور والتركيب، وإبطالا لقول القدرية أن من صفات آدم ما لم يخلقه الله وإنما خلقها آدم لنفسه.
قيل: هَذَا غلط لما بينا وهو أنه يسقط فائدة التخصيص بآدم لأن بقية البشر هَذَا المعنى موجود فيهم، وأن الله تَعَالَى هو الخالق وأنه لا صنع للطبيعة فيها والفلك فيه، ولأنه قد روي فِي لفظ آخر: " خلق آدم عَلَى صورة الرحمن " فإن قيل: إنما خص آدم بذلك تنبيها عَلَى أن من شاركه من المخلوقات فِي معناه، قيل: هَذَا غلط لما بينا من أن خلق عيسى فِي معنى خلق آدم بقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ فلا معنى لتخصيصه بذلك، ولأن قوله: " خلق آدم عَلَى صورة الرحمن " يمنع من ذَلِكَ.
فإن قيل: الهاء عائدة عَلَى آدم ويكون فائدة إشارة إلى ما تقدم أن الله خلق السعيد سعيدا والشقي شقيا، فلما خلق آدم وقد علم أنه يعصي ويخالف، وكتب ذَلِكَ عليه قبل أن يخلقه عرفنا ما سبق من قضائه وأنه هكذا خلقه عَلَى ما علم منه.
قيل: هَذَا غلط لما بينا أنه يسقط فائدة التخصيص بآدم لأن ولد آدم مخلوق عَلَى ما سبق قضائه من الشقاء والسعادة ولأنه قد روي فِي لفظ آخر: " خلق آدم عَلَى صورة الرحمن " فإن قيل: عود الهاء عَلَى آدم أولى لأنه أقرب المذكور، قيل: الهاء قد تعود تارة إلى الأقرب وتارة إلى الأبعد، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ ١ / ٨٧ ]
وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ فالهاء فِي قوله: وَتُسَبِّحُوهُ سورة الفتح آية عائدة عَلَى اسم الله تَعَالَى، وإن كان أبعد فِي اللفظ وذكر الرسول أقرب، ولأنه لو قَالَ قائل: ولد لفلان، ولد عَلَى صورته، عقل من ذَلِكَ صورة الأب وإن كان هو الأبعد فِي الخطاب، ولم يرجع ذَلِكَ إلى صفة الولد وإن كان هو الأقرب
٧٢ - وقد صرح أَحْمَد بإبطال القول أن الهاء عائدة عَلَى آدم، فقال فِي رواية أَبِي طالب: من قَالَ أن الله خلق آدم عَلَى صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه
٧٣ - وقد ذكر عبد الرحمن بن منده فِي كتاب الإسلام فقال: قَالَ أَبُو إسحاق إبراهيم بن أَحْمَد بن فراس فِي كتابه، عن حمدان بن علي، قَالَ: سمعت أَحْمَد بن حنبل يَقُول وسأله رجل فقال: يا أَبَا عبد الله، الحديث الذي روي عن النبي، ﷺ: " أن الله خلق آدم عَلَى صورته " عَلَى صورة آدم قَالَ: فقال أَحْمَد بن حنبل: فأين الذي يروى عن النبي، ﷺ: " أن الله تَعَالَى خلق آدم عَلَى صورة الرحمن، ﷿، "، ثم قَالَ أَحْمَد: وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلق
٧٤ - قال: وأنا علي بن يحيى بن جعفر الإمام، قَالَ: أنا الطبراني، قَالَ: سمعت عبد الله بن أَحْمَد بن حنبل يَقُول: قَالَ رجل لأبي: إن فلانا يَقُول فِي حديث رسول الله، ﷺ: " إن الله خلق آدم عَلَى صورته " فقال: عَلَى صورة الرجل، قَالَ أَبِي: كذب هَذَا، هَذَا قول الجهمية، وأي فائدة فِي هَذَا
[ ١ / ٨٨ ]
٧٥ - قال: وروي إسماعيل بن أَحْمَد أَبُو سعد فِي كتاب السنة عن عبد الله بن أَحْمَد بن حنبل، قَالَ: كنا بالبصرة عند شيخ فحدثنا بحديث النبي، ﷺ: " إن الله، ﷿، خلق آدم عَلَى صورته "، فقال الشيخ: تفسيره: خلقه عَلَى صورة الطين، فحدثت بذلك أَبِي ﵀ فقال: هَذَا جهمي أو قَالَ: هَذَا كلام الجهمية.
٧٦ - وقد ذكر أَبُو مُحَمَّد بن حيان الأصبهاني فِي مجموع له فِي التفسير فِي سورة حم عسق بخط أَبِي مالك المكي، فقال صاحب الكتابة، عن حمدان بن الهيثم المديني، سمعت أَبَا مسعود يَقُول: قَالَ أَحْمَد بن حنبل: معنى
[ ١ / ٨٩ ]
حديث النبي، ﷺ: " إن الله خلق آدم عَلَى صورته "، قَالَ: صور آدم قبل خلقه ثم خلقه عَلَى تِلْكَ الصورة، فإما أن يكون الله خلق آدم عَلَى صورته، وقد قَالَ الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ولا نقول إن الله يشبهه شيء من خلقه، ولا يخفى عَلَى الناس أن الله خلق آدم عَلَى صورة آدم ولا يجوز أن يقال: لله كيف لأن الله لا يوصف بصفة الإنسان وقد قَالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فذاك ربنا، ﷿، ليس كمثله أحد من خلقه
٧٧ - قَالَ أَبُو طالب المكي: هَذَا توهم عن أَحْمَد إنما هَذَا قول أَبِي ثور فذكر ذَلِكَ لأحمد فأنكر عليه وَقَالَ: ويله وأي صورة كانت لآدم حتى خلقه عليها يَقُول: إن الله خلق عَلَى مثال، ويله فكيف يصنع بالحديث الآخر: " أن الله خلق آدم عَلَى صورة الرحمن ".
فهذا هو المحفوظ من قول أَحْمَد، وإنما التبس القولان فنسب ذَلِكَ إلى أَحْمَد لأن أَبَا ثور كان سئل عن قوله: " خلق آدم عَلَى صورته " فقال: الهاء عائدة عَلَى آدم.
فإن قيل: الزيادة المذكورة فِي حديث ابن عمر: " خلق آدم عَلَى صورة الرحمن " غير صحيحة، وقد قَالَ أَحْمَد في رواية المروذي: الأعمش يَقُول: عن حبيب بن أَبِي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر: " إن الله خلق آدم عَلَى صورة الرحمن "، وأما الثوري فيوقفه يعني حديث ابن عمر، وقد رواه أَبُو الزناد، عن الأعرج، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ: " عَلَى صورته " فيقول كما جاء فقد بين أَحْمَد أن
[ ١ / ٩٠ ]
بعضهم
وقفه وبعضهم وصله، قيل هَذِهِ الزيادة صحيحة ثابتة، حَدَّثَنَا بها أَبُو القسم عبد العزيز من الطريق الذي ذكرنا، وذكرها أَبُو الحسن الدارقطني فيما خرجه من أخبار الصفات، وذكرها أَبُو بكر أَحْمَد بن سلمان النجاد فِي السنة، وذكرها أَبُو عبد الله بن بطة فِي كتاب الإبانة، ولا يجوز أن يتطابق هَؤُلاءِ الحفاظ عَلَى نقل باطلة أو ضعيفة، والذي حكاه أَحْمَد عن الثوري وأنه وقفها لا يدل عَلَى ضعفها، لأنه لا يجوز أن لا تقع له هَذِهِ الزيادة وتقع لغيره، ومثل هَذَا لا ترد به الأخبار
٧٨ - وعلى أن أَبَا القسم عبد الرحمن بن منده روى عن حمدان بن علي، قَالَ: سمعت أَحْمَد يَقُول وسأله رجل عن الحديث الذي روي عن النبي، ﷺ: " إن الله خلق آدم
[ ١ / ٩١ ]
عَلَى صورته " عَلَى صورة آدم، فقال أَحْمَد: فأين الذي يروى عن النبي، ﷺ: " إن الله خلق آدم عَلَى صورة الرحمن "، وهذا من أَحْمَد دليل عَلَى صحته.
فإن قيل لا يجوز أن تكون هَذِهِ الزيادة صحيحة لأنه لا يجوز هَذَا فِي اللغة، لأن ما تقدم ذكره بالاسم الظاهر فإنه إذا أعيد ذكره كني عنه بالهاء من غير إعادة اسمه الظاهر كقولك: زيد ضرب عبده ولا يقال زيد ضرب عبد زيد والمراد بزيد الثاني الأول، وإذا لم يكن سائغا من جهة اللغة، لم يكن للإستعمال له وجه.
قيل: هَذَا غلط لأنه قد يصح ذَلِكَ فِي العربية وقد ورد بذلك القرآن وأشعار العرب قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ ولم يقل إلينا أو إليه، وكان يجب عَلَى ما قالوه أن يَقُول إلينا لئلا يعيد الاسم الأول، لأن النون هي اسم الرحمن، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ولم يقل: وما يعبدون من دوننا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ ولم يقل أنه يعلم، وَقَالَ تَعَالَى: ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله ولم يقل الحمد له، وَقَالَ الشعر وهو عدي بن زيد:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء … نغص الموت ذا الغنى والفقرا
فأعاد ذكر الموت بلفظه، ولم يكن عنه بالهاء ولم يقل لا أرى الموت يسبقه شيء، وَقَالَ المتلمس:
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى … مساغا لنابيه الشجاع لصمما
فأعاد ذكر الشجاع بلفظه.
[ ١ / ٩٢ ]
فإن قيل: فالهاء ترجع عَلَى الله عَلَى وجهه وهو قوله: " عَلَى صورة الرحمن " بمعنى عَلَى صفاته، فيكون معنى الصورة معنى الصفة كما يقال عرفني صورة هَذَا الأمر أي صفته، وذلك أن الله تَعَالَى حي، عالم، قادر، سميع،
بصير متكلم مريد، خلق آدم عَلَى صفته مما هي صفات الله تَعَالَى حيا عالما قادرا سميعا بصيرا متكلما مختارا مريدا فميزه من الجهاد ومن البهائم، وميزه من الملائكة بأن قدمه عليهم وأسجدهم له.
ويبين صحة هَذَا قوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ فعطف الصورة عَلَى خلق البنية.
قيل: حمله عَلَى هَذَا يسقط فائدة التخصيص بآدم لأن جميع ولد آدم بهذه الصفات لهم حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام وإرادة وكذلك الملائكة لهم هَذِهِ الصفات.
فأما قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ فيحتمل أن يكون معناه خلقناكم فصورناكم، كما قَالَ تَعَالَى فِي السورة التي يذكر فيها المؤمن: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي السورة التي يذكر فيها التغابن: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ يبين صحة هَذَا أن هَذِهِ الصفات ليست غير ذاته.
فإن قيل: قوله " عَلَى صورة الرحمن " معناه: عَلَى مصور الرحمن، كما يقال هَذِهِ الدار صورة فلان البناء معناه: مصوره فسمى الصورة باسم صورته.
قيل: هَذَا غلط لأنه يسقط فائدة التخصيص بآدم لأن جميع الخلق عَلَى مصور الرحمن
[ ١ / ٩٣ ]
فإن قيل: معنى قوله " عَلَى صورة الرحمن " أن أسجد له ملائكته كما أسجدهم لنفسه، قيل: لا يصح هَذَا من وجوه: أحدها: أن فِي رواية ابن شاهين: " فإن الله خلق وجه آدم عَلَى صورته ".
الثاني: أن الصورة عبارة عما اختصت الذات، ولهذا قَالَ تَعَالَى: ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ والسجود له يرجع إلى المرتبة والرفعة فلا يوصف بالصورة، ولهذا يقال: رأيت الأمير فِي مرتبة حسنة، إذا رآه وقد سجد له جنده، ويقول: رأيته فِي صورة حسنة يريد بذلك معنى يرجع إلى ذاته فِي اللون والقد ونحوه.
الثالث: أن سجود الملائكة له يقتضي اختصاصه بمزية وذلك لا يوجب المشاركة فِي تسمية الصورة كما لم يوجب ذَلِكَ فِي حق عيسى مع اختصاصه بإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص، وهمذا يدل عَلَى أن هَذِهِ تسمية شرعية لا يعقل معناها.
وقد قَالَ أَحْمَد فِي رواية المروذي: أما الأعمش فيقول عن حبيب بن أَبِي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ: " إن الله خلق آدم عَلَى صورة الرحمن " فنقول كما جاء الحديث
٧٩ - وقد ذكر أَبُو إسحاق بن شاقلا فِي جملة ما جرى له فِي مناظرته لأبي سُلَيْمَان الدمشقي عَلَى قول النبي، ﷺ: " خلق آدم عَلَى صورته " وأن الهاء غير راجعة عَلَى آدم، فقال أَبُو سُلَيْمَان: قد جاء فِي الحديث عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ.
[ ١ / ٩٤ ]
: " أن الله خلق آدم عَلَى صورة آدم "، فقال أَبُو إسحاق: هَذَا كذب عَلَى رسول الله، فقال الدمشقي: بلى قد جاء فِي الحديث: " طوله ستون ذراعا " فعلمت أنه آدم، فقال له أَبُو إسحاق: قد روى هَذَا وليس هو الذي ادعيت عَلَى رسول الله، ﷺ، لأنك قلت عن النبي، ﷺ: " إن الله خلق آدم عَلَى صورة آدم " ثم قَالَ أَبُو إسحاق: إن كانت هَذِهِ الزيادة محفوظة كان قوله: " خلق آدم عَلَى صورته " تم الكلام، ثم قَالَ: " طوله ستون ذراعا " إخبارا عن آدم بدلالة ما روي جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أَبِي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر، عن رسول الله، ﷺ: " لا تقبحوا الوجوه فإن الله خلق آدم عَلَى صورة الرحمن " قَالَ أَبُو إسحاق: هَذَا الحديث يذكر إسحاق بن راهويه أنه صحيح مرفوع وأما أَحْمَد فذكر أن الثوري وقفه عَلَى ابن عمر وكلاهما حجة لأنه إن كان مرفوعا فقد سقط العذر، وإن كان من قول ابن عمر فهو أولى
٨٠ - ورأيت فِي أخبار أَبِي الحسن بن بشار الشيخ الزاهد رواية أَبِي حفص عمر بن أَحْمَد بن إبراهيم البرمكي، عن أبيه، قَالَ: كنت أسمع
الشيخ إذا دعا يَقُول فِي دعائه: اللهم صل عَلَى أبينا آدم الذي خلقته بيدك وأنحلته صورتك وأسجدت له ملائكتك، وزوجته حواء أمتك، فسبق عليه قضاؤك وقدرك فأكل من الشجرة وأهبطته إلى أرضك وهذا من أَبِي الحسن استنباط من لفظ الخبر، وناهيك بأبي الحسن من زاهد وعالم حديث آخر فِي الصورة
[ ١ / ٩٥ ]
حديث آخر في الصورة
٨١ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ الزَّاهِدُ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، قَالَ: نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْبَرَاثِيُّ، قَالَ: نا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: نا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " لا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ، فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ "
٨٢ - وأنا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: نا أَبُو عَلِيٍّ بِشْرُ بْنُ مُوسَى بْنِ صَالِحٍ الأَسَدِيُّ، قَالَ: نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ وَجْهَ ابْنِ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ "
[ ١ / ٩٦ ]
٨٣ - وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلالُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، قَالَ: " إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ صُورَةَ الإِنْسَانِ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ "
٨٤ - ورواه ابن بطة بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ: " إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن صورة الإنسان عَلَى وجه الرحمن "
٨٥ - وذكر إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد الختلي فِي كتاب العظمة بإسناده عن ابن عباس، قَالَ: غضب موسى عَلَى قومه فِي بعض ما كانوا يسئلونه، فلما نزل الحجر، قَالَ: اشربوا يا حمير، فأوحى الله إليه: تعمد إلى عبيد من عبيدي خلقتهم عَلَى مثل صورتي فتقول: اشربوا يا حمير، قَالَ: فما برح حتى أصابته عقوبة.
أعلم أنه يجب أن يحمل قوله فإن ابن آدم، وإن وجه ابن آدم خلق
عَلَى صورة الرحمن المراد به: آدم، فحذف المضاف وهو آدم وأقام المضاف إليه وهو ابن آدم مقامه، وقد جاء القرآن بهذا قَالَ تَعَالَى فِي سورة الكهف: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وتقديره: خلق أباك آدم من تراب ثم أنشأك من نطفة وكذلك قَالَ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وتقديره: خلق أباكم آدم من تراب ثم أنشأكم من نطفة، هكذا ذكره
[ ١ / ٩٧ ]
أَبُو بكر من أصحابنا فِي تفسيره.
وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وتقديره: أخذ ربك من ظهر آدم الذرية وأضاف ذَلِكَ إلى بنيه، يدل عليه ما رواه أَبُو بكر فِي كتاب التفسير بإسناده عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هَذِهِ الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فقال عمر: سمعت رسول الله، ﷺ، قَالَ: " إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هَؤُلاءِ إلى الجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هَؤُلاءِ إلى النار وبعمل أهل النار يعملون " وذكر الخبر.
[ ١ / ٩٨ ]
فقد فسر النبي، ﷺ، أن الأخذ كان من ظهر آدم، وإن كانت الإضافة إلى بنيه فإن قيل: فلم أضاف الفعل إلى بنيه والفعل كان واقعا فيه قيل: لأن الفعل كان واقعا عليه وعلى بنيه لأنه استخرج كل ذرية تخلق إلى يوم القيامة من ظهره ومن ظهر ذريته، فيجوز أن تكون الإضافة حصلت إليهم لأنهم الأكثر.
ومثل هَذَا قوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ يعني آدم وحواء ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ يعني: لما ولد لهما ولدا سموه عبد الحارث الذي هو إبليس، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني: إضافتهم الولد إلى عبد الحارث، وحصلت الكناية عنهم بلفظ الجمع لأنها لو رجعت إليهما لكانت بلفظ التثنية فيقول: فتعالى عما يشركان.
وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ والمراد بذلك آدم
[ ١ / ١٠١ ]
وقد ذكر ابن قتيبة هَذَا فِي مختلف الحديث أن معنى قول ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ المراد به خلقنا آدم.
فإن قيل: إذا حملتم الكلام عَلَى آدم كان ذَلِكَ تأويلا للخبر وقد منعتم من التأويل.
قيل: ليس هَذَا بتأويل وإنما هو بيان أن هناك محذوف مقدر يشهد لظاهر القرآن ونحن لا نمنع من ذَلِكَ، وهذه طريقة صحيحة ويكون لآدم مزية بالذكر عَلَى ذريته
[ ١ / ١٠٢ ]
حديث آخر فِي الصورة
٨٦ - رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلالُ بِإِسْنَادِهِ فِي سُنَنِهِ، فَقَالَ: أنا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: نا أَبُو دَاوُدَ الْمُبَارَكِيُّ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ دُلَيْلٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَوْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَابِطٍ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ دُلَيْلٍ، وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، قَالَ: " لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِي رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قَالَ: قُلْتُ: لا أَدْرِي، فَوَضَعَ يَدَهُ حَتَّى وَجَدْتُ فَذَكَرَ كَلِمَةً ذَهَبَتْ عَنِّي ثُمَّ قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى، وَذَكَرَ الْخَبَر
[ ١ / ١٠٣ ]
أعلم أن الكلام فِي هَذَا الخبر فِي فصول: أحدها: فِي إثبات ليلة الإسراء وصحتها.
الثاني: فِي إثبات رؤيته لله تَعَالَى فِي تِلْكَ الليلة.
الثالث: فِي وضع الكف بين كتفيه.
الرابع: فِي إطلاق تسمية الصورة عليه.
الخامس: قوله: لا أدري لما سأله فيم يختصم الملأ الأعلى.
أما الأول: فهو أن الإسراء من مكة إلى بيت المقدس ومن بيت المقدس إلى السموات صحيح وأنه كان يقظة، وقد نص أَحْمَد عَلَى هَذَا فِي رواية المروذي، وحكي له عن موسى بن عقبة أنه قَالَ: إن أحاديث الإسراء منام، فقال: هَذَا كلام الجهمية، وجمع أحاديث الإسراء فأعطاينها وَقَالَ: منام الأنبياء وحي
٨٧ - وَقَالَ يعقوب بن بختان: سألت أَبَا عبد الله عن المعراج فقال: رؤيا الأنبياء وحي، فقد أثبت ليلة الإسراء وأنكر قول من قَالَ إنها منام، وقوله: رؤيا الأنبياء وحي معناه: أنها لو كانت مناما لكانت وحيا لأنهم أعينهم تنام وقلوبهم لا تنام والدلالة عَلَى صحته وإثباتها وجوه أحدها: قوله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾
[ ١ / ١٠٤ ]
وهذا يدل عَلَى ثبوت الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ويدل عَلَى ثبوته إلى السماء قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ فإن قيل: المراد به جبريل قيل: بل المراد به النبي، ﷺ، لأنه تقدم ذكر النبي، ﷺ، وذكر جبريل بقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ هَذَا كله كناية عن النبي، ﷺ، وقوله بعده: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ﴾ المراد به جبريل وقوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾ يعني النبي، ﷺ، استوى عَلَى الشريعة، ثم قَالَ بعد ذَلِكَ: ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ فعادت الكناية إلى أقرب المذكور وهو النبي، ﷺ
[ ١ / ١٠٥ ]
ومنها دليل آخر قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ يعني مرة أخرى ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ والمراد به نبينا فأخبر أن رؤيته كانت عند سدرة المنتهى وهي فِي السماء السادسة.
فإن قيل: المراد به رؤية جبريل لربه، قيل: لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه قد تقدم ذكرهما وأقرب المذكور النبي، ﷺ، لأنه قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ والمراد به النبي، ﷺ، لأن الوحي كان إليه، ثم قَالَ بعده: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾.
والثاني قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ والمماراة إنما كانت بين قريش وبين النبي، ﷺ، ولم تكن بينها وبين جبريل فإن قيل: يحتمل أن يكون جبريل عند السدرة والنبي، ﷺ، فِي الأرض خرقت له الحجب قيل: لو كان كذلك لنقل ذَلِكَ لأنه من أعظم المعجزات
٨٨ - الدليل الثاني: أن فِي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ فيما خرجه أَبُو عبد الله بن بطة، قَالَ: لما رجع النبي ليلة أسري به بلغ ذا طوى فشدد بنو عبد المطلب يلتمسونه، قَالَ: فصرخ به العباس فأجابه، قَالَ: لبيك، قَالَ: أين كنت ابن أخي الليلة؟ قَالَ: أتيت بيت المقدس، فقال رسول الله، ﷺ: " يا جبريل إن قومي لا يصدقوني "، قَالَ: يصدقك أَبُو بكر الصديق وهذا صريح فِي نقل جسمه من موضعه
[ ١ / ١٠٦ ]
٨٩ - الثالث: ما روى أَبُو بكر الخلال وغيره، عن عكرمة، عن ابن عباس فِي قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾، قَالَ: هي رؤيا عين أريها ليلة أسري به.
فقد أثبت ابن عباس الإسراء والرؤية.
الرابع: أنه جعل ذَلِكَ حسرة عَلَى الكافرين فقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ يعني أهل مكة، وذلك أنه كان قد جعل المطعم بن عدي حوضا يسقي عليه بأمر بهدمه، وَقَالَ: والله لا أسقي عليه حسدا لرسول الله، ﷺ، إذا حدث بما رآه من كرامة الله، وهذا لا يكون بالمنام لأنهم يقولون يجوز أن يكون هَذَا من أحلام المنامات.
الخامس: أن أول فروض الخمس فرضت فِي تِلْكَ الليلة، وذلك أنه كان يصلي بمكة صلاتين أول النهار ركعتين وآخره ركعتين إلى ليلة الإسراء، ففرض عليه خمسون صلاة وفرض عليه غسل الجنابة سبع مرار، والغسل من البول سبع مرار، فما زال به موسى وربه حتى انتهت إلى خمس، وغسل الجنابة والبول مرة واحدة، فنسخ الثاني الأول ولا يجوز أن ينسخ منام ليقظة.
[ ١ / ١٠٧ ]
السادس: لو كان مناما لم ينكره المشركون ولا كان معجزا ولا طلبوا منه دليلا عَلَى قوله بما قد عرفوه من الطريق والمسجد وصفته، لأن الذي يرى فِي المنام لا يطالب بجميع ما يكون فِي ذَلِكَ البلد الذي رأى نفسه فيه، ولا ينكر عليه رؤيته لأن كل أحد يرى أعظم من هَذَا، فلما أنكروا عليه علم أنه إنما قَالَ لهم ذَلِكَ فِي اليقظة، وهذا جواب جيد
٩٠ - وقد روى أَبُو حفص بن شاهين فِي كتاب السنة بإسناده عن ابن عباس، قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ: " لما كان ليلة أسري بي أصبحت بمكة فضقت بأمري وعرفت أن الناس تنكرني، قَالَ: فقعد رسول الله، ﷺ، معتزلا حزينا، فمر به أَبُو جهل فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ قَالَ: نعم إني أسري بي الليلة، قَالَ: إلى أين؟ قَالَ: إلى بيت المقدس، قَالَ: ثم أصبحت بين ظهرانينا، قَالَ: نعم، قَالَ: فلم يره أن يحدثه مخافة أن يجحد الحديث إن دعا قومه إليه،
فقال: أتحدث قومك ما حدثتني إن دعوتهم إليك؟ قَالَ: نعم، قَالَ: يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا، قَالَ: فجاءوا حتى جلسوا إليهما، فقال: حدث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله، ﷺ، إنه أسري بي الليلة، قَالُوا: إلى أين؟ قَالَ: إلى بيت المقدس، قَالَ: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فمن بين مصفق ومن بين واضع يده عَلَى رأسه متعجبا، فقالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ قَالَ: وفي القوم من قد سافر إلى ذَلِكَ البلد، ورأى المسجد، قَالَ رسول الله، ﷺ: فذهبت أنعت لهم فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت، قَالَ: فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل أو عقال، فنعته وأنا أنظر إليه، فقال القوم: أم النعت فوالله قد أصاب
[ ١ / ١٠٨ ]
٩١ - السابع: ما رواه ابن شاهين بإسناده، عن أنس: " أن النبي، ﷺ، أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجا ملجما ليركبه فاستصعب عليه، فقال جبريل: ما يحملك عَلَى هَذَا فوالله ما ركبك أحد قط أكرم عَلَى الله من مُحَمَّد، قَالَ: فأرفض عرقا " ولو كان هَذَا مناما لقال أنس: رأي النبي فِي المنام كأنه أتي بالبراق ولم يذكر ذَلِكَ مطلقا.
الثامن: أنه لو كان مناما فهو فِي حكم اليقظة لأن رؤيا الأنبياء وحي، عَلَى ما قَالَ أَحْمَد، والوجه فيه رؤيا إبراهيم، ﵇، أنه يذبح ابنه فكان ذَلِكَ أمرا من الله بقوله افعل ما تؤمر
٩٢ - وروى ابن منده بإسناده، عن عكرمة، عن ابن عباس، قَالَ: كانت رؤيا الأنبياء وحي
٩٣ - وبإسناده عن معاذ بن جبل، أن رسول الله، ﷺ، ما رأى فِي نومه وفي يقظته فهو حق.
[ ١ / ١٠٩ ]