قوله "يكشف عن ساقه" وهذا أيضًا غير ممتنع إضافة الساق إليه وإثبات ذلك صفة لذاته، كما لم يمتنع إضافة اليد والوجه على وجه الصفة، لا على وجه الأبعاض والأجزاء، كذلك في الساق، ونظير هذا الخبر ما روي "يضع قدمه" وروي "رجله في النار" ويأتي الكلام في ذلك.
فإن قيل: المراد بذكر الساق ها هنا شدة الأمر، قال الشاعر:
وقامت الحرب على ساق.
وقال ابن عباس في قوله "يَومَ يُكشف عن ساق" أي عن شدة الأمر (^١).
١٦٠ - وقال الحسن في قوله ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ [القيامة: ٢٩] أي التفت ساق الدنيا بساق الآخرة (^٢).
قيل: هذا غلط لوجوه، أحدها: أنه قال: "فيتمثل لهم الرب وقد كشف عن ساقه" والشدائد لا تسمي ربًّا.
والثاني: أنهم التمسوه ليتَّبعوه، فينجوا من الأهوال والشدائد التي وقع فيها من كان يعبد غيره، وإذا كان كذلك لم يجز أن يلتمسوه على صفةٍ تلحقهم فيها الشدة والأهوال.
الثالث: أنه قال "فَيَخَرون سُجَّدا" والسجود لا يكون للشدائد، وهذا جواب أبي بكر، رأيته في تعاليق أبي إسحاق عنه.
_________________
(١) تقدم تخريجه والكلام على أسانيده.
(٢) أخرجه ابن جرير (٢٩/ ١٢٢) عن قتادة عنه. وعزاه السيوطي في الدر (٨/ ٣٦٢) إلى عبد بن حميد.
[ ١٩١ ]
الرابع: إن جاز تأويل هذا على الشدة، جاز تأويل قوله "ترون ربكم" على رؤية أفعاله وكراماته، وقد امتنع مُثبتو الصفات من ذلك، والذي رُوي عن ابن عباس والحسن، فالكلام عليه من وجهين: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون هذا التفسير منهما على مقتضى اللغة، وأنَّ الساق في اللغة هو الشدة، ولم يقصد بذلك تفسيره في صفات الله تعالى في موجب الشرع.
والثاني: أنه يُعارض ما قاله قول عبد الله بن مسعود، أخرجه إليّ أبو القسم عبد العزيز قال: نا أبو القاسم إبراهيم بن جعفر الساجي قال أنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق التمار البصري قال نا أبو داود سليمان بن الأشعث قال نا سلمة بن شبيب نا عبد الرزاق أنا سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن ابن مسعود في قوله -﷿- ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: عن ساقيه جلَّ ذكره (^١).
١٦١ - وقال أبو داود نا بندار محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان ابن مسعود يقول ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾
_________________
(١) إسناده منقطع، أبو صادق هو الأزدي الكوفي، صدوق، أرسل عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة (التهذيب ١٢/ ١٣٠). ففي سماعه من ابن مسعود بُعد، فإن عليًّا وأبا هريرة توفيا بعد ابن مسعود. وله طريق آخر، أخرجه ابن منده في "الرد على الجهمية" (ص ٣٧) أخبرنا علي بن العباس بن الأشعث ثنا محمد بن حماد الطهراني ثنا عبد الرزاق أنبأ الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن ابن مسعود به. والطهراني ممن روى عن عبد الرزاق بعدما عمي، وشيخ ابن منده لم أجد له ترجمة. وأشار إلى هذا الأثر الحاكم وصححه (٢/ ٥٠٠) فقال بعد أن روى حديث ابن عباس في تفسير "يوم يكشف عن ساق": هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أولى من حديث رُوي عن ابن مسعود بإسناد صحيح! لم أستجز روايته في هذا الموضع. وعزاه السيوطي في الدر (٨/ ٢٥٤) إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.
[ ١٩٢ ]
[القلم: ٤٢] قال: يكشف الرحمن عن ساقه (^١).
١٦٢ - وأخرج إلى أبو القسم قال نا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران نا عثمان بن أحمد بن عبد الله بن السماك قال نا عبد الله بن ثابت قال حدثني أبي قال حدثني الهذيل بن حبيب الدنداني قال قال مقاتل بن سليمان قال عبد الله بن مسعود في قوله -﷿- ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] يعني عن ساقه اليمين، فيضيء من نور ساقه الأرض، فذلك قوله ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩]، يعني نور ساقه اليمين (^٢).
١٦٣ - فهذا قول ابن مسعود وناهيك بعبد الله أول المقدَّمين من الصحابة بعد العشرة وقال النبي -ﷺ- "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد" (^٣).
_________________
(١) إسناده منقطع، إبراهيم وهو ابن يزيد النخعي لم يسمع من عبد الله. ولم أجد الحديث في سنن أبي داود ولا في المراسيل وكذا الذي قبله.
(٢) إسناده ضعيف، مقاتل بن سليمان متهم ورمي بالتجسيم.
(٣) صحيح، أخرجه الحاكم (٣/ ٣١٧ - ٣١٨) عن زائدة عن منصور عن زيد بن وهب عن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ- فذكره. قال الحاكم: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وله علة من حديث سفيان الثوري فأخبرنا محمد بن موسى بن عمران الفقيه ثنا إبراهيم بن أبي طالب ثنا أبو كريب ثنا وكيع عن سفيان. وأما حديث إسرائيل فأخبرناه أبو عبد الله الصفار ثنا أحمد بن مهران ثنا عبيد الله بن موسى أنا إسرائيل جميعًا عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن أن رسول الله -ﷺ- فذكره. اهـ قلت: وهذا المرسل لا يقدح في صحة الموصول السابق، لأن الراوي عن منصور وهو زائدة ابن قدامة ثقة ثبت، فوجب قبول زيادته، ولأن منصور رواها عن شيخ آخر فدلَّ على أن له شيخان في هذا الحديث، وهذا ما قرره الشيخ الألباني حفظه الله في السلسلة (١٢٢٥). وممن رواه مرسلا من الوجه السابق: أحمد في فضائل الصحابة (١٥٣٦) والطبراني في الكبير (٩/ ٨٠). =
[ ١٩٣ ]
١٦٤ - "وتمسكوا بعهد (^١) ابن أم عبد" (^٢). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ورواه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٥٤٩ - ٥٥٠) عن سفيان حدثني أبو عميس (عتبة بن عبد الله) عن القاسم قال: قال النبي -ﷺ- لعبد الله: "قم فتكلم فحمد الله -﷿-. . . فقال النبي -ﷺ-: "اللهم رضيت لأمتي. . ." ورواه العدني في مسنده (كما في المطالب ٤/ ١١٣ - ١١٤). وأخرجه الطبراني كما في المجمع (٩/ ٢٩٠) مطولًا عن أبي الدرداء وقال الهيثمي: رجاله ثقات إلا أن عبيد الله بن عثمان بن خثيم لم يسمع من أبي الدرداء والله أعلم. ورواه البزار عن عمرو بن أبي قيس عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله مرفوعًا به وزاد: وكرهت لأمتي ما كره لها ابن أم عبد. قال البزار: لا نعلم أسند منصور عن القاسم عن أبيه عن عبد الله إلا هذا، ولا نعلمه مسندًا إلا بهذا الإسناد، وروي عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن مرسلًا. اهـ وفي إسناده محمد بن حميد الرازي، حافظ ضعيف، قاله الحافظ. ورواه أحمد في فضائل الصحابة (١٥٣٩) عن وكيع ثنا مالك يعني ابن مغول عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب قال: قال رسول الله -ﷺ- فذكره مرسلًا. ورجاله ثقات.
(٢) كتب فوق بعهد: بهدي، وقد وردت في بعض طرق الحديث.
(٣) جزء من حديث صحيح، رواه أحمد (٥/ ٣٩٩) وفي فضائل الصحابة (١٩٨، ٤٧٩) والبخاري في الكنى (ص ٥٠) وابن سعد (٢/ ٣٣٤) والترمذي (٥/ ٦١٠) عن سالم أبي العلاء المرادي عن عمرو بن هرم عن ربعي بن حراش وأبي عبد الله عن حذيفة قال: كنا جلوسًا عند النبي -ﷺ- قال: "إني لست أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي يشير على أبي بكر وعمر -﵄-، واهتدوا بهدي عمارٍ، وتمسكوا بعهد أم عبد" ولم يذكر الترمذي: واهتدوا بهدي. . . إلى آخره. وأبو عبد الله قال ابن سعد: رجل من أصحاب رسول الله -ﷺ- وقال البخاري في الكنى: رجل من أهل المدائن، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وسالم هو ابن عبد الواحد المرادي الأنعمي قال الحافظ: مقبول. وعمرو بن هرم ثقة. وقد تابعه عبد الملك بن عمير، أخرجه الحميدي (٢/ ٢١٤) وابن سعد (٢/ ٣٣٤) وأحمد (٥/ ٣٨٢) والترمذي (٥/ ٦٠٩) والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ١٧٧) والحاكم (٣/ ٧٥) عن ربعي ابن حراش عن حذيفة مرفوعًا به، وبعضهم لا يذكر: واهتدوا بهدي. . . وقال الترمذي: حسن. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. =
[ ١٩٤ ]
وهو صاحب السواد يعني سرار (^١) رسول الله (^٢) وقال "لو كنت مُؤَمرًا أحدًا دون شورى المؤمنين، لأمَّرتُ عليهم ابن أم عبد" (^٣).
_________________
(١) = ورواه عبد الملك بن عمير عن هلال مولى لربعي عن ربعي عن حذيفة. أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٤٥) وأحمد (٥/ ٣٨٥، ٤٠٢) وابن ماجة (١/ ٣٧) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٤٨٠) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢/ ٢٢٣) والخطيب في تاريخه (١٢/ ٢٠) والحاكم (٣/ ٧٥) والبيهقي في "السنن" (٨/ ١٥٣) وفي "الاعتقاد" (ص ٣٤٠). وبعضهم يقول عن مولي لربعي ولا يسميه، وهما واحد، كما نبه عليه أبو حاتم في "العلل" (٢/ ٣٨١)، وقال فيه الحافظ: مقبول. ورواه عبد الملك عن مولى لربعي عن حذيفة. أخرجه ابن سعد (٢/ ٣٣٤) وعبد الله بن أحمد في "السنة" (٢/ ٥٨٠) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢/ ٢٢٣). وله طريق آخر عن ابن مسعود، أخرجه الترمذي (٥/ ٦٧٢) والطبراني في "الكبير" (٩/ ٧٢). والحاكم (٣/ ٧٥ - ٧٦) عن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كُهيل حدثني أبي عن أبيه عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن ابن مسعود مرفوعًا به. وسنده ضعيف جدًّا، علته يحيى بن سلمة فإنه متروك. قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، ويحيى بن سلمة يضعف في الحديث. وقال الذهبي: سنده واه.
(٢) في الأصل: شراز وهو خطأ.
(٣) يشير إلى حديث مسلم (٤/ ١٧٠٨) وابن ماجة (١/ ٤٩) والطبراني في الكبير (٩/ ٧٧) عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قال لي رسول الله -ﷺ-: "إذْنُكَ عليَّ أن يرفع الحجاب، وأن تسمع سِوادي حتى أنهاك". والسَّواد بالكسر: السَّرار، يقال: ساودت الرجل مُساوَدة إذا ساررته، قيل هو من إدناء سوادك من سواده، أي: شخصك من شخصه (النهاية ٢/ ٤١٩ - ٤٢٠).
(٤) ضعيف، أخرجه ابن سعد (٣/ ١٥٤) وأحمد (١/ ٩٥، ١٠٧، ١٠٨) والترمذي (٥/ ٦٧٣ - ٦٧٥) وابن ماجه (١/ ٤٩) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٥٣٤) والخطيب في "تاريخه" (١/ ١٤٨) كلهم عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث عن علي مرفوعًا به. قال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث الحارث عن علي. =
[ ١٩٥ ]
وهو أحد القراء ممن جمع القرآن. وبعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة مع عمار بن ياسر: إني بعثت إليكم بعمار أميرًا، وبعبد الله قاضيًا ووزيرًا (^١) وغير ذلك من الفضائل.
* * *
_________________
(١) = قلت: والحارث هو ابن عبد الله الأعور، ضعيف متهم. لكنه لم يتفرد به، بل تابعه عاصم ابن حمزة: رواه الحاكم (٣/ ٣١٨) عن أبي إسحاق عنه عن علي مرفوعًا، وأوله: لو كنت مستخلفًا أحدًا. . . ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. . . فتعقبه الذهبي بقوله: عاصم ضعيف! قلت: كذا قال! مع أنه قال في الكاشف: وهو وسط، ونقل في الميزان (٢/ ٣٥٢) توثيق ابن معين وابن المديني له، وقول أحمد: هو أعلى من الحارث الأعور وهو عندي حجة، وقوله النسائي: ليس به بأس. وقال الحافظ في التقريب: صدوق. لكن للحديث علة أخرى، وهي عنعنة أبي إسحاق السبيعي. وقد صحح الشيخ أحمد شاكر -﵀- هذه الرواية من هذا الطريق في تعليقه على المسند (٥٦٦).
(٢) ضعيف، أخرجه ابن سعد (٦/ ٨) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٥٣٣ - ٥٣٤) عن أبي نعيم وقبيصة قالا: ثنا سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة: إني قد بعثث إليكم عمار بن ياسر أميرًا وعبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد -ﷺ- من أهل بدر، فاقتدوا بهما واسمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي. ورجاله ثقات -سوى قبيصة بن عقبة وهو صدوق ربما خالف- لكن فيه عنعنة أبي إسحاق.
[ ١٩٦ ]