وقد بينا جواز ذلك في الخبر الذي قبله، وقد بينا أنه لا يمتنع إطلاق ذلك لا على وجه الأبعاض والجوارح، كما جاز إطلاق نفس وذات.
فإن قيل: ذكر الصورة يرجع إلى النبي -ﷺ- ويكون المعنى: رأيت ربي وأنا في أحسن صورة، كما يقول القائل: رأيت الأمير في أحسن صورة وزي (^١).
قيل: هذا غلط، لأنه لم يُنقل أن صفة النبي -ﷺ- تغيرت في تلك الليلة، ولو كان لنقل كما نقل غيره، من المخاطبة ووضع الكف وغير ذلك.
وعلى أنه قد روي في الخبر ما يمنع من هذا بقوله "رأيت ربي في صورة شاب على وجهه فراش وفي رجليه نعلان" ولو كانت الصفة راجعة إلى النبي -ﷺ- لقال على وجهي وفي رجلي.
فإن قيل: فيحتمل أن تكون الصورة راجعة إلى الله تعالى، بمعنى أنه يُحسن خلق من يشاء كما يُقبح خلق من يشاء، لأن أفعل قد تجيء على معنى يفعل كما وصف نفسه بأنه "حكيم" والمراد به مُحكم لما يفعل.
قيل: هذا غلط، لأنه يُسقط فائدة التخصيص بتلك الليلة، لأن النبي -ﷺ- لم يزل مشاهدًا لأفعاله في خلقه من تحسين وتقبيح، فحمله على هذا يسقط فائدة التخصيص بتلك الليلة.
فإن قيل: فيحتمل أن تكون الصورة راجعة إلى الله تعالى، بمعنى الصفة
_________________
(١) لا يخفى ما في هذا التأويل من تكلف وبعد، لا يوافق قائله شرعًا ولا عقلا ولا لغة. والخبر الذي ذكره المصنف "رأيت ربي في صورة. . ." سيأتي تخريجه وهو حديث منكر.
[ ١٤٣ ]
من توفر الرب عليه في الإنعام والإقبال عليه، فيكون حسن الصورة يرجع إلى حسن الأفعال به والإكرام.
قيل: هذا يسقط فائدة التخصيص بتلك الليلة، لعلمنا بأن نعمه عليه كانت ظاهرة بقيام المعجزات في المواضع التي تظهر النعم فيها، ولأنه إن صح هذا التأويل ها هنا وجب أن يصح مثله في قوله "إنكم ترون ربكم يوم القيامة" على معنى صفته توفر أنعامه وأفضاله على أهل الجنة.
فإن قيل: فقد ذكر النقاش (^١) في "شفاء الصدور" في تفسير قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨] فقال قال عمرو بن عثمان: رأيت عبد الله بن أحمد بن حنبل في المسجد الحرام في الحجر تحت الميزاب، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، أيش كان مذهب الشيخ في قول "رأيت ربي في أحسن صورة"؟ قال: رأيته في أحسن مكان.
قالوا وهذا ينفي الصورة.
قيل: الرواية الصحيحة عنه ما ذكرنا من إثبات الصورة اهـ.
* * *
_________________
(١) هو العلامة المفسر شيخ القراء أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زيادة الموصلي ثم البغدادي النقاش، ولد سنة ٢٦٦ هـ، قال أبو بكر البرقاني: كل حديث النقاش منكر، وقال الخطيب: في حديثه مناكير بأسانيد مشهورة. قال الذهبي: وكان واسع الرحلة، قديم اللقاء، وهو في القراءات أقوى منه في الروايات. وله كتاب "الإشارة في غريب القرآن" و"دلائل النبوة" وله كتاب كبير في التفسير نحوًا من أربعين مجلدًا. . .، ولو تثبت في النقل لصار شيخ الإسلام. قلت: واسم تفسيره "شفاء الصدور". مات سنة ٣٥١ هـ. (تاريخ بغداد (٢/ ٢٠١ - ٢٠٥)، ميزان الاعتدال (٣/ ٥٢٠)، السير (١٥/ ٥٧٣ - ٥٧٦)، وانظر مخطوطات كتابه "شفاء الصدور"، تاريخ التراث لسزكين (١/ ١٠٤).
[ ١٤٤ ]
الفصل الخامس
[ ١٤٥ ]