١٦٨ - أخبرناه أبو القاسم عبد العزيز قال: نا علي بن أحمد بن محمد بن داود ابن موسى بن بيان (^١) قال نا عثمان بن أحمد بن عبد الله بن زيد قال نا موسى بن سهل الوشا نا إسماعيل بن عُلية عن عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن الله خلق آدم من قَبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم منهم الأحمر والأسود والأبيض وبين ذلك، والسَّهل والحزن والخبيث والطيب" (^٢).
_________________
(١) في الأصل مهمل النقط، وكذا هو في تاريخ بغداد وغيره.
(٢) حديث صحيح، أخرجه ابن سعد (١/ ٢٦) وأحمد (٤/ ٤٠٠، ٤٠٦) وأبو داود (٥/ ٤٦٩٣) والترمذي (٥/ ٢٠٤) وابن جرير في تفسيره (١/ ١٧٠) وابن خزيمة في التوحيد (ص ٦٤) وابن حبان في صحيحه (٨/ ١١) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٠٤) (٨/ ١٣٥) والحاكم (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٣٢٧، ٣٨٥) وفي السنن (٩/ ٣) من طرق عن عوف الأعرابي عن قسامة بن زهير المازني البصري عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا به. قال التزمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وهو كما قالوا. والحديث عزاه السيوطي في الدر (١/ ١١٥) إلى عبد بن حميد والحكيم في نوادر الأصول وابن المنذر وأبي الشيخ في العظمة وابن مردويه. والحديث يثبت صفة "اليد" للباري ﷾، وهو أحد الأحاديث الكثيرة التي تثبت هذه الصفة. وقد ذكرها أمام الأئمة ابن خزيمة ضمن السنن التي تثبت صفة "اليد" فقال: باب ذكر صفة آدم ﵇، والبيان الشافي أنه خلقه بيده لا بنعمته على ما زعمت الجهمية المعطلة، إذ قالت: إن الله يقبض بنعمته من جميع الأرض قبضة فيخلق منها بشرا. اهـ. وعلّق الشيخ الهراس على تأويل الجهمية لهذه الصفة بقوله: وهذا تأويل باطل، فإن القبض إنما يكون باليد الحقيقية لا بالنعمة، فإن قالوا: إن الباء هنا للسببية، أي بسبب إرادته الإنعام قلنا لهم: وبماذا قبض؟ فإن القبض محتاج إلى آلة، فلا مناص لهم لو أنصفوا من أنفسهم إلا أن يعترفوا بثبوت ما صرح به الكتاب والسنة اهـ. =
[ ٢٠١ ]
اعلم أنه غير ممتنع إطلاق القبض عليه سبحانه، وإضافتها إلى الصفة التي هي اليد التي خلق بها آدم، لأنه مخلوق باليد من هذه القبضة، فدلَّ على أنها قبضةٌ باليد (^١) وفي جواز إطلاق ذلك أنه ليس في ذلك ما يُحيل صفاته ولا يُخرجها عما تستحقه، لأنَّا لا نحمل القبضة على معنى الجارحة والعضو والبعض ومعالجة وممارسة، بل نطلق هذه التسمية كما أطلقنا قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، على ظاهره.
وكذلك الوجه والعين والاستواء لا في مكان.
١٦٩ - وقد قال أحمد في رواية الميموني (^٢): من زعم أن يداه نعماه، كيف يصنع بقوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ مُشددة، قال الميموني فقلت "وحين خلق آدم بقبضة" يعني من جميع الأرض، والقلوب بين أصبعين. وظاهر هذا منه الأخذ بظاهر الحديث.
فإن قيل: لا يجوز إطلاق ذلك عليه، بل تُحمل (^٣) القبضة على معنى القدرة كقول القائل: فلان في قبضتي، على معنى قادر عليه، وعلى هذا قوله تعالى
_________________
(١) = وانظر ردَّ الإمام الدارمي على من كذب بهذه الصفة من الجهمية والمعطلة في كتابه القيم "النقض على بشر المريسي" (ص ٢٥ - ٤١).
(٢) وضعت هنا علامة الاستدراك، ولم يكتب في الهامش شيئا.
(٣) هو أبو القاسم سعد بن عبد الله بن الحسين بن علويه الفرضي الشافعي الميموني، كان من ولد ميمون بن مهران فنسب إليه. سمع بن مهران فنسب إليه. سمع أبا عمرو بن السماك وأحمد بن سلمان النجاد وغيرهما. روى عنه أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن تركان، وأبو أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي. (اللباب ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥).
(٤) في الأصل: تحتمل، وهو خطأ.
[ ٢٠٢ ]
﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] أي تحت قدرته وملكه.
قيل. هذا غلط، لأن فيه إسقاط فائدة التخصيص بهذه القبضة، لعلمنا بقدرته على جميع الأشياء، فلا معنى لإضافة القُدرة إلى خلق آدم من قبضة قبضها، ولأن للقدرة، أسماء أخصّ به من القبضة، ولأنه إن جاز أن تُحمل القبضة على معنى القُدرة، وجب أن يُحمل قوله "ترون ربكم يوم القيامة" بمعنى ترون قدرته؟! وكذلك قوله "خلق آدم بيده" بمعنى بقدرته. فأما قوله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الرمز: ٦٧] فلا يمتنع أن نقول فيه ما قلنا ها هنا.
فإن قيل: يحمل ذلك على معنى إظهار فعل هو الخلق والاختراع والإحداث كما قال تعالى ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] وكما قال تعالى ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥] وليس ذلك طمسًا وختمًا على على معالجة.
قيل: هذا يُسقط فائدة التخصيص بآدم، لأن إظهار (^١) الفعل موجود عند خلق غير آدم من سائر البشر، ولان لذلك اسمًا أخصّ به من القبض وهو الخلقُ والاختراع والأحداث، ولأن هذا يوجب أن يكون قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على معنى إظهار فعل، وكذلك يوجب تأويل قوله "ترون ربكم" على رؤية أفعال يظهرها، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات على خلاف ذلك.
وأما قول ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾، فإنما لم يُضف ذلك إلى الصفة التي هي اليد، لأنه ليس في الآية ما دلَّ على ذلك وفي القبضة ما دلَّ عليه من الوجه الذي ذكرنا، وهو أنه مخلوق باليد من القبضة فدلَّ على أنها قبضة باليد.
فإن قيل: تحمل القبضة على أنها لبعض الملائكة بأمر الله، كما يقال:
_________________
(١) كتب بجانب هذا السطر: بلغ مقابلة.
[ ٢٠٣ ]
ضرب الأمير اللص، وإنما أَمَرَ بضربه.
قيل: هذا غلطٌ، لأن الخبر يقتضي أنَّ آدم مخلوقٌ من القبضة، وقد ثبت أنَّ الخالق لآدم هو الله سبحانه، فوجب ان يكون هو القابض لا غيره، ولأنه إن جاز تأويله على هذا، جاز تأويل قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] معناه بيدي بعض الملائكة (^١).
واعلم أنه ليس بمنكر في العقول، أن يكون الله خلق طينة آدم من أجزاء أنواع الطين، وأنَّ الأخلاق والخَلْق اختلفت وتفاوتت كما تفوت أجزاء الطين، لا لأجل أنَّ تفاوتها أوجب ذلك بل حدوثها على تلك الوجوه التي حدثت عليه بقدرة الله واختياره، لكنه جعلها علامات لربوبيته ووحدانيته.
* * *
_________________
(١) قال الدارمي في نقضه على المريسي (ص ٢٩ - ٣٠): وقد يجوز للرجل أن يقول بنيت دارًا، أو قتلت رجلًا أو ضربت غلامًا، أو وزنت لفلان مالًا، أو كتبت له كتابًا، وإن لم يتول شيئًا من ذلك بيده، بل أمر البناء ببنائه، والكاتب بكتابته، والقاتل بقتله، والضارب بضربه، والوازن بوزنه، فمثل هذا يجوز على المجاز الذي يعقله الناس بقلوبهم، على مجاز العرب. وإذا قال: كتبت بيدي كتابا كما قال الله: خلقت آدم بيديّ، أو قال وزنت بيدي، وقتلت بيديّ، وبنيت بيديّ، وضربت بيديّ، كان ذلك تأكيدًا ليديه، دون يدي غيره. ومعقول المعنى عند العقلاء، كما أخبرنا الله: أنه خلق الخلائق بأمره فقال ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]، فعلمنا أنه خلق الخلائق بأمره وإرادته وكلامه وقوله "كن" وبذلك كانت، وهو الفعال لما يريد. فلما قال: خلقت آدم بيدي، علمنا أن ذلك تأكيد ليديه، وأنه خلقه بهما مع أمره وإرادته، فاجتمع مع آدم تخليق اليد نصًا، والأمر والإرادة، ولم يجتمع في خلق غيره من الروحانين. اهـ. تنبيه: كذا وقع في الموضعين "خلقت أدم بيدي" والآية ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥].
[ ٢٠٤ ]