مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ آيَ الْكِتَابِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا مُحْكَمٌ تَأْوِيلُهُ تَنْزِيلُهُ يُفْهَمُ الْمُرَادُ مِنْهُ بِظَاهِرِهِ وَقِسْمٌ هُوَ مُتَشَابِهٌ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَلا يُوقَفُ عَلَى مَعْنَاهُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ فَالْوَاوُ هَهُنَا لِلاسْتِئْنَافِ وَلَيْسَتْ عَاطِفَةً.
كَذَلِكَ أَخْبَارُ الرَّسُولِ، ﷺ، جَارِيَةٌ هَذَا الْمَجْرَى وَمُنَزَّلَةٌ عَلَى هَذَا التَّنْزِيلِ مِنْهَا الْبَيِّنُ الْمُسْتَقِلُّ فِي بَيَانِهِ بِنَفْسِهِ، وَمِنْهَا مَا لا يُوقَفُ عَلَى مَعْنَاهُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ.
فَإِنْ قِيلَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لا مُتَشَابِهَ فِي الْقُرْآنِ إِلا وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، وَالْوَاوُ هَهُنَا لِلْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا اللَّهَ﴾ وَقَدْ ذَكَر هَذَا ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِ الْمُشْكِلِ فَسَقَطَ هَذَا الدَّلِيلُ.
[ ١ / ٥٩ ]
قِيلَ: هَذَا قَوْلٌ يُخَالِفُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ
٤٢ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ الأَنْبَارِيُّ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الإِلْحَادِ: قَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ يَعْنِي: ابْنَ قُتَيْبَةَ، جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، مِنْهُمْ أُبَيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ تَأْوِيلُهُ إِلا عِنْدَ اللَّهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ قَالَ: وَكَانَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدٍ يَقُولانِ: الرَّاسِخُونَ مستأنفون وَاللَّهُ هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِعِلْمِ التَّأْوِيلِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ، يَقُولُ: الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا
[ ١ / ٦٠ ]
اللَّهُ﴾، وَالابْتِدَاءُ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾
[ ١ / ٦١ ]
٤٣ - وَيُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُظَفَّرِ الْحَافِظُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ السُّنَنِ بِإِسْنَادِهِ،
[ ١ / ٦٢ ]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: " أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ: حَلالٌ وَحَرَامٌ لا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِالْجَهَالَةِ بِهِ، وَتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُهُ الْعَرَبُ، وَتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُهُ الْعُلَمَاءُ، وَمُتَشَابِهٌ لا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ، مَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ سِوَى اللَّهِ فَهُوَ كَاذِبٌ".
وَلأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وَمَعْنَاهُ: صَدَّقْنَا بِهِ لأَنَّ الإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَلَمْ يَقُلْ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ عَلِمْنَا بِهِ، فَلَمْ يَقْتَضِ الْعَطْفُ الْمُشَارَكَةَ فِي الْعِلْمِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: مَا يَعْلَمُ مَا فِي هَذَا الْبَيْتِ إِلا زَيْدٌ وَعُمَرُ، يَقُولُ: آمَنَّا بِهِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُصَدِّقٌ لَهُ، وَلا يَقْتَضِي مُشَارَكَتَهُ فِي الْعِلْمِ، وَلأَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْوَاوُ عَاطِفَةً فِي الْمُشَارَكَةِ فِي الْعِلْمِ احْتَاجَ الْكَلامُ إِلَى إِضْمَارِ وَاوٍ أُخْرَى، فَتَقْدِيرُهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَيَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ وَالإِضْمَارِ تَرْكُ حَقِيقَةٍ.
٤٤ - وَقَدْ ذَكَر أَبُو سُلَيْمَانَ حَمْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَطَّابِ الْبُسْتِيُّ هَذَا
[ ١ / ٦٣ ]
السُّؤَالَ فِي كِتَابِ الْغُنْيَةِ عَنِ الْكَلامِ فَقَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ مِنَ الْقُرْآنِ قَدِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فَلا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ.
قَالَ: وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْوَقْفَ التَّامَّ فِي هَذِهِ الآيَةِ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ وَمَا بَعْدَهُ اسْتِئْنَافُ كَلامٍ آخَرَ، وَحَكَى فِي ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ، وَقَالَ: وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَحْدَهُ أَنَّهُ نَسَقَ الرَّاسِخِينَ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَزَعَمَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَهُ.
وَأَجَابَ بِجَوَابٍ آخَرَ، فَقَالَ: لا يَجُوزُ أَنْ يَنْفِيَ اللَّهُ، ﷿، شَيْئًا عَنِ الْخَلْقِ وَيُثْبِتُهُ لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ شَرِيكٌ، أَلا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ فَكَانَ هَذَا كُلُّهُ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ لا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ كَذَلِكَ هَهُنَا.
قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ الإِيمَانُ بِمَا لا نُحِيطُ عِلْمًا بِحَقِيقَتِهِ، وَنَصِفُهُ بِشَيْءٍ لا دَرَكَ لَهُ فِي عُقُولِنَا؟ قِيلَ: قَدْ أُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَبِالْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا وَبِالنَّارِ وَأَلِيمِ عَذَابِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّا لا نُحِيطُ عِلْمًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَإِنَّمَا
كُلِّفْنَا الإِيمَانَ بِهَا جُمْلَةً.
أَلا تَرَى أَنَّا لا نَعْرِفُ أَسْمَاءَ عِدَّةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَلا نُحِيطُ بِصِفَاتِهِمْ، ثُمَّ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِيمَا أُمْرِنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِهِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ، ﷺ، فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ: " يَقُولُ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ " إِلَى هَاهُنَا كَلامُ أَبِي سُلَيْمَانَ.
[ ١ / ٦٤ ]
٤٥ - وَقَدْ أَجَابَ قَوْمٌ آخَرُونَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَجْوِبَةٍ أُخَرَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْوَاوُ عَاطِفَةً وَالرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُتَشَابِهٌ وَكَانَ جَمِيعُهُ مُحْكَمًا، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ فِيهِ مُحْكَمًا وَفِيهِ مُتَشَابِهًا، وَالْمُتَشَابِهُ مَا احْتَاجَ إِلَى بَيَانٍ.
وَلأَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْوَاوُ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ لَكَانَ تَقْدِيرِ الْكَلامِ: اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، وَلا يَجُوزُ إِضَافَةُ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى اللَّهِ.
وَلأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ عَاطِفَةً عَلَى اسْمِ اللَّهِ لَحَصَلَ قَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ مُبْتَدَأً، وَلا يَصِحُّ الابْتِدَاءُ بِهِ لأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِتَعَلُّقِهِ بِمَا قَبْلَهُ، وَإِذَا كَانَتِ الْوَاوُ لِلاسْتِئْنَافِ حَصَلَ الْمُبْتَدَأُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ فَيَكُونُ كَلامًا مُفِيدًا لأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِمَا قَبْلَهُ.
وَلأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ مَنْ وُكِّلَ عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى عَالِمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ وَلَوْ شَرِكُوهُ فِي عِلْمِهِ لَكَانَ مِنْ عِنْدِهِمْ وَلأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
[ ١ / ٦٥ ]
بِالْغَيْبِ﴾ وَلَوْ كَانُوا يَشْرَكُونَهُ سُبْحَانَهُ فِي عِلْمِ جَمِيعِ الأَشْيَاءِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْبٌ يُؤْمِنُونَ بِهِ لأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ وَغَيْرُ مُمْتَنِعٌ صِحَّةُ الإِيمَانِ بِمَا لا نَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ كَإِيمَانِهِ بِالْمَلائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا لَمْ نَعْلَمْ تَأْوِيلَهُ لَمْ يُفِدِ الْخِطَابَ فَائِدَةً، كَمَا إِذَا خَاطَبَ الْعَرَبِيُّ بِالزِّنْجِيَّةِ قِيلَ: فِيهِ فَائِدَةٌ وَهُوَ اخْتِبَارُ الْعِبَادِ لِيُؤْمِنَ بِهِ الْمُؤْمِنُ فَيَسْعَدَ، وَيَكْفُرَ بِهِ الْكَافِرُ فَيَشْقَى لأَنَّ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِ إِذَا قَرَأَ مِنْ هَذَا شَيْئًا أَنْ يُصَدِّقَ رَبَّهُ وَلا يَعْتَرِضَ فِيهِ بِسُؤَالٍ وَإِنْكَارٍ فَيَعْظُمَ ثَوَابُهُ
٤٦ - وَقَدْ جَاءَ هَذَا مُفَسَّرًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: مَا آمَنَ مُؤْمِنٌ أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ وَلَئِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا لا يُفِيدُ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَمْرَنَا بِالإِيمَانِ بِمَلائِكَتِه وَرُسُلِهِ وَنَعِيمِ الْجَنَّةِ لا يُفِيدُ لأَنَّا لا نَعْلَمُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجَدْنَا أَحَدًا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَقَفَ عَلَى تَفْسِيرِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ بَلْ مَضَوْا فِي تَفْسِيرِهِ كُلِّهِ حَتَّى فَسَّرُوا الْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مِثْلَ: الم وحم وص وق.
[ ١ / ٦٦ ]
قِيلَ: هَذَا وَهْمٌ عَلَى السَّلَفِ لأَنَّ الأَجِلاءَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَالْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْعِلْمِ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الآيَةِ مِنَ الْقُرْآنِ فَلا يُجِيبُونَ عَنْهَا، وَيَقُولُونَ: مَا نَعْرِفُ تَأْوِيلَهَا مِنْهُمْ
: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ
٤٧ - أما أَبُو بكر ذكر الأب عنده فقيل له: هو الرعي، واختلفوا فيه، فقال: لا تختلفوا أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت فِي كتاب الله بما لا أعلم
٤٨ - وَقَالَ حميد، عن أنس: تلى عمر عَلَى المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هَذِهِ الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع عَلَى نفسه فقال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هَذَا لهو التكلف.
[ ١ / ٦٧ ]
٤٩ - وعن ابن أَبِي مليكة قَالَ: دخلت عَلَى ابن عباس أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان، فقال له عبد الله: يا أَبَا العباس ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أي يوم هَذَا؟ فقال ابن عباس: من أنت؟ فانتسب له فلما عرفه قَالَ: مرحبا بك، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أي يوم هَذَا؟ قَالَ: أنا سألتك يا ابن العباس لتخبرني؟ قَالَ: أيام سماها الله، ﷿، هو أعلم بها كيف تكون، أكره أن أقول فِي كتاب الله، ﷿، بما لا أعلم
والذي فسره بعض المفسرين مما توقف ابن عباس فإنه لم يذكر مراد الله فيها بل قَالَ: يظهر لي فيها كذا، ويسنح كذا والله هو العالم بالتأويل فإن قيل: فقد قَالَ: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ قيل كما قَالَ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ولم تدمر السموات والأرض، وَقَالَ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ولم تؤت مثل فرج الرجل ولحيته.
[ ١ / ٦٨ ]
فإن قيل: إذا لم يدخل الراسخون مع الله فِي العلم لم يكن لهم فضل عَلَى من لم يرسخ فِي العلم، لأن كل المسلمين يقولون آمنا به.
قيل: فضل الراسخين عَلَى غيرهم أنهم يعرفون الأحكام المحكمات مالا يعرفه غيرهم، وقد قيل: إن فضيلتهم تحصل بإيمانهم بالغيب عَلَى من لم يؤمن به، وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ وهذا يدل عَلَى أن هناك من لم يؤمن به فكانت فضيلتهم بالإيمان به.
فإن قيل: فنسلم لكم فِي القرآن مالا يعلم تأويله غير الله، لكن فائدته التلاوة التي هي طاعة وهي مندوب إليها يثاب عَلَى فعلها، فأما الأخبار فمتى لم يعرف معناها بلغة العرب عريت عن فائدة، لأنها لا تفيد عملا ولا تثبت علما ولا ثواب فِي فعلها.
قيل: لا تعرى عن فائدة لما بينا فيما قبل وهو اختبار العباد ليؤمن به المؤمن فيسعد، ويكفر به الكافر فيشقى، لأن سبيل المؤمن أن يصدق بما جاء به الرسول
٥٠ - ودليل آخر ما روى أَبُو هُرَيْرَةَ وعبد الله بن عمرو، عن النبي، ﷺ، قَالَ: " يحمل هَذَا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " فوجه الدلالة أنه منع التأويل فِي ذَلِكَ.
[ ١ / ٦٩ ]
فإن قيل: إنما منع تأويل الجاهلين ولسنا جهالا بالتأويل.
قيل: بل الجهالة حاصلة بالتأويل بدليل ما تقدم من قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾.
دليل آخر عَلَى إبطال التأويل: أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها عَلَى ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغا لكانوا أسبق لما فيه من إزالة التشبيه، ورفع الشبهة، بل قد روي عنهم ما دل عَلَى إبطاله.
٥١ - فروى أَبُو بكر الخلال بإسناده عن أم سلمة أنها قالت فِي قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قالت: كيف غير معقول، والاستواء غير مجهول والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
فقد صرحت بالقول بالاستواء غير معقول وهذا يمنع تأويله عَلَى العلو وعلى الاستيلاء.
[ ١ / ٧١ ]
٥٢ - وروى سعيد الجريري، عن سيف السدوسي، عن عبد الله بن سلام قَالَ: إذا كان يوم القيامة جيء بنبيكم، ﷺ، فأقعد بين يدي الله، ﷿، عَلَى كرسيه، قَالَ: فقلت: يا أَبَا مسعود إذا كان عَلَى كرسيه أليس هو معه؟ قَالَ: ويلكم هَذَا أقر حديث فِي الدنيا لعيني.
وفي لفظ آخر قَالُوا للجريري: إذا كان عَلَى الكرسي هو معه؟ قَالَ: نعم، ويلكم هو معه، هو معه.
فقد صرح بالأخذ بالحديث عَلَى ظاهره وأنكر عَلَى من يرد.
٥٣ - وكذلك حَمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قَالَ: قرأ رسول الله، ﷺ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَالَ: " وضع إبهامه عَلَى قريب من طرف أنملة خنصره فساخ الجبل "، قَالَ حميد لثابت: تقول هَذَا فدفع ثابت يده فضرب بها صدر حميد، وَقَالَ: يقوله رسول الله، ﷺ، ويقوله أنس وأنا أكتمه وفي لفظ آخر، قَالَ: فضرب صدره ضربة شديدة، وَقَالَ: من أنت يا حميد
[ ١ / ٧٢ ]
وما أنت يا حميد يحدثني به أنس بن مالك، عن النبي، ﷺ، تقول أنت ما تريد
٥٤ - وروى أن قتادة بن النعمان دخل عَلَى أَبِي سعيد يعوده فوجده مستلقيا رافعا رجله اليمنى عَلَى اليسرى، فقرص النعمان رجل أَبِي سعيد قرصة شديدة، فقال أَبُو سعيد: سبحان الله يا ابن أخي أوجعتني قَالَ: ذاك أردت إن رسول الله، ﷺ، قَالَ: " إن الله لما قضى خلقه استلقى ثم رفع إحدى رجليه عَلَى الأخرى، ثم قَالَ: لا ينبغي لأحد من خلقي أن يفعل هَذَا "، فقال أَبُو سعيد: لا جرم والله لا أفعله.
فإن قيل: أليس قد أنكر بعضهم عَلَى أَبِي مسعود وعلى الجريري وعلى ثابت فقد حصل خلاف بينهم.
قيل: لما أمسكوا عن الجريري وعن أَبِي مسعود دل عَلَى أنهم أجابوا إلى ذَلِكَ.
[ ١ / ٧٣ ]
٥٥ - دليل آخر عَلَى إبطال التأويل: أن أَبَا الحسن الأشعري وأصحابه مثل أَبِي بكر بن الباقلاني، وأبي بكر بن فورك وأبي علي بن شاذان قد أثبتوا صفاتا لم يعقلوا معناها ولم يحملوها عَلَى مقتضى اللغة كالوجه واليدين والعين، ولم يحملوا الوجه عَلَى جملة الذات، واليدين عَلَى النعمتين، ولا العين عَلَى المرأى بل أثبتوها صفات ذات، لورود الشرع بها، وقد صرحوا بهذا فِي كتبهم ورأيت بعضهم يأبى ذَلِكَ ويتأول هَذِهِ الصفات، وهذا القائل يتشاغل بالكلام معه فِي هَذِهِ الصفات، فإذا ثبت الكلام فيها بنينا الأخبار عَلَى ذَلِكَ
٥٦ - دليل آخر عَلَى إبطال التأويل، وذلك أن من حمل اللفظ عَلَى ظاهره حمله عَلَى حقيقته، ومن تأوله عدل به عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفاته.
[ ١ / ٧٤ ]
فإن قيل خبر الواحد إنما فيما طريقة العمل وأما فيما طريقة الاعتقاد والقطع فلا قيل: هَذِهِ وإن كانت أخبار آحاد فإن الأمة قد تلقتها بالقبول، منهم من حملها عَلَى ظاهرها وهم أصحاب الحديث، ومنهم من تأولها وتأويلها قبول لها فإن قيل: فهل تكفرون من ردها أو تأولها؟
٥٧ - قيل: قد قَالَ أَحْمَد فِي رواية أَبِي طالب: من قَالَ إن الله خلق آدم عَلَى صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه
٥٨ - وَقَالَ فِي رواية المروزي وقد سأله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحاك فقال: مثل الزرع وهذا كلام الجهمية
٥٩ - وَقَالَ فِي رواية الأثرم: وقد سأل أَحْمَد حدث محدث وأنا عنده بحديث: " يضع الرحمن قدمه فيها " وعنده غلام فأقبل عَلَى الغلام فقال: إن لهذا تفسيرا، فقال أَبُو عبد الله: أنظر إليه كما تقول الجهمية سواء.
فقد أطلق القول بأنه جهمي، وقد كفرهم ببعض أقوالهم ولم يكفرهم ببعض.
[ ١ / ٧٥ ]
٦٠ - فقال فِي رواية المروزي: وقد سأله عن القدري فلم يكفره إذا أقر بالعلم
٦١ - وَقَالَ فِي رواية حنبل: من قَالَ بالقدر وعظم المعاصي فهو أقرب مثل الحسن.
[ ١ / ٧٦ ]