٩١ - وقد اختلفت الرواية عن أحمد في ذلك: فروى أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: إن قومًا يقولون إن عائشة قالت: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية (^١). فبأي شيء تدفع قول عائشة؟ قال: بقول النبي -ﷺ- "رأيت ربي" وقول النبي -ﷺ- أكبر من قولها.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ١٥٩) والترمذي (٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣) وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ٣٠) عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق قال: كنت متكئًا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة: ثلاثٌ من تكلم بواحدةٍ منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدًا -ﷺ- رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال وكنت متكئًا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين! أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله -﷿- ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]، فقالت: أنا أولُ هذه الأمةِ سأل عن ذلك رسولَ الله -ﷺ- فقال: "إنما هو جبريل، لم أرهُ على صُورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عِظَمُ خلقه ما بين السماء إلى الأرض"، فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]، أولم تسمع أن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ [الشورى: ٥١]. وفي البخاري (٨/ ٦١٠) ومسلم (١/ ١٥٨) سألت زرّ بن حبيش عن قول الله -﷿- ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٩]، قال: أخبرني عبد الله بن مسعود: أن النبي -ﷺ- رأى جبريل له ستمائة جناح"، وفي مسلم أنه فسَّر قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ وقوله ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ بأنه جبريل، وفيه أيضًا أن أبا هريرة فسَّر ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ بأنه جبريل. فهذا هو الصواب في هذه المسألة، والمصنف قد أخطأ في قوله إن النبي -ﷺ- رأى ربه عيانًا. وانظر كلام ابن تيمية عن هذا في المقدمة.
[ ١٢٩ ]
٩٢ - وقيل له: إن رجلًا يقول: أنا أقول أن الله يُرى في الآخرة، ولا أقول إن محمدًا رأى ربه في الدنيا، فقال: هذا أهل أن يُجفى، ما اعتراضه في هذا الموضوع؟ يُسَلِّم الخبر كما جاء. وظاهر هذا من كلامه إثبات الرؤية في ليلة المعراج، وهذه الرواية اختيار أبي بكر النجاد، وأنا أحكي كلامه في آخر الفصل.
٩٣ - ونقل حنبل قال: قلت لأبي عبد الله النبي -ﷺ- رأى ربه؟ قال: رؤيا حلم رآه بقلبه. وهذا يقتضي نفي الرؤية في تلك الليلة؟
٩٤ - ونقل الأثرم: عن أحمد أنه حكى له قول رجل يقول: رآه ولا أقول بعينه ولا بقلبه، فقال أبو عبد الله: هذا حسن (^١).
وظاهر هذا إطلاق الرؤية من غير تفسير بعين أو قلب، والرواية الأولى أصح، وأنه رآه في تلك الليلة بعينيه.
وهذه المسألة وقعت في عصر الصحابة، وكان ابن عباس وأنس وغيرهما يثبتون رؤيته في ليلة المعراج، وكانت عائشة تُنكر رؤيته بعينه في تلك الليلة، والدلالة على إثبات رؤيته قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ﴾ [الشورى: ٥١] فوجه الدلالة أنه تعالى قسم تكليمه لخلقه على ثلاثة أوجه: أحدها: بإنفاذ الرسل، وهو كلامه لسائر الأنبياء والمكلفين. والثاني: من وراء حجاب هو تكليمه موسى -﵇- وهذا الكلام بلا واسطة، لأنه لو كان بواسطة دخل تحت القسم الذي ذكرنا، وهو إنفاذ الرسل.
_________________
(١) في طبقات الحنابلة (١/ ١٤٥): قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول: من زعم أن الله لا يُرى في الآخرة، فقد كفر بالله وكذب بالقرآن، وردّ على الله أمره، يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل، والله تعالى لا يُرى في الدنيا، ويُرى في الآخرة.
[ ١٣٠ ]
الثالث: من غير رسولٍ ولا حجابٍ، وهو كلامه لنبينا في ليلة الإسراء إذ لو كان من وراء حجاب أو كان رسولًا، دخل تحت القسمين، ولم يكن للتقسيم فائدة، فتثبت أنه كان كلامه له عن رؤية.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠] أي كلمه بما كلمه بلا واسطة ولا ترجمان (^١) ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم: ١١] فالظاهر يقتضي أن النبي -ﷺ- لما رأى الله بعيني رأسه ليلة المعراج عند سدرة المنتهى لم يكذب فؤاده ما رآه بعيني رأسه.
٩٥ - ويدل عليه: ما حدثناه أبو القسم عبد العزيز قال نا علي بن عمر بن علي أبو الحسن التمار قال نا أبو بكر عمر بن أحمد بن أبي معمر الصفار قال حدثنا يوسف بن أحمد بن حرب بن الحكم الأشعري البصري قال نا روح بن عبادة عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ- في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣] قال رأيت ربي جلّ اسمه مشافهةً لا شك فيه، وفي قوله ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾
_________________
(١) قال ابن جرير (٢٧/ ٢٨): اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم: معناه فأوحى إلى عبده محمد -ﷺ- وحيه، وجعلوا قوله "ما أوحى" بمعنى المصدر. وقال آخرون: بل معنى ذلك فأوحى جبريل إلى عبده محمد -ﷺ- ما أوحى إليه ربه، وقد يتوجه هذا التأويل "ما" لوجهين: أحدهما: أن تكون بمعنى الذي، فيكون معنى الكلام: فأوحى إلى عبده الذي أوحاه إليه ربه، والآخر: أن تكون بمعنى المصدر. ثم قال: وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب، قول من قال: معنى ذلك فأوحى جبريل إلى عبده محمد -ﷺ- ما أوحى إليه ربه، لأن افتتاح الكلام جرى في أول السورة بالخبر عن رسول الله ﷺ وعن جبريل -﵇-، وقوله "فأوحى إلى عبده ما أوحى" في سياق ذلك ولم يأت ما يدلّ على انصراف الخبر عنهما، فيوجه ذلك إلى ما صرف إليه.
[ ١٣١ ]
[النجم: ١٤] قال: "رأيته عند سدرة المنتهى حتى تبين لي نور وجهه" (^١).
٩٦ - وروى أبو بكر الخلال عن عكرمة عن ابن عباس ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قال هي رؤيا عين أريها النبي -ﷺ- ليلة أسري به (^٢).
٩٧ - وروى أبو القسم عبيد الله بن أحمد بن عثمان (^٣) فيما خرجه من أخبار الصفات بإسناده: عن ابن عباس قال: كانت الخلة لإبراهيم -﵇- والكلام لموسى -﵇- والرؤية لمحمد -ﷺ- (^٤).
٩٨ - وروى أبو حفص بن شاهين في سننه بإسناده: عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس: رأى محمد -ﷺ- ربه -﷿- بعينيه مرتين (^٥).
_________________
(١) لم أجد من خرجه، ويوسف بن أحمد الأشعري لم أجد له ترجمة، والصفار الراوي عنه له ترجمة في تاريخ بغداد (١١/ ٢٤٢ - ٢٤٣) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، والتمار ثقة، تاريخ بغداد (١٢/ ٤٢). والخبر في متنه نكاره ظاهرة.
(٢) تقدم تخريجه برقم (٨٩) من هذا الفصل.
(٣) هو المحدث الحجة المقرئ، أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن عثمان الأزهري البغدادي الصيرفي، مولده سنة خمس وخمسين وثلاث مئة. وحدث عن: أبي بكر القطيعي وأبي محمد بن ماسي وغيرهم. قال الخطيب: كان أحد المعنيين بالحديث والجامعين له، مع صدقٍ واستقامةٍ ودوام تلاوة، سمعنا منه المصنفات الكبار، وكمّل الثمانين، مات في صفر سنة خمس وثلاثين وأربع مئة. (تاريخ بغداد (١٩٠/ ٣٨٥)، السير (١٧/ ٥٧٨».
(٤) صحيح، أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٩٢ - ١٩٣) والنسائي في الكبرى -كما في التحفة (٥/ ١٦٥) - وابن خزيمة في التوحيد (ص ١٩٧) والحاكم (٢/ ٤٦٩) عن معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس -﵄- به، وأوله: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم. . . . قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وعزاه السيوطي في الدر (٧/ ٦٤٧) لابن مردويه.
(٥) لم أجده بهذا اللفظ، وإنما أخرجه مسلم (١/ ١٥٨) والبيهقي في الأسماء (ص ٤٣٧) عن الأعمش عن زياد بن حصين عن أبى العالية عن ابن عباس قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم: ١١]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]، قال: رآه بفؤاده مرتين.
[ ١٣٢ ]
٩٩ - وروى أبو حفص بإسناده: عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: رأى رسول الله -ﷺ- ربه بفؤاده مرتين (^١).
١٠٠ - وروى أيضًا بإسناده: عن عكرمة عن ابن عباس قال: رأى محمد -ﷺ- ربه بقلبه (^٢).
وهذا الاختلاف عنه ليس براجع إلى ليلة المعراج، إنما هو راجع إلى رؤيته في المنام في غير تلك الليلة، رآه بقلبه على ما نبينه فيما بعد، وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة، لأن قول ابن عباس يطابق قول النبي -ﷺ- لأن النبي -ﷺ- أثبت رؤيته في تلك الليلة، ولأنه مثبت والمثبت أولى من النافي، ولا يجوز أن يثبت ابن عباس ذلك إلا عن توقيف، إذْ لا مجال للقياس في ذلك (^٣).
فإن قيل: قوله "رأيت رِبي" إنما هو بكسر الراء، وهو اسم كان لعثمان -﵁- رآه -ﷺ- في النوم في تلك الصفات، أو يكون المراد التابع
_________________
(١) أخرج مسلم نحوه، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص عن عبد الملك عن عطاء عن ابن عباس قال: رآه بقلبه. وأخرج ابن خزيمة في التوحيد (ص ٢٠٠) عن سفيان عن جرير عن عطاء عن ابن عباس قال: رآه مرتين. وإسناده حسن.
(٢) إسناد ضعيف، أخرجه الترمذي (٥/ ٣٩٦) وابن جرير (٢٧/ ٢٨) وابن خزيمة في التوحيد (ص ٢٠٠) عن إسرائيل بن يونس عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ قال: رآه بقلبه. سماك هو ابن حرب، وفي روايته عن عكرمة خاصة اضطراب. وعزاه السيوطي في الدر (٧/ ٦٤٦) إلى عبد بن حميد وابن المنذر والطبراني. لكن الأثر يشهد له ما سبق.
(٣) قول ابن عباس لا يدل على أن مذهبه إن النبي -ﷺ- رأى ربه تعالى بعينه، بل الروايات الصحيحة السابقة وهي قوله "رآه بقلبه" تدل على خلاف ذلك، وأما الروايات المطلقة أن محمدًا -ﷺ- رأى ربه تعالى، فتحمل على المقيدة حتى يتم الجمع بين الأدلة، والله أعلم.
[ ١٣٣ ]
من الجن رآه على تلك الصفات.
قيل: لفظ الخبر يُسقط هذا السؤال لأنه قال له "فيم يختصم الملأ الأعلى" وهذا لا يقوله أحد من البشر، ولأنه قال: "فوضع يده بين كتفي فوجدت بُردها بين ثديي" وليس أحد له هذا من المخلوقين.
١٠١ - وقد حكى القاضي أبو علي عن أبي بكر بن سليمان النجاد -﵀- أنه قال: رأى محمدًا ربه إحدى عشرة مرة، منها بالسُّنة تسع مرات في ليلة المعراج حين كان يتردد بين موسى وبين الله -﷿- يسئل أن يخفف عن أمته الصلاة فنقص خمسة وأربعين صلاة، في تسع مقامات، ومرتين بالكتاب (^١).
* * *
_________________
(١) أوردها ابن المصنف في طبقاته (٢/ ١١) فقال: قرأت بخط الوالد السعيد قال: حكى القاضي أبو علي بن أبي موسى عن أبي بكر النجاد أنه قال: رأى محمد -ﷺ-. . . فذكره.
[ ١٣٤ ]
الفصل الثالث
[ ١٣٥ ]