٢٧٧ - روي من طرق مختلفة وألفاظ مختلفة، أبو القسم بإسناده: عن جرير بن عبد الله البجلي قال: خَرَجُ علينا رسول الله ليلة البدر فنظر إلى القمر فقال: "تَرَوْنَ ربكم يومَ القِيامَةِ، كما تُنظرونَ إلى هذا القَمَر لا تضامُّون في رؤيته" (^٢).
٢٧٨ - وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إنكم سَتَرَوْن رَبَّكم" قالوا: يا رسول الله نَرى ربنا؟، قال فقال: "هل تضارُّون في رؤية الشمس نصف النهار؟ قالوا: لا، فتضارون فى رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا، قال: "فإنكم لا تُضارون في رؤيته إلا كما تُضَارونَ في ذلك" (^٣).
٢٧٩ - وروى أبو هريرة قال قلنا: يا رسول الله هل نَرى ربَّنا؟ قال: "هل تُضَارُّون في رُؤية القَمر ليس دُونه سَحَابة؟ " قال قلنا: لا، قال: "فهل تضارُّون برؤية الشمس ليستْ في سحابة؟ " قال قلنا: لا، قال: "كذلك تَلْقَون ربْكم" (^٤).
_________________
(١) كتب بمحاذاة العنوان: بلغ مقابلة.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد (٤/ ٣٦٠) والبخاري (٢/ ٣٣، ٥٢) (٨/ ٥٩٧) (١٣/ ٤١٩) ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٤٣٩ - ٤٤٠) عن إسماعيل بن أبي خالد حدثنا قيس بن أبي حازم قال: سمعت جرير يقول فذكره وتمامه: "فإنْ استطعتم أنَّ لا تُغْلبوا على صلاةِ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" يعني العصر والفجر، ثم قرأ جرير: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣].
(٣) حديث صحيح مُطول، ذكر المصنف طرفًا منه، أخرجه أحمد (٣/ ١٦ - ١٧) والبخاري (٨/ ٢٤٩ - ٢٥٠) (١٣/ ٤٢٠ - ٤٢٢) ومسلم في الإيمان (١/ ١٦٧ - ١٧١) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا به.
(٤) حديث متفق على صحته، سبق تخريجه في الجزء الأول (ص ١٥١) من هذا الكتاب.
[ ٣٣١ ]
٢٨٠ - وروى أبو عبد الله بن بطة في كتابه بإسناده: عن أنس بن مالك قال: سُئِل رسول الله عن هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "الزِّيادة النَّظر إلى وجْهِ الله الكريم" (^١).
٢٨١ - وروى بإسناده: عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إنَّ أدنى أهل الجنة منْزلة لَرَجل ينظرُ في ملكه أَلْفَي سَنَةٍ، يَرَى أَقْصاه كما يرى أدْنَاه، ينظر في أزواجِه وسرره وخدمه، وإنَّ أفْضَلُهم منزلة مَن ينظرُ في وجه الله -﷿- في كل يوم مرتين" (^٢).
_________________
(١) ضعيف جدًا من هذا الوجه، أخرجه الحسن بن عرفة في "جزءه" (٢٣) ومن طريقه ابن منده في "الرد على الجهمية" (ص ٩٥ - ٩٦) واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (٢/ ٤٥٦) والخطيب في تاريخه (٩/ ١٤٠): عن سلم بن سالم عن نوح بن أبي مريم عن ثابت عن أنس قال: سُئل رسول الله -ﷺ- عن هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "للذين أَحْسنوا العمل في الدنيا الجنَّة، والزيادة النَّظرُ إلى وجه الله الكريم جلَّ وعزَّ". وفيه ضعيفان: سلم بن سالم البلخي ضعفه ابن معين والنسائي وقال أحمد: ليس بذاك، ونوح بن أبي مريم أبو عصمة، قال البخاري: منكر الحديث، وقال مسلم وغيره: متروك، وقال الحاكم: وضع أبو عصمة حديث فضائل القرآن الطويل (الميزان). والحديث عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ٣٥٧) إلى أبي الشيخ والدارقطني في الرؤية وابن مردويه وابن النجار. ويغني عنه حديث صهيب المخرج قريبًا.
(٢) إسناده ضعيف، أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٢/ ١٣) وعنه عبد الله في "السنة" (١/ ٢٥١) وأبو يعلى (١٠/ ٩٦ - ٩٧) واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (٣/ ٤٨٤، ٤٥٩) موقوفًا وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٨٧) وأبو الشيخ في العظمة (٦٠٤) وابن مندة في "الرد على الجهمية" (٩١) والحاكم (٢/ ٥٠٩). عن عبد الملك بن أبجر عن ثوير بن أبي فاخته عن ابن عمر مرفوعًا به. وأخرجه أحمد (٢/ ٦٤) وعنه عبد الله في "السنة" (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢) والترمذي (٤/ ٢٥٥٣) (٥/ ٣٣٣٠) وأبو يعلى (١٠/ ٧٦ - ٧٧) وابن جرير في "تفسيره" (٢٩/ ١٢٠) والآجري في "الشريعة" =
[ ٣٣٢ ]
٢٨٢ - وروى أيضًا بإسناده عن أبي موسى الأشعري عن النبي -ﷺ- قال: "بينا هو يعلمهم شيئًا من أمْر دِينهم إذ شَخَصَتْ أبصارهم عنده فقال: "ما أَشْخَص أبصاركم عني؟ " قالوا: نظرنا إلى القمر، قال: "كيف بكم إذا رَأَيْتُم الله ﷿ جهرة" (^١).
_________________
(١) = (ص ٢٦٩) والحاكم (٢/ ٥٠٩ - ٥١٠) والخطيب في "الموضح لأوهام الجمع والتفريق". عن إسرائيل بن يونس حدثنا ثوير سمعت عبد الله بن عمر مرفوعًا بنحوه؛ وزاد: ثم تلا هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. قال الحاكم: هذا حديث مُفَسَّر في الرد على المبتدعة، وثوير بن أبي فاخته وإن لم يخرجاه فلم يُنقم عليه غير التشيع. وتعقَّبه الذهبي بقوله: بل هو واهي الحديث. وقال الترمذي: غريب. وذكر الهيثمي في المجمع (١٠/ ٤٠١) وعزاه لأبي يعلى والطبراني وقال: وفي أسانيدهم ثوير بن أبي فاخته وهو مجمع على ضعفه. قلت: قد ضعفه ابن معين وابن المدني، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: وقد رواه عن مجاهد عن ابن عمر موقوفًا ويرفعه بعضهم: أخرجه الترمذي (٤/ ص ٦٨٨) (٥/ ص ٤٣١) وابن جرير (٢٩/ ١٢٠) واللالكائي (٣/ ٤٨٤) وابن عدي (٢/ ٥٣٣). وذكره العلامة الألباني حفظه الله في الضعيفة (١٩٨٥). وعزاه السيوطي في "الدر" (٨/ ٣٥٠) إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والدارقطني في الرؤية وابن مردويه والبيهقي.
(٢) في سنده جهالة، أخرجه عبد الله في "السنة" (٤٦٥) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٧٩ - ١٨٠) والدارمي في "الرد على الجهمية" (ص ١٠١) والآجري في "الشريعة" (ص ٢٦٤) واللالكائي (٣/ ٤٩٨) عن أسلم العجلي عن أبي مراية قال: كان أبو موسى يُعلِّمنا سُنَّتنا وأمر ديننا … فذكر الحديث. وقد اختلفوا في رفعه ووقفه، ورجَّح ابن خزيمة ووقفه فقال: وذِكر هذا القول من قِبَل أبي موسى لا عن النبي -ﷺ-. وفي سنده: أبو مراية (وقع عند الآجري: أبو بردة، وهو تصحيف) ذكره الحافظ في "تعجيل المنفعة" (ص ٥١٩) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو مجهول الحال.
[ ٣٣٣ ]
٢٨٣ - وروى أيضًا بإسناده: عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: "إنَّ أهْل الجنَّة يَرون ربَّهم تعالى في كُلِّ يوم جُمعة في رمال الكافور، وأقربهم منه مَجْلسًا أسرعهم إليه يوم الجُمعة، وأبكرهم غُدُوًا" (^١).
اعلم أنَّ هذه أخبارٌ صحاحٌ يجب الأخذُ بها، نَصَّ عليه أحمد في رواية أبي الحارث فقال: أحاديث الرؤية صحاح جياد. وكذلك قال في رواية المروذي لما سأل عن أحاديث الرؤية: صِحَاحٌ جِيَاد.
وكذلك قال في رواية ابن منصور، وقد قيل له: تقول بهذه الأحاديث التي تُروى عن النبي -ﷺ- في الرؤية وتذهب إليها، وجمعها في كتاب وحدثنا بها.
وقال في رواية المروذي وحنبل وأبي داود: من قال إن الله لا يُرى في الآخرةِ فقد كفر.
فقد نصَّ على صحتها والأخذ بها، وتكفير من ردَّها.
وقد رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري (^٢).
فأما قوله: "كما ترون القمر" فلم يَقصد به إلا تحقيق رؤية العيان، لا تشبيه المرئي بالقمر في أنَّه محدود في جهة (^٣)، وإنَّما معنا رؤيتكم لله يوم القيامة كرؤيتكم القمر ليلة البدر، أي كما لا تشكُّون ليلة البدر في رؤية القمر أنه
_________________
(١) أخرجه الآجرِّي في "الشريعة" (ص ٢٦٥) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي داود حدثنا عمي محمد الأشعث حدثنا حسن بن حسن حدثني أبي حسن عن الحسن عن ابن عباس -﵄- مرفوعًا به. وأخرجه أبو عبد الله بن بطة بسنده كما سيذكره المصنف. حسن بن حسن هو ابن حسن بن علي بن أبي طالب، قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: مقبول. وله شاهد من حديث ابن مسعود موقوفًا سيذكره المصنف ويأتي الكلام عليه.
(٢) يعني حديثه المتقدم برقم (٢) من هذا الفصل.
(٣) قد سبق القول في نفي الجهة، وأنه لفظ يحتمل الحق والباطل. انظر (الجزء الأول/ ١٨٢).
[ ٣٣٤ ]
البدر، ولا يتخالجكم فيه رَيْبٌ وظن، كذلك ترون الله -﷿- يوم القيامة معاينة يحصل معها اليقين.
وأما قوله: "لا تَضَامُّون في رُؤيته" (^١) بالتشديد فقيل معناه: لا يَنْضم بعضكم إلى بعض، كما تَنْضَمُّون في رؤية الهلال رأس الشهر، بل تَرونه جهرةً من غير تكلفٍ لطلب رؤيته، كما ترون البدر -وهو القمر ليلة الرابع عشر- إذا عَايَنه المُعاين جهرةً لم يحتج إلى تكلف في طلب رؤيته.
وأما قوله: "لا تَضَامُون" مُخَفَّف فالمراد به الضَّيم، أي: لا يلحقكم فيه ضيم، والضيم والضرَّر واحد في المعنى. وأما قوله: "لا تضارُّون" أي لا يلحقكم ضَرَرٌ في رؤيته بتكلُّف طلبها كما يلحق المشقَّة والتَّعب في طلب ما يخفى ويدق ويغمض (^٢).
وكل ذلك تحقيق لرؤية المُعانية، وأنها صِفَة تزيد على العلم.
فإنْ قيل: معناه رؤية العلم، وأنَّ المؤمنين يعرفون الله يوم القيامة ضرورة.
قيل: هذا غلط، من قِبَلِ أنَّ الرؤية إذا كانت بمعنى: العلم، تَعَدَّت إلى مفعولين، وذلك كما يقول القائل: رأيتُ زيدًا فقيهًا، أي علمته كذلك، فأمَّا إذا قال: رأيتُ زيدًا مطلقًا، فلا يُفهم منه إلا رؤية البصر، وقد حَقَّق ذلك بما أكَّده من تشبيه برؤية القمر ليلة البدر، وذلك رُؤية البصر لا رؤية علم.
_________________
(١) انظر النهاية في "غريب الحديث والأثر" (٣/ ١٠١) لابن الأثير، وقال: ويجوز ضمُّ التاء وفتحها على تُفَاعِلون وتَتَفاعلون، وقال: الضَّيم: الظُّلم.
(٢) في النهاية (٣/ ٨٣) قال: يُروى بالتشديد والتخفيف، فالتشديد بمعنى: لا تتخالفون ولا تتجادلون في صحة النظر إليه، لوضوحه وظُهوره. ونقل عن الجوهري قوله: يقال أَضَرني فلان: إذا دنا مني دُنُوًّا شديدًا. ثم قال: فأراد بالمضارَّة: الاجتماع والازدحام عند النظر إليه. وأما بالتخفيف فهو من الضير لُغة في الضُّر، والمعنى فيه كالأول. وقال الجوهري في الصحاح (٢/ ٧٢١): وبعضهم يقول: لا تَضَارُّون بفتح التاء أي: لا تَضَامُّون.
[ ٣٣٥ ]
وجواب آخر: وهو أنَّ النبي -ﷺ- بَشَّرَ المؤمنين من أصحابه بذلك، وهذا يُوجب أنْ يكون معنى يختصون به، فأما العلم بالله فمشترك بين المؤمنين والكافرين في القيامة، فَيْبْطُل معنى بشارته للمؤمنين بالرؤية.
وجواب آخر: وهو أنَّ في رواية أبي موسى: "ترون الله جهرة" وهذا يَرفَعْ الإشكال، لأن الرؤية وإنْ كانت تستعمل في معنى العلم، فبإنها إذا قُرِنَت بلفظ الجَهر لم تحتمل العلم، ومن ذلك قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]. يعني عيانًا (^١) وكذلك في حديث ابن عمر: "وإن أفضلهم مَنْ ينظر في وجه ربه في كلِّ يوم مرتين" وهذا يمنع أنْ يكون المراد به العلم.
فأما ما روي في حديث ابن عباس -﵄-: "إنَّ أهل الجنَّة يرون ربَّهم تعالى في كلِّ يوم جمعة في رمال الكَافُور، فأقْربهم منه مجلسًا أسرعهم إليه يوم الجُمعة، وأَبْكرهم غُدُوًا" فإنِّ أبا عبد الله بن بطة رواه عن أبي عمر عبيد الله بن مسح العَطَّار وأبي يوسف يعقوب بن يوسف ومحمد بن الحسين قالوا: نا أبو بكر عبد الله بن سليمان أبي داود السجستاني قال: نا عمي محمد بن الأشعث قال: نا ابن حسن قال: حدثني أبي حسن عن الحسن عن عبد الله بن عباس عن النبي -ﷺ- (^٢).
٢٨٥ - ونا أبو القسم بلفظٍ آخر موقوفًا على ابن مسعود فقال: نا أبو القسم عبيد الله ابن أحمد بن علي القمري نما محمد بن مخلد نا إسحق بن إبراهيم البغوي نا وكيع عن المسعودي عن المنهال عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: "إنَّ الله يَبْدُوا لأهلِ الجنَّة على كثيبٍ من كَافُور، فيكونون منه في
_________________
(١) وهو ما جاء وصرحًا به في رواية جرير عند البخاري (١٣/ ٤١٩) ولفظه: "إنَّكم سترون ربكم عَيَانًا".
(٢) تقدم الكلام عليه برقم (٧) من هذا الفصل.
[ ٣٣٦ ]
القُرْبِ على قدر تسرعهم إلى الجُمَع" (^١).
فإن قيل: هذا تفرد به المنهال بن عمرو وهو ضعيف.
قيل: هذا لا يصح، لأنَّ أبا عبد الله بن بطة قد روى أصل الحديث عن النبي -ﷺ- من غير طريق المنهال بن عمرو، وعلى أنَّ المنهال بن عمرو الأسدي كوفي ثقة، وله تفسير أكْثر فيه الرواية عن سعيد بن جبير، وأخرج عنه أحمد أحاديث في المسند، وأخرج عنه البخاري حديثين مُسندين (^٢).
_________________
(١) أخرجه عبد الله في "السنة" (٤٧٦) والطبراني في الكبير (٩/ ٢٣٨/ ٩١٦٩) عن المسعودي به، ولفظه: "سارعوا على جُمع، فإنَّ الله -﷿- يَبرُز إلى أهل الجنَّة في كلِّ جمعةٍ في كثيب من كافور، فيكونوا في القُرْب على قدر تَسَارعهم إلى الجمعة، فَيُحدث الله ﷿ لهم من الكرامة شيئًا لم يكونوا رأوه قبل ذلك، ثم يرجعون إلى أهليهم فيحدثونهم بما أحدث الله لهم" ثم دخل عبد الله المسجد، فإذا هو برجلين إلى أهليهم فيحدثونهم بما أحدث الله لهم" ثم دخل عبد الله المسجد، فبإذا هو برجلين يوم الجمعة قد سبقاه، فقال عبد الله: رجلان وأنا الثالث إن شاء الله أن يبارك في الثالث. ذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ١٧٨) وقال: وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. قلت: وهو ما ذهب إليه أبو حاتم الرازي، كما في جامع التحصيل (ص ٢٤٩) والترمذي كما في السنن (٢/ ٣٦٦). وقال الذهبي في العلو (٦٠): موقوف حسن. ولعله للطريق الآتي. * وله طريق أخرى: فقد أخرجه ابن ماجه (١٠٩٤) وابن أبي عاصم في "السنة" (٦٢٠) عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن معمر عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: خرجت مع عبد الله إلى الجمعة، فوجد ثلاثة وقد سبقوه فقال: رابع أربعة، وما رابعُ أربعةٍ ببعيد، إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إنَّ النَّاسَ يَجلسون من الله يوم القيامة على قَدْرِ رَوَاحهم إلى الجُمُعات، الأول والثاني والثالث" ثم قال: "رايعُ أربعةٍ، وما رابع أربعةٍ ببعيد". وسنده حسن، رجاله ثقات، سوى عبد المجيد وقد وثقه الجمهور: أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال الحافظ: صدوق يخطئ وكان مُرجئًا. وبنحوه قال البوصيري في الزوائد.
(٢) ذكره الحافظ في "هدي الساري مقدمة فتح الباري" (ص ٤٦٤) فيمن ضُعِّفَ بأمرٍ مردود كالتحامل أو التعنت أو عدم الاعتماد على المضعف لكونه من غير أهل النقد ولكونه قليل =
[ ٣٣٧ ]
وقد قيل: في قوله: "في كل يوم جمعة" معناه يرونه على مقادير أَوْقَاتٍ الدنيا وأيامها، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. وذلك على التقدير بأيام الدُّنيا وأوقاتها، لأنَّ ليس هناك غَدوه وعشية وجُمعة (^١).
وأمَّا قوله: "في رمال الكافور" فلا يمتنع إطلاق ذلك عليه سبحانه، لا على وجه الانتقال، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]. وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١]. وقد سبق الكلام في ذلك (^٢).
وأمَّا قوله: "أقْرَبهم منه مجلسًا" فلا يمتنع حمله على ظاهره في القُرْبِ من الذات، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨ - ٩].
وكذلك قول النبي -ﷺ-: "يؤتى بالعبدِ يوم القيامة فَيُدْنيه الله فيضع كنفه عليه" وقد بينا فيما تقدم أنَّ ذلك على ظاهره في الدَّنو من الذَّات، وهذا الخبر محمول على ذلك.
فإن قيل: يحملُ القُرب على القُربِ من الثَّواب والكرامة والرحمة.
قيل: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما أنَّ رحمتَه وكرامتَه وثوابَه سابقٌ لرؤيتهم له.
_________________
(١) = الخبرة بحديث من تكلم فيه أو بحالة أو لتأخر عصره ونحو ذلك، فقال: المنهال بن عمرو تكلم فيه بلا حجة.
(٢) وكذا فسَّر الآية ابن جرير -﵀- في تفسيره (١٦/ ٧٧). وساق بسنده عن عامر بن يساف عن يحيى قال: كانت العرب في زمانهم من وجد منهم عشاءًا وغداءً فذاك الناعم في أنفسهم، فأنزل الله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قدر ما بين غدائكم في الدنيا إلى عشائكم. يحيى هو ابن أبي كثير الثقة الثبت، وعامر بن يساف قال أبو حاتم: صالح (الجرح (٦/ ٣٢٩). فالإسناد حسن.
(٣) انظر الجزء الأول (ص ١٣٠، ٢٥٥).
[ ٣٣٨ ]
والثاني: أنه إنْ جازَ تأويله على هذا، جازَ تأويل قوله: "ترون ربكم" على التَّعَطُّفِ والرحمة والكرامة، وقد اتفقنا ومثبوا الصَّفَات على فساد هذا التأويل، كذلك ها هنا.
فأمَّا قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]. فالمراد به علمه لأنَّه قد تقدم ذِكْر العلم في أولِ الآية بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ فوجبَ حمله على العلم (^١).
٢٨٦ - وقد قال أحمد في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. علمه لأنه افتتح الآية بالعلم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وختم بالعلم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وأما قوله: "من قرب شبرا قربت منه ذراعًا" فإنَّ تَقَرُّب العبدُ إليه بالأعمال الصالحة، وأمَّا تقربه إلى عبده فبالثواب وبالرحمة والكرامة، لأنه رُوي ذلك مفسرًا في بعض ألفاظِ الحديث، وقد ذكرناه في الكلام على قوله: "يُدني عبده حتى يضع عليه كنفه"، وذكرناه عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "ومن جاء يمشي أقْبَل الله إليه بالخير يُهرول" (^٢). فقد نصَّ على أنَّ إقبال عليه بالخير، فدل على ذلك.
وفي هذا الفصل حكايتين ذكرهما أبو بكر أحمد بن محمد الخلال في "سُننه":
٢٨٧ - أحدهما: قال سمعت أبا سعيد الفقيه المصيصي الحسن بن علي بن عمر قال: قال أبو صفوان: رأيت المتوكل في النَّوم وبين يديه نارٌ مُؤججةٌ عظيمةٌ، فقلت: يا أمير المؤمنين لمن هذه؟ قال: لإبني
_________________
(١) قد سبق الكلام في تفسير الآية، وأن المراد: قرب ملائكته، انظر (الجزء الأول/ ٢٢٩).
(٢) انظر (الجزء الأول/ ٢٢٧ - ٢٣١).
[ ٣٣٩ ]
المنتصر لأنَّه قتلني، وتدري لم قتلني؟ لأنِّي حدَّثته أنَّ الله يُرى في الآخرة.
قال أبو سعيد فقال: إبراهيم الحربي: هذه رُؤيا حق، وذلك أنَّ المتوكل كَتَب حديث حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حُدُس في الرؤية بيده عن عبد الأعلى وقال: لا أكتبه إلا بيدي.
٢٨٨ - والحكاية الأُخرى: قال: أنا أبو بكر المروذي قال سمعت القواريري يقول: رأيتُ أحمدَ بن حنبل في النَّوم فقال: المؤمنُون ينتظرون أنْ يرون ربَّهم، فأمَّا الكفار فلا يجوز أنْ يرون الله تعالى.
٢٨٩ - وحكى ابن فورك (^١) عن أبي بكر خزيمة أنَّ ذكر في كتاب "التوحيد" أنَّ من الكفار مَنْ يَرَى الله يوم القيامة رؤيةَ امتحان، قبل أنْ يُوضع الجِّسْر بين ظهراني جهنم (^٢).
_________________
(١) "مشكل الحديث" (ص ١٨٦ - ١٨٧).
(٢) قال ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٧٦) بعد أن ذكر حديثا أبي هريرة وأبي سعيد في "الرؤية": في هذه الأخبار دلالة على أنَّ قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾. إنما أراد الكفار الذين كانوا يكذبون بيوم الدين بضمائرهم فينكرون ذلك بألسنتهم، دون المنافقين الذين كانوا يكذبون بضمائرهم ويقرون بألسنتهم يوم الدين رياءً وسُمعة، ألا تسمع إلى قوله -﷿-: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾ [المطففين: ٤/ ١١]. أي المكذبون بيوم الدين، ألا ترى أن النبي -ﷺ- قد أعلم أنَّ منافقي هذه الأمة يرون الله حين يأتيهم في صورته التي يعرفون، هذا في خبر أبي هريرة، وفي خبر أبي سعيد: "فيكشف عن ساق فيخرون سجدًا أجمعون" وفيه ما دلَّ على أنَّ منافقي هذه الأمة يرون الله حين يأتيهم في صورته التي يعرفون، هذا في خبر أبي هريرة، وفي خبر أبي سعيد: "فيكشف عن ساق فيخرون سجدًا أجمعون" وفيه ما دلَّ على أنَّ المنافقون يرونه للاختبار والامتحان فيريدون السجود فلا يقدرون عليه، وفي خبر أبي سعيد: "فلا يبقى من كان يعبد صنمًا ولا وثنًا ولا =
[ ٣٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صورةً إلا ذهبوا حتى يتساقطون في النار" فالله -﷾- يحتجب عن هؤلاء الذين يتساقطون في النار ويبقى من كان يعبد الله وحده من برٍ وفاجر ومنافق وبقايا أهل الكتاب. إلى أن قال: وأما المنافقون فإنما كانوا يكذبون بذلك بقلوبهم ويُقرون بألسنتهم رياءً وسمعة فقد يتراءى لهم رؤية امتحان واختبار، وليكون حجبه إياهم بعد ذلك عن رؤيته حسرةً وندامة إذْ لم يصدقوا به بقلوبهم وضمائرهم، وبوعده ووعيده، وما أمر به ونهى عنه، وبيوم الحسرة والندامة. وفي حيث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة: "قال فيلقى العبد فيقول: أي قُل ألم أكرمك" إلى قوله: "فاليوم أنساك كما نسيتني" فاللقاء الذي في هذا الخبر غير التراءي، لأنَّ الله -﷿- يتراءى لمن قال له هذا القول، وهذا الكلام الذي يكلم به الرب جلَّ ذكره عبده الكافر يوم القيامة كلامٌ من وراه الحجاب من غير نظر الكافر إلى حالته في الوقت الذي يكلم به ربه ﷿" اهـ. المراد من كلامه. وقد علَّق الهراس -﵀- على كلامه، فقال عند ذكره لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾: الحق أن الآية عامة في جميع الكفار والمنافقين، وذلك بعد أن يدخلوا النار، وأما في عَرَصات القيامة فيرونه جميعًا. وقال: وكيف يُعقل لقاء بغير رؤية! وقد ذكر هنا أنه يلقاه ويكلِّمه، والكلام غير اللقاء، واللقاء هو المواجهة. اهـ. وانظر تعليقه (ص ١٥٠). وهذه المسألة -وهي هل يرى الكافر ربه- مسألة اختلف فيها علماء السلف رحمهم الله تعالى، والصواب فيها أن الكافر يرى ربه لا على جهة التكريم، وإنما لمناقشة الحساب ثم يُحجب عن الرؤية. وقد قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في سؤال وجه له عن لقاء الله تعالى فأجاب: "الحمد لله، أما "اللقاء" فقد فسَّره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة، بعد السلوك والسير، وقالوا: إنَّ لقاء الله يتضمن رؤيته -﷾-، واحتجوا بآيات "اللقاء" على من أنكر رؤية الله في الآخرة من الجهمية كالمعتزلة وغيرهم. وجعلوا اللقاء يتضمن معنيين: أحدهما: السير إلى المَلِك، والثاني: معاينته كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ فذكر أنَّه يكدح إلى الله فيلاقيه، والكدح إليه يتضمن السلوك والسير إليه، واللقاء يعقبهما. وأمَّا المعاينة من غير مسيرٍ إليه -كمعاينة الشمسْ والقمر- فلا يسمى لقاء، وقد يراد باللقاء الوصول إلى الشيء، والوصول إلى الشيء بحسبه. =
[ ٣٤١ ]
. . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومن دليل ذلك أنَّ الله تعالى قد قال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ و﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ وقال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ الآية. وفي الصحيحين عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا تَتَمنوا لقاءَ العدو واسألوا الله العاقبة، فإذا لقيتموهم فاصبروا". ويستعمل اللقاء في لقاء العدو، ولقاء الولي، ولقاء المحبوب، ولقاء المكروه. وقد جاء في الكتاب والسنة ألفاظ من نحو "لقاء الله" كقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ وقوله: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ وقوله: ﴿إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾. لكن يلزم هؤلاء "مسألة" تكلم الناس فيها، وهي أنَّ القرآن قد أخبر أنَّه يلقاه الكفار ويلقاه المؤمنون كما قالك ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾. وقد تنازع الناس في الكفار هل يرون ربهم مرةً ثم يحتجب عنهم؟ أم لا يرونه بحال تمسكًا بظاهر قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ ولأنَّ الرؤية أعظم الكرامة والنعيم، والكفار لا حظَّ لهم في ذلك. وقالت طوائف من أهل الحديث والتصوف: بل يرونه ثم يحتجب، كما دلَّ على ذلك الأحاديث الصحيحة التي في الصحيحِ وغيره، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما مع موافقة ظاهر القرآن، قالوا: وقوله: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ يشعر بأنَّهم عاينوا ثم حُجبوا، ودليل ذلك قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فعُلم أنَّ الحجب كان يومئذٍ، فيشعر بأنه يختص بذلك اليوم، وذلك إنَّما هو الحجب بعد الرؤية، فأما المنع الدائم من الرؤية فلا يزال في الدنيا والآخرة. قالوا: ورؤية الكفار ليست كرامة ولا نعيمًا، إذ "اللقاء" ينقسم إلى لقاء على وجه الإكرام، ولقاء على وجه العذاب، فهكذا الرؤية التي يتضمنها اللقاء. ومما احتجوا به حديث أبي هريرة: قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تُضَارُّون في رؤية الشمس ليست في سحابة؟ " قالوا: لا، قال: "والذي نفسي بيده لا تُضَارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما" قال: "فيلقى العبد فيقول: أي =
[ ٣٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فُلْ! ألم أكرمك وأُسودك وأزوجك وأسخِّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب، قال فيقول: فظننت أَّنَّك مُلاقيْ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساكَ كما نسيتني، ثم قال: يلقى الثاني فيقول له مثل ذلك فيقول: أي ربِّ آمنتُ بك وبكتابك وبرسلك، وصلَّيت وصمتُ وتصدَّقت ويثني بخيرٍ ما استطاع، فيقول: ههنا إذًا، قال: ثم يقال الآن نبعثُ شاهدنا عليك، ويتفكَّر في نفسه مَنْ ذَا الذي يشهدُ على؟ فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي، فتنطقُ فخِذُه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، فذلك المنافق ليعذر من نفسه، وذلك الذي يسخط عليه … ". ثم ذكر بعد كلام له في الردِّ على المعتزلة وأشباههم، الذين ينكرون لقاء الله تعالى ورؤيته بالكلية، بعض الأدلة التي تُبين أيضًا أن لقاء الله تعالى غير الجزاء، مثل: قوله -ﷺ- في الحديث: " … وقولك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق … " ففي الحديث فَرَّق بين لقائه وبين والنار. وقوله -ﷺ-: "ما منكم من أ؟ دٍ إلا سيلكِّمه الله ليس بينه وبينه حاجبٌ ولا ترجمُان". ومنها: أنه لو أُريد بـ "لقاء الله" بعض المخلوقات -إما جزاءً وإمَّا غير جزاء- لكان ذلك واقعًا في الدنيا والآخرة، فكان العبد لا يزال ملاقيًا لربه، ولما علم المسلمون بالاضطرار من دين الإسلام أنَّ لقاء الله لا يكون إلا بعد الموت، عَلِمَ بطلان أنَّ "اللقاء" لقاء بعض المخلوقات. ومعلومٌ أنَّ الله قد جَازَى خلقًا على أعمالهم في الدنيا بخير وشر، كما جازى قوم نوح وعاد وثمود وفرعون، وكما جازى الأنبياء وأتباعهم، ولم يقُلْ مسلمٌ إن لقاء هذه الأمور في الدنيا لقاء الله. ومنها: أن قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾. فلو كان "اللقاء" هو لقاء جزائه لكان هو لقاء الأجر الكريم الذي أعدَّ لهم، وإذا أخبر بأنهم يلقون ذلك لم يَحسن بعد ذلك الإخبار بإعداده، إذْ الإعداد مقصودة الوصول، فكيف يخبر بالوسيلة بعد حصول المقصود؟ لا سيما وقد قَرَن اللقاء بالتحية، وذلك لا يكون إلا في اللقاء المعروف، لا في حصول شيء من النعيم المخلوق. ومنها: أن قول النبي -ﷺ- في الحديث الصحيح: "من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومَنْ كَرِهَ لقاءَ الله كره الله لقاءه" أخبر فيه أن الله يحب لقاء عبد ويكره لقاء عبد، وهذا يمتنع حمله على الجزاء، لأنَّ الله لا يكره جزاء أحد، ولأن الجزاء لا يلقاه الله، ولأنه إنْ جاز أن يلقى بعض المخلوق كالجزاء أو غيره جاز أنْ يلقى العبد، فالمحذور الذي يُذكر في =
[ ٣٤٣ ]
وأنكر ابن فُورك هذه المقالة وقال: هي مُحدثة لأنَّ مِنَ النَّاس مَن مُنعَ الرؤية، وقال لا يراه مُؤمنٌ ولا كافر، وهم المعتزلة، ومنهم من قال يَرَاه المؤمنون دون الكافرين، ومنهم من قال -وهو ابن سالم (^١) - يراه جميع الكفار وكان مذهبًا (^٢) مرغوبًا عنه مُبدعًا فيه عند علماء العراق والحجاز.
وقد احتج ابن خزيمة لقوله بما تقدمت من حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "يجْمَعُ الله النَّاس فيقول من كانَ يعبد شيئًا فَلْيتَّبعه، فيتبع من كان يعبد القمر، ومن كان يعبدُ الشَّمس، ومن كان يعبدُ الطَّواغِيت، وتبقى هذه الأُمة فيها مِنَافِقُوها فيَأتيهم الله ﷿ في غير الصُّورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون نَعُوذُ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتي ربُّنا، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه".
والجواب: أنَّه ليس في هذا ما يدلُّ على الرؤية، وإنَّما فيه أنَّه يخاطِبهُم وقد يجوز أنْ يُخاطِب الخلق من غير أنْ يروه.
* * *
_________________
(١) = لقاء العبد موجود في لقائه سائر المخلوقات، فهذا تعطيل النص، وإما أن يقال: بل هو لاق لبعضها، فيتناقض قول الجهمي ويَبطل. قال: ودلائل بطلان هذا القول لا تكاد تحصى. أن من مجموع الفتاوى (٦/ ٤٦١ - ٤٧٥) باختصار. وقد حكى ابن القيم في "حادي الأرواح" (ص ٢٥١) في "وعيد مُنكري الرؤية" إجماع أهل اللغة على أنَّ "اللقاء": المعاينة بالأبصار. أما ابن حزم فقد قال إنَّ الكفار يرون الله تعالى في الآخرة بقلوبهم! انظر الفصل (٣/ ٤). وانظر شرح الطحاوية (٢١٣).
(٢) كذا في الأصل، وفي مطبوعة "مشكل الحديث" ص (١٨٧): ابن سلم البصري. ولم أعرفه، ووهم القلعجي في تعليقه على "مشكل الحديث" فجعله سلم العلوي!! وترجم له مع أنه أثبته ابن سلم!! فلا أدري على أي شيءٍ اعتمد في قوله هذا؟!
(٣) في المطبوعة من "مشكل الحديث": وكان مذهبه مزهودًا فيه عند العلماء، مرغوبًا عنه مبتدعًا فيه عند علماء العراق والحجاز.
[ ٣٤٤ ]