٦٨ - وقد روى أبو (^١) عبد الله بن منده (^٢) بإسناده: عن إسحاق بن راهويه قال قد صح عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "إن آدم خلق على صورة الرحمن" وإنما علينا أن ننطق به.
والوجه فيه أنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه لا كالصور، كما أطلقنا تسمية ذاتٍ ونفس لا كالذوات والنفوس.
يبين صحة هذا أن الصورة ليست في حقيقة اللغة عبارة عن التخاطيط، وإنما هي عبارة عن حقيقة الشيء، ولهذا يقول: عرفني صورة هذا الأمر (^٣).
ويطلق القول في صورة آدم على صورته سبحانه، لا على طريق التشبيه في
_________________
(١) في الأصل: عبد الله وهو خطأ.
(٢) هو الإمام الحافظ الجوال محدث الإسلام أبو عبد الله بن المحدث إسحاق بن الحافظ محمد بن يحيى بن منده. سمع من أبيه وعم أبيه عبد الرحمن بن يحيى بن منده وجم كبير، وحدث عنه أبو الشيخ والحاكم وأبو نعيم وغيرهم كثير. قال الذهبي: ولم أعلم أحدًا كان أوسع رحلة منه، ولا أكثر حديثًا منه، مع الحفظ والثقة. من كتابه "الإيمان"، "والتوحيد"، "والصفات"، و"معرفة الصحابة" (أخبار أصبهان (٢/ ٣٠٦) السير (١٧/ ٢٨ - ٤٣». وقول إسحاق بن راهويه رواه عنه حرب الكرماني في كتاب "السنة" كما في الفتح (٥/ ١٨٣).
(٣) قال ابن الأثير في "غريب الحديث" (٣/ ٥٨ - ٥٩): الصورة ترِدُ في كلام العرب على ظاهرها، وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته، وعلى معنى صفته، يقال: الفعل كذا وكذا: أي هيئته، وصورة الأمر كذا وكذا: أي صفته.
[ ٩٣ ]
الجسم والنوع والشكل والطول، لأن ذلك مستحيل في صفاته.
وإنما أطلقنا حَمْل إحدى الصورتين على الأخرى تسميةً لورود الشرع بذلك على طريق التعظيم لآدم، كما قال تعالى في أزواج النبي ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ولسن بأمهات في الحقيقة لكن على وجه التعظيم، ولأن فيه معنى ينفرد به من بين سائر ذريته، وهو أنه لما وجد حيًّا كان كاملًا لم ينتقل من حال صغرٍ إلى كبر، ومن حال ضعفٍ إلى قوة، ومن حال جهلٍ إلى علم، كذلك الله تعالى في حال وجوده كاملًا لم ينتقل من نقصٍ إلى كمالٍ ولا يجوز أن يقال أن هذا المعنى موجود في خلق حوَّاء وفي الملائكة، لأنه وإن كان خلقهم على ذلك فآدم أكمل منهم، لأن الله أسجدهم له، ولأنه قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤] ولأن حوَّاء ناقصة بالأنوثية.
وليس في حمل إحدى الصورتين على الأخرى ما يوجب المساواة كما قال تعالى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] ومعلوم أن آدم أفضل لأنه لم يخلق من نطفة، ولا اشتمل عليه رحم، وعيسى وجد فيه ذلك.
وكما قال تعالى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. وقال ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] وقال (^١) ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] ولفظه أحسن وأرحم على وزن أفعل، ولفظة أفعل تقتضي الاشتراك في الشيء، وقد شرك بينه وبين خلقه في هذه الصفات، كذلك لا يمتنع الاشتراك في الصورة.
_________________
(١) في الأصل: "بل هو أشد منهم" وزيادة بل في الآية خطأ.
[ ٩٤ ]
٦٩ - وقد روي عن ابن عباس ما دل أن الهاء راجعة على الرحمن، ذكره إسحق بن بشر القرشي (^١) في كتاب "المبتدأ" بإسناده عن ابن عباس أن ملك الروم كتب إلى معاوية يسأله عن مسائل منها: أخبرني عن أكرم رجلٍ على الله، فأنفذ بها معاوية إلى ابن عباس فقال: أكرم رجل على الله آدم، خَلَقه بيده، ونَحَله صورته، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته.
فقد نص على أنه نحله صورته.
فإن: قيل فصفوه بالجسم لا كالأجسام!
قيل: لا نصفه بذلك، لأن الشرع لم يرد بذلك، وهذا كما وصفته أنت بأن له نفسًا وحياةً، ولا نصفه بأنه جسم، وكذلك نصفه بأنه ذاتٌ وشيء، ولا نصفه بأنه جسد.
فإن قيل: الهاء عائدة على المضروب، لأن الخبر ورد على سبب.
٧٠ - وذلك أن النبي -ﷺ- مرَّ برجل يضرب ابنه، أو عبده في وجهه لطمًا، ويقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فقال النبي -ﷺ-. "إذا ضرب أحدكم عبده فليتق الوجه، فإنَّ الله خلق آدم على صورته" (^٢). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) هو إسحاق بن بشر البخاري أبو حذيفة صاحب كتاب "المبتدأ" قال الذهبي في الميزان: تركوه، وكذبه علي بن المديني، وقال ابن حبان: لا يحل حديثه إلا على جهة التعجب، وقال الدارقطني: كذاب متروك ثم قال: لكن خلط ابن حبان ترجمته بترجمة الكاهلي، ولم يذكر الكاهلي، وكذا خبط ابن الجوزي فقال في هذا: الكاهلي مولى بني هاشم، ولم يصب في قوله الكاهلي. وانظر الكامل لابن عدي (١/ ٣٣١) وقد فرق بينهما أيضًا.
(٢) لم أقف على سبب الحديث وهو قوله: أن النبي -ﷺ- مرَّ برجل. . .، وقال ابن قتيبة في "مختلف الحديث" (ص ١٤٩): وزاد قوم في الحديث أنه -﵇- مر برجل يضرب وجه رجل آخر. وقد مرّ آنفًا قوله -ﷺ- "ولا يقل قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك" انظره برقم ٦٢.
[ ٩٥ ]
يعني المضروب (^١).
_________________
(١) اختار هذا القول ابن خزيمة فقد قال في التوحيد (ص ٣٧ - ٣٨): توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله "على صورته" يريد صورة الرحمن، عزَّ ربنا وجلَّ عن أن يكون هذا معنى الخبر، بل معنى قوله "خلق آدم على صورته" الهاء في هذا الموضع كناية عن اسم المضروب والمشتوم، أراد ﷺ أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب، والذي قبَّح وجهه، فزجر -ﷺ- أن يقول: ووجه من أشبه وجهك، لأن وجه آدم شبيه وجه بنيه، فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، كان مقبحًا وجه آدم صلوات الله وسلامه عليه، الذي وجوه بنيه شبيهة بوجه أبيهم. فتفهموا رحمكم الله معنى الخبر، لا تغلطوا ولا تغالطوا فتضلوا عن سواء السبيل، وتحملوا على القول بالتشبيه الذي هو ضلال اهـ. واختاره أيضًا ابن منده كما في التوحيد (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤). وقال الحافظ في الفتح في آخر العتق (٥/ ١٨٣) في قوله "فإن الله خلق آدم على صورته": واختلف في الضمير على من يعود؟ فالأكثر على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه، ولولا أن المراد التعليل بذلك، لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها. وقال القرطبي: أعاد بعضهم الضمير على الله، متمسكًا بما رود في بعض طرقه "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" قال: وكأن من رواه أورده بالمعنى، متمسكًا بما توهمه فغلط في ذلك. وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة ثم قال: وعلى تقدير صحتها فيحمل على ما يليق بالباري -﷾-. قلت: (أي الحافظ): الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في "السنة" والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات، وأخرجها ابن أبي عاصم من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول، قال "من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن". فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه، أو من تأويله على ما يليق بالرحمن -ﷻ-. وزعم بعضهم أن الضمير يعود على آدم أي على صفته، أي خلقه موصوفًا بالعلم الذي فضل به الحيوان، وهذا محتمل. وقد قال المازري: غلط ابن قتيبة فأجري هذا الحديث على ظاهره وقال: صورة لا كالصور انتهى. وقال حرب الكرماني في كتاب "السنة" سمعت إسحاق بن راهويه يقول: صح "إن الله =
[ ٩٦ ]
قيل: هذا غلط لوجهين: أحدهما أن هذا يُسقط فائدة التخصيص بآدمٍ، لأن آدم وغيره من الأنبياء والبشر مخلوقون على صورة المضروب، بمعنى أن له وجها وما أسقط فائدة التخصيص سقط في نفسه.
والثاني: أن في اللفظ "خلق آدم على صورة الرحمن" (^١).
فإن قيل: إنما خص آدم بالذكر، لأنه هو الذي ابتديت خلقه وجهه على الحد الذي يُحتذى عليها من بعده، كأنه على وجه المبالغة في الردع له عن ذلك.
قيل: لو كان القصد المبالغة لقال: فإن الله خلق محمدًا على صورته لأنه أفضل من آدم، فلما خص آدم بالذكر، دلَّ على أنه لمعنى فيه.
_________________
(١) = خلق آدم على صورة الرحمن"، وقال إسحاق الكوسج سمعت أحمد يقول: هو حديث صحيح اهـ من الفتح. وقال في الاستئذان (١١/ ٣): واختلف إلى ماذا يعود الضمير؟ فقيل: إلى آدم أي خلقه على صورته التي استمر عليها إلى أن أهبط وإلى أن مات، دفعًا لتوهم من يظن أنه لما كان في الجنة كان على صفة أخرى، أو ابتدأ خلقه كما وجد لم ينتقل في النشأة كما ينتقل ولده من حاله إلى حاله. وقيل: للرد على الدهرية إنه لم يكن إنسان إلا من نطفة، ولا تكون نطفة إنسان إلا من إنسان ولا أول لذلك، فبين أنه خُلق من أول الأمر على هذه الصورة. وقيل: للرد على الطبائعيين الزاعمين أن الإنسان قد يكون من فعل الطبع وتأثيره. وقيل: للرد على القدرية الزاعمين أن الإنسان يخلق فعل نفسه. وقيل: إن لهذا الحديث سببًا حذف من هذه الرواية، وأن أوله قصة الذي ضرب عبده فنهاه النبي -ﷺ- من ذلك، وقال له: إن الله خلق آدم على صورته. وقيل: الضمير لله، وتمسك قائل ذلك بما ورد في بعض طرقه "على صورة الرحمن" والمراد بالصورة الصفة، والمعنى: إن الله خلقه على صفته من العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك، وإن كانت صفات الله لا يشبهها شيء. اهـ. وانظر قول ابن حبان، في صحيحه (٨/ ١٢). قلت: وأصح ما قيل فيه هو كلام ابن خزيمة ومن تابعه، وعلى كل حال فنحن ننزه ربنا عن مشابهة مخلوقاته، وليس في كلام الله تعالى ولا كلام رسوله -ﷺ- تشبيه ولا تمثيل.
(٢) تقدم أن هذا اللفظ لا يصح، انظره برقم (٦٣) من هذا الفصل.
[ ٩٧ ]
وجواب آخر: وهو أنه قد روي في لفظ آخر "على صورة الرحمن وعلى صورة نفسه" وهذا يمنع حمله على المضروب، فوجب أن يقضي بالمقيد عليه. فإن قيل: الهاء ترجع على آدم، ويكون رجوعها عليه لوجوه: أحدها أن يعرفنا أنه خلق في الجنة على الصورة التي كان عليها في الدنيا، لم يغير الله خلقته، ويكون فائدة ذلك تعريفنا الفرق بينه وبين سائر من أخرجه من الجنة معه، من الحية والطاووس، فإنه عاقب الحيَّة وشوَّه خلقها، وسلبها قوائمها، وجعل أكلها التراب، وشوه رجلي الطاووس (^١)، ولم يشوه خلقة آدم. بل أبقى له حُسن الصورة، فعرفنا بذلك أنه كان في الجنة على الصورة التي هو عليها.
قيل: هذا لا يصح لوجوه:
أحدها: أنه روي ما دل على تغير خلقه عن الصفة التي كانت عليها.
_________________
(١) نقله البيهقي في الأسماء (ص ٢٩٠) عن أبي منصور (وهو الماتريدي). فائدة: أخرج ابن جرير في تفسيره (١/ ١٨٧ - ١٨٩) عدة آثار تفيد أن إبليس لما طرد أراد أن يدخل الجنة فمنعته الخزنة، فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البعير، وهي كأحسن الدواب فكلمها أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم فأدخلته في فمها، فمرت الحية على الخزنة فدخلت ولا يعلمون، فكلمهما من فيها، فأعراها الله وجعلها تمشي على بطنها. قلت: وفي أسانيد هذه الآثار انقطاع وجهالة وضعف، وهي أشبه بالإسرائيليات المتلقاة عن أهل الكتاب. ثم قال ابن جرير: وأولى ذلك بالحق عندنا، ما كان لكتاب الله موافقًا، وقد أخبر الله تعالى ذكره عن إبليس أنه وسوس لآدم وزوجته ليبدي لهما ما وُورِيَ عنهما من سوآتهما، وأنه قال لهما ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ وأنه قاسمهما إني لكما من الناصحين، مدليًا لهما بغرور. ففي أخباره جل ثناؤه عن عدو الله أنه قاسم آدم وزوجته بقيله لهما: إني لكما لمن الناصحين، الدليل الواضح على أنه قد باشر خطابهما بنفسه، إما ظاهرًا لأعينهما، وإما مستجنا في غيره، وذلك أنه غير معقول في كلام العرب أن يقال: قاسم فلان فلانًا في كذا وكذا، إذا سبب له سببًا وصل به إليه، دون أن يحلف له اهـ.
[ ٩٨ ]
٧١ - حدثناه أبو القسم عبد العزيز قال نا أبو الفتح القوَّاس ولنا منه إجازة قال قرئ على أبي إسحق إبراهيم بن حماد نا أبو يحيى الناقد قال نا أبو صالح بن عبد الله الربذي قال: نا معاوية بن عمار نا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: إن آدم لما هبط إلى الهند ورأسه يكاد ينال السماء، وأن الأرض شكت إلى ربها ثقل آدم، قال: فوضع الجبار جلَّ اسمه يده عليه، فانحط سبعين باعًا، وهبط معه الفحل والأترج والموز. قال أبو يحيى الناقد: يقولون: الفحل الذكر من النخل (^١).
وهذا يدل على تغير خلقته عما كانت عليه.
وجواب آخر: وهو أن هذا يسقط فائدة التخصيص، لأن حوَّاء لم يُغير خلقها لما أخرجها من الجنة، فوجب أن يكون لهذا التخصيص فائدة.
جواب آخر: وهو أنه قد روي "خلق آدم على صورة الرحمن"، وهذا يمنع رجوع الهاء على آدم.
فإن قيل: فالهاء عائدة على آدم، ويكون المراد به أن النبي -ﷺ- أفادنا بذلك إبطال قول أهل الدهر: إنه لم يكن إنسان، إلا من نطفة ولا نطفة إلا من إنسان فيما مضى ويأتي، وليس ذلك أول ولا آخر، وإن الناس إنما ينقلون من نشوء إلى نشوء على ترتيب معتاد، فعرفنا تكذيبهم، وأن آدم خلق على صورته التي شوهد عليها، من غير أن كان عن نطفة قبله وعن تناسل، أو تنقل من صغرٍ إلى كبر، كالمعهود من أحوال أولاده.
قيل: هذا غلط لأنه يسقط فائدة التخصيص بآدم، لأن الملائكة خلقوا من
_________________
(١) أخرجه ابن منده في "التوحيد" (١/ ٨٥) عن معاوية بن عمار الدهني عن أبي الزبير عن جابر به. وفيه عنعنة أبي الزبير.
[ ٩٩ ]
غير نطفة ولا تناسل، وكذلك عيسى خُلق من غير نطفة قبله وغير تناسل، وقد قال تعالى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩] ولأنا قد استفدنا إبطال قول الدهرية من غير هذا الموضوع، وهو قوله خلقته من طين.
وجواب آخر: وهو أنه قد روي "خلق آدم على صورة الرحمن" وهذا يمنع رجوع الهاء على آدم.
فإن قيل: الهاء عائدة على آدم، ويكون فائدته إعلامنا أنه لم يكن حادثًا عن توليد عنصرٍ أو تأثير طبعٍ، أو فلكٍ أو ليلٍ أو نهارٍ، إبطالًا لقول الطبائعيين، أن بعض ما كان عليه آدم من هيئاته وصورته لم يخلقه الله -﷿-، بل كان فعل الطبع أو تأثير فلك، فبيَّن بذلك أن الله تعالى هو الخالق لآدم، على ما كان فيه من الصُّور والتركيب، وإبطالًا لقول القدرية، أن من صفات آدم ما لم يخلقه الله، وإنما خلقها آدم لنفسه؟!
قيل: هذا غلط لما بينَّا وهو أنه يسقط فائدة التخصيص بآدم، لأن بقية البشر هذا المعنى موجود فيهم، وأن الله تعالى هو الخالق، وأنه لا صنع للطبيعة فيه والفلك فيه، ولأنه قد روي في لفظ آخرٍ "خلق آدم على صورة الرحمن".
فإن قيل: إنما خص آدم بذلك تنبيهًا على أن من شاركه من المخلوقات في معناه، قيل: هذا غلط، لما بينَّا من أن خلق عيسى في معنى خلق آدم بقوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] فلا معنى لتخصيصه بذلك، ولأن، قوله "خلق آدم على صورة الرحمن" يمنع من ذلك.
فإن قيل: الهاء عائدة على آدم، ويكون فائدته إشارة إلى ما تقدم أن الله خلق السعيد سعيدًا والشقي شقيًّا، فلما خلق آدم وقد علم أنه يعصي
[ ١٠٠ ]
ويخالف، وكتب ذلك عليه قبل أن خلقه (^١) عرفنا ما سبق من قضائه، وأنه هكذا خلقه على ما علم منه.
قيل: هذا غلط لما بيَّنا أنه يسقط فائدة التخصيص بآدم، لأن ولد آدم مخلوق على ما سبق قضائه من الشقاء والسعادة، ولأنه قد روي في لفظ آخر "خلق آدم على صورة الرحمن".
فإن قيل: عود الهاء على آدم أولى، لأنه أقرب المذكور.
قيل: الهاء قد تعود تارة إلى الأقرب، وتارة إلى الأبعد، قال تعالى ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: ٩] فالهاء في قوله ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ عائدة على اسم الله تعالى، وإن كان أبعد في اللفظ، وذكر الرسول أقرب ولأنه لو قال قائل: ولد لفلان، ولد على صورته، عقل من ذلك صورة الأب، وإن كان هو الأبعد في الخطاب، ولم يرجع ذلك إلى صفة الولد وإن كان هو الأقرب.
٧٢ - وقد صرح أحمد بإبطال القول أن الهاء عائدة على آدم، فقال في رواية أبي طالب: من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم، فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه (^٢)؟
٧٣ - وقد ذكره عبد الرحمن بن منده في كتاب "الإسلام" فقال قال أبو إسحق إبراهيم بن أحمد بن فراسٍ (^٣) في كتابه عن حمدان بن علي قال سمعت
_________________
(١) كذا في الأصل: خلقه، ولعل الصواب: يخلقه.
(٢) تقدم برقم (٥٧).
(٣) هو الإمام الكبير شيخ الشافعية، وفقيه بغداد، أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي، صاحب العباس بن سريج وأكبر تلامذته. صنف كتابا في السنة، وقرأه بجامع مصر، وحضره آلاف فجرت فتنة، فطلبه كافور فاختفى، =
[ ١٠١ ]
أحمد بن حنبل يقول وسأله رجل فقال: يا أبا عبد الله، الحديث الذي رُوي عن النبي -ﷺ-: "أن الله خلق آدم على صورته" على صورة آدم قال فقال أحمد بن حنبل: فأين الذي يُروي عن النبي -ﷺ- "أن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن -﷿-"، ثم قال أحمد: وأي صورة كانت لآدم قبل أن يُخلق؟
٧٤ - قال وأنا علي بن يحيى بن جعفر الإمام قال أنا الطبراني قال سمعت عبد الله ابن أحمد بن حنبل يقول: قال رجلٌ لأبي: إنَّ فلانًا يقول في حديث رسول الله -ﷺ-: "إن الله خلق آدم على صورته" فقال: على صورة الرجل، قال أبي: كذب هذا، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا (^١).
٧٥ - قال: وروى إسماعيل بن أحمد (^٢) أبو سعد (^٣) في كتاب السنة عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كُنَّا بالبصرة عند شيخ فحدثنا بحديث النبي -ﷺ-: "إن الله -﷿- خلق آدم على صورته" فقال الشيخ: تفسيره خلقه على صورة الطين، فحدثت بذلك أبي -﵀- فقال: هذا جهمي، أو قال هذا كلام الجهمية.
٧٦ - وقد ذكر أبو محمد بن حيان الأصبهاني في مجموع له في التفسير في
_________________
(١) = ثم أدخل على كافور، فقال: أما أرسلت إليك أن لا تشهر هذا الكتاب فلا تظهره، وكان فيه ذكر الاستواء، فأنكرته المعتزلة. (تاريخ بغداد (٦/ ١١)، السير (١٥/ ٤٢٩ - ٤٣٠).
(٢) إسناده صحيح، علي بن يحيى بن جعفر هو أبو الحسن ابن عبدُكويه الأصبهاني، قال الذهبي: الشيخ الإمام المحدّث الرحّال الثقة. مولده سنة بضع وثلاثين وثلاث مئة، وتوفي المحرم سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة. (العبر ٣/ ١٥٠)، السير (١٧/ ٤٧٨ - ٤٧٩).
(٣) وقع في الأصل: ابن أسعد، والصواب ما أثبتناه إن شاء الله.
(٤) كتب في الأصل في الهامش حرف: "ن" و"طالب" إلى جانب أبي مالك.
[ ١٠٢ ]
سورة "حم عسق" بخط أبي مالك المكي (^١) فقال صاحب الكتابة (^٢) عن حمدان بن الهيثم المديني سمعت أبا مسعود (^٣) يقول قال أحمد بن حنبل
_________________
(١) هو العلامة شيخ الشافعية أبو سعد إسماعيل بن الإمام أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي الجرجاني الشافعى، صاحب التصانيف. قال حمزة السَّهمي: كان أبو سعد إمام زمانه، مُقدمًا في الفقه وأصول العربية والكتاب والشروط والكلام، صنّف في الفقه كتابًا كبيرًا، وتخرج به جماعة، مع الورع الثخين، والمجاهدة والنصح للإسلام، والسخاء وحسن الخلق، وبالغ السهمي في تعظيمه، قاله الذهبي (تاريخ بغداد (٦/ ٣٠٩ - ٣١٠)، السير (١٧/ ٨٧ - ٨٨».
(٢) أي أبي الشيخ الأصفهاني. قال الحافظ الذهبي في "الميزان" (١/ ٦٠٢ - ٦٠٣): حمدان بن الهيثم عن أبي مسعود أحمد بن الفرات وعنه أبو الشيخ ووثقه، لكنه أتى بشيء منكر عن أحمد بن حنبل في معنى قوله -﵇-: "إن الله خلق آدم على صورته" زعم أنه قال: صوّر الله صورة آدم قبل خلقه ثم خلقه. . ." قال يحيى بن منده في مناقب أحمد قال المظفر بن أحمد الخياط في كتاب "السنة": وحمدان بن الهيثم يزعم أن أحمد قال: صور الله صورة آدم قبل خلقه، وأبو الشيخ يوثقه في كتاب الطبقات. ويدل على بطلان روايته ما رواه حمدان بن علي الوراق -الذي هو أشهر من حمدان بن الهيثم وأقدم- أنه سمع أحمد بن حنبل. . . (ثم ذكر الرواية التي تقدمت برقم (٧٣)، ورواية الطبراني المتقدمة برقم (٧٣). ثم قال الذهبي: وقيل: إن أبا عمر بن عبد الوهاب أبا الشيخ لمكان حكاية حمدان، وقال: إن أردت أن أسلم عليك فأخرج من كتابك حكاية حمدان بن الهيثم اهـ. وانظر "لسان الميزان" (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧).
(٣) هو أحمد بن الفرات بن خالد الرازي أبو مسعود الضبي الأصبهاني، سمع يزيد بن هارون وأبا اليمان وعبد الرزاق وأحمد وغيرهم. وروى عنه أبو داود وابن أبي عاصم وجعفر الفريابي ومحمد وعبد الرحمن ابنا يحيى بن منده وغيرهم. جاء عن أحمد أنه قال: ما تحت أديم السماء أحفظ لأخبار رسول الله -ﷺ- من أبي مسعود، وقال علي بن المديني: كان من الراسخين في العلم. وقال الحافظ في التقريب: ثقة حافظ تكلم فيه بلا مستند. طبقات الحنابلة (١/ ٥٣ - ٥٥)، التهذيب (١/ ٦٦ - ٦٧).
[ ١٠٣ ]
معنى حديث النبي -ﷺ- "إن الله خلق آدم على صورته" قال: صوَّر آدم قبل خلقه ثم خلقه، على تلك الصورة، فإما أن يكون الله خلق آدم على صورته فلا، وقد قال الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ولا نقول: إن الله يشبهه شيء من خلقه، ولا يخفى على الناس أن الله خلق آدم على صورة آدم ولا يجوز أن يقال: لله كيف؟ لأن الله لا يوصف بصفة الإنسان، وقد قال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فذاك ربنا -﷿- ليس كمثله أحد من خلقه.
٧٧ - قال أبو طالب المكي: هذا توهم عن أحمد، إنما هذا قول أبي ثور، فذُكِر ذلك لأحمد فأنكر عليه، وقال: ويله وأي صورة كانت لآدم حتى خلقه عليها، يقول: إن الله خلق على مثال، ويله فكيف يصنع بالحديث الآخر "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن".
فهذا هو المحفوظ من قول أحمد، وإنما التبس القولان فنسب ذلك إلى أحمد لأن أبا ثور كان سُئل عن قوله "خلق آدم على صورته" فقال: الهاء عائدة على آدم.
فإن قيل: الزيادة المذكورة في حديث ابن عمر "خلق آدم على صورة الرحمن" غير صحيحة، وقد قال أحمد في رواية المروذي: الأعمش يقول عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" وأما الثوري فيوقفه يعني حديث ابن عمر، وقد رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- "على صورته" (^١) فيقول
_________________
(١) صحيح، أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٤) والآجري في الشريعة (ص ٣١٤) والبيهقي في الأسماء (ص ٢٩٠) عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله تعالى خلق آدم على صورته". وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ١٠٤ ]
كما جاء. فقد بيّن أحمد أن بعضهم وقفه، وبعضهم وصله.
قيل: هذه الزيادة صحيحة ثابتة، حدثنا بها أبو القسم عبد العزيز من الطريق الذي ذكرنا، وذكرها أبو الحسن الدارقطني فيما خرَّجه من أخبار الصفات، وذكرها أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد (^١) في "السنة" وذكرها أبو عبد الله بن بطة (^٢) في كتاب "الإبانة" ولا يجوز أن يتطابق هؤلاء
_________________
(١) هو الإمام المحدث الحافظ الفقيه المفتي، شيخ العراق، أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن البغدادي، الحنبلي النَّجاد. سمع أبا داود السجستاني وأحمد بن ملاعب وابن أبي الدنيا والترمذي وغيرهم. حدث عنه: أبو بكر القطيعي وابن شاهين والدارقطني وابن منده والخطابي والحاكم وأبو بكر بن مردويه وغيرهم. قال الخطيب: كان النجاد صدوقًا عارفًا، صنف "السنن". (وصفه الذهبي بأنه كبير). وقال الدارقطني: حدث النجاد من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله. قال الخطيب: كان قد أضر، فلعل بعضهم قرأ عليه ذلك. توفي وقد كُفَّ بصره لعشر بقين من ذي الحجة، سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة. تاريخ بغداد (٤/ ١٨٩ - ١٩٢)، طبقات الحنابلة (٢/ ٧ - ١٢)، السير (١٥/ ٥٠٢ - ٥٠٥).
(٢) هو الإمام القدوة المحدث شيخ العراق، أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الحنبلي، ابن بطة. روى عنه: أبي القاسم البغوي وابن صاعد وأبي ذر بن الباغندي والقاضي المحاملي، حدث عنه: أبو الفتح بن أبي الفوارس وأبو نعيم الأصبهاني وعبيد الله الأزهري وعبد العزيز الأزجي وغيرهم. قال الخطيب: حدثني أبو حامد الدّلوي قال: لما رجع ابن بطة من الرحلة لازم بيته أربعين سنة، لم ير في سوق ولا رؤي مفطرًا إلا في عيد، وكان أمّارا بالمعروف، لم يبلغه خبر منكر إلا غيّره. قال الذهبي: لابن بطة مع فضله أوهامٌ وغلط. توفي سنة سبع وثمانين وثلاث مئة. تاريخ بغداد (١٠/ ٣٧١ - ٣٧٥)، طبقات الحنابلة (٢/ ١١٤ - ١٥٣)، السير (١٦/ ٥٢٩ - ٥٣٣).
[ ١٠٥ ]
الحفاظ على نقل زيادة باطلة أو ضعيفة، والذي حكاه أحمد عن الثوري أنه وقفها، لا يدل على ضعفها لأنه لا يجوز أن لا تقع له هذه الزيادة، وتقع لغيره، ومثل هذا لا ترد به الأخبار.
٧٨ - وعلى أن أبا القسم عبد الرحمن بن منده روى عن حمدان بن علي قال سمعت أحمد يقول وسأله رجل عن الحديث الذي رُوي عن النبي -ﷺ- "إن الله خلق آدم على صورته" على صورة آدم، فقال أحمد: فأين الذي يُروى عن النبي -ﷺ- "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن"، وهذا من أحمد دليل على صحته.
فإن قيل: لا يجوز أن تكون هذه الزيادة صحيحة، لأنه لا يجوز هذا في اللغة لأن ما تقدم ذكره بالاسم الظاهر، فإنه إذا أعيد ذكره كني عنه بالهاء من غير إعادة اسمه الظاهر، كقولك: زيد ضرب عبده، ولا يقال: زيد ضرب عبد زيد، والمراد بزيد الثاني (^١) الأول، وإذا لم يكن سائغًا من جهة اللغة، لم يكن للاستعمال له وجه.
قيل: هذا غلط، لأنه قد يصح ذلك في العربية، وقد ورد بذلك القرآن وأشعار العرب، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥] ولم يقل إلينا أو إليه، وكان يجب على ما قالوه أن يقول (إلينا) لئلا يعيد الاسم الأول، لأن النون هي اسم الرحمن، وقال تعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان: ١٧] ولم يقل (إلينا) أو إليه، وكان يجب على ما قالوه أن يقول إلينا لئلا يعيد الاسم الأول، لأن النون هي اسم الرحمن، وقال تعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ (^٢) وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
_________________
(١) في الأصل: المراد بزيد بالثاني، ولا يستقيم.
(٢) في الأصل: نحشرهم وهو خطأ.
[ ١٠٦ ]
اللَّهِ﴾ [الفرقان: ١٧] ولم يقل: وما يعبدون من دوننا، وقال تعالى ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ [النحل: ٧٤] ولم يقل أنه يعلم، وقال تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ٢٥] ولم يقل الحمد لله، وقال الشاعر وهو عدي بن زيد (^١):
لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ … نغَّص الموتُ ذا الغني والفقر
فأعاد ذكر الموت بلفظه، ولم يكنِّ عنه بالهاء، ولم يقل لا أرى الموت يسبقه شيء، وقال المتلمس (^٢):
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى … مساغًا لِنَابيه الشجاع لصمما
فأعاد ذكر الشجاع بلفظه.
فإن قيل: فالهاء ترجع على الله على وجهه، وهو قوله على "صورة الرحمن" بمعنى على صفاته، فيكون معنى الصورة معنى الصفة، كما يقال عرِّفني صورة هذا الأمر، أي صفته، وذلك أن الله تعالى حي، عالم، قادر، سميع، بصير متكلم مريد، خلق آدم على صفته، مما هي صفات الله تعالى حيًّا عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا متكلمًا مختارًا مريدًا، فميَّزه من الجماد ومن البهائم، وميزه من الملائكة بأن قدَّمه عليهم وأسجدهم له.
ويبين صحة هذا قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] فعطف الصورة على خلق البُنية (^٣).
_________________
(١) عدي بن زيد بن حمار بن زيد يكنى أبا عمير، نصراني عبادي، سكن الحيرة فلان لسانه وسهل منطقه، وكان كاتبًا لكسرى (معجم الشعراء (ص ٢٤٩ - ٢٥٠) للمرزباني).
(٢) هو جرير بن عبد المسيح الضبعي، من ربيعة بن نزار. (المؤتلف والمختلف للحسن بن بشر الآمدي ص ٧١).
(٣) ذكره الحافظ في الفتح (١١/ ٣).
[ ١٠٧ ]
قيل: حمله على هذا يُسقط فائدة التخصيص بآدم، لأن جميع ولد آدم بهذه الصفات، لهم حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام وإرادة، وكذلك الملائكة لهم هذه الصفات.
فأما قوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ فيحتمل أن يكون معناه خلقناكم فصورناكم، كما قال تعالى في السورة التي يذكر فيها المؤمن ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]. وقال تعالى في السورة التي يذكر فيها التغابن ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣] يبين صحة هذا أن هذه الصفات ليست غير ذاته.
فإن قيل: قوله "على صورة الرحمن" معناه: على مصور الرحمن، كما يقال هذه الدار صورةُ فلانٌ البنَّاء، معناه: مصوره، فسمى الصورة باسم صورته.
قيل: هذا غلط، لأنه يُسقط فائدة التخصيص بآدم، لأنَّ جميع الخلق على مصور الرحمن.
فإن قيل: معنى قوله "على صورة الرحمن" أن أسجد له ملائكته، كما أسجدهم لنفسه قيل: لا يصح هذا من وجوه: أحدها أن في رواية ابن شاهين "فإن الله خلق وجه آدم على صورته".
الثاني: أن الصورة عبارة عما اختصت الذات، ولهذا قال تعالى ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ والسجود له يرجع إلى المرتبة والرفعة فلا يوصف بالصورة، ولهذا يقال: رأيت الأمير في مرتبةٍ حسنة، إذا رآه وقد سجد له جنده، ويقول: رأيته في صورة حسنة، يريد بذلك معنى يرجع إلى ذاته في اللون والقد ونحوه.
الثالث: أن سجود الملائكة له يقتضي اختصاصه بمزية، وذلك لا يوجب المشاركة
[ ١٠٨ ]
في تسمية الصورة، كما لم يوجب ذلك في حق عيسى مع اختصاصه بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وهذا يدل على أن هذه تسميةٌ شرعيةٌ، لا يعقل معناها.
وقد قال أحمد في رواية المروذي: أما الأعمش فيقول عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" فنقول كما جاء الحديث.
٧٩ - وقد ذكر أبو إسحاق بن شاقلا (^١) في جملة ما جرى له في مناظرته لأبي سليمان الدمشقي على قول النبي -ﷺ- "خلق آدم على صورته" وأن الهاء غير راجعة على آدم، فقال أبو سليمان قد جاء في الحديث عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- "أن الله خلق آدم على صورة آدم"، فقال أبو إسحاق: هذا كذب على رسول الله، فقال الدمشقي: بلى قد جاء في الحديث "طوله ستون ذراعًا" فعلمت أنه آدم، فقال له أبو إسحاق: قد روى هذا وليس هو الذي ادعيت على رسول الله -ﷺ- لأنك قلت عن النبي -ﷺ- "إن الله خلق آدم على صورة آدم" ثم قال أبو إسحق: إن كانت هذه الزيادة محفوظة كان قوله "خلق آدم على صورته" تمَّ الكلام، ثم قال "طوله
_________________
(١) هو شيخ الحنابلة أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا البغدادي البزاز، كان رأسًا في الأصول والفروع. سمع من: دعلج السجزي وأبي بكر الشافعي وتفقه بأبي بكر غلام الخلال، وتخرج به أئمة. مات سنة تسع وستين وثلاث مئة. (تاريخ بغداد (٦/ ١٧)، طبقات الحنابلة (٢/ ١٢٨ - ١٣٩)، السير (١٦/ ٢٩٢». والحكاية ذكرها ابن المصنف في "طبقات الحنابلة" فقال: قرأت بخط الوالد السعيد قال: نقلت من خط أبي بكر بن شاقلا قال: أخبرنا أبو إسحاق بن شاقلا -قراءة عليه- قال: قلت لأبي سليمان الدمشقي. . . فذكر مناظرة طويلة، منها ما ذكره المصنف هنا، وهي موجودة في الطبقات بأبسط من هذا السياق.
[ ١٠٩ ]
ستون ذراعًا" (^١) إخبارًا عن آدم، بدلالة ما روى جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطا عن ابن عمر عن رسول الله -ﷺ- "لا تقبحوا الوجوه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن". قال أبو إسحق هذا الحديث يذكر إسحق بن راهوية أنه صحيح مرفوع. وأما أحمد فذكر أن الثوري وقفه على ابن عمر، وكلاهما حجة، لأنه إن كان مرفوعًا فقد سقط العذر، وإن كان من قول ابن عمر فهو أولى.
٨٠ - ورأيت في أخبار أبي الحسن بن بشار الشيخ الزاهد (^٢) رواية أبي حفص عمر بن أحمد بن إبراهيم البرمكي (^٣) عن أبيه قال: كنت أسمع الشيخ إذا دعا يقول في دعائه: اللهم صلِّ على أبينا آدم، الذي خلقته بيدك، وأنحلته صورتك، وأسجدت له ملائكتك، وزوجته حواء أمتك، فسبق عليه قضاؤك وقدرك فأكل من الشجرة وأهبطته إلى أرضك.
وهذا من أبي الحسن استنباط من لفظ الخبر وناهيك بأبي الحسن من زاهد وعالم.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد (٢/ ٣١٥) والبخاري (٦/ ٣٦٢) (١١/ ٣) ومسلم (٤/ ٢١٨٣ - ٢١٨٤) كلهم عن عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله -ﷺ- فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله -ﷺ-: "خلق الله -﷿- آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر، وهم نفرٌ من الملائكة جلوس، فاستمع ما يجيبونك، فإنها تحيتك وتحية ذُريَّتك، قال: فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، قال: فزادوه ورحمة الله، قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، وطوله ستون ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن".
(٢) ستأتي ترجمته.
(٣) هو عمر بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل أبو حفص البرمكي سمع من أحمد بن عثمان الأدمي وإسماعيل بن علي الحطبي ونحوهما. قال الخطيب: حدثنا عنه ابنه علي، وكان ثقة صالحًا دينًا، سألت إبراهيم بن عمر البرمكي عن وفاة أبيه فقال: في جمادي الأولى من سنة تسع وثمانين وثلاث مئة. (تاريخ بغداد (١١/ ٢٦٨ - ٢٦٩».
[ ١١٠ ]