١٧٧ - حدثناه أبو القاسم قال: نا القاضي عمر بن سنبك نا أحمد بن القسم بن نصر بن زياد نا أبو سالم العلا بن مسلمة الرواسي (^٢) نا أبو حفص العبدي عن إبان عن أنس قال رسول الله -ﷺ-: "الحَجَر في الأرض يمينُ الله جلَّ اسمه، فمن مَسَحَ يَده على الحجر، فقد بايع الله ﷿ أن لا يعصيه" (^٣).
_________________
(١) نفي الجهة عن الله سبحانه من الألفاظ المحدثة التي تحتمل الحق والباطل، لأن كثيرًا من نفاة الصفات يريدون بها نفي العلو عن الله سبحانه؟! وهذا باطل لمخالفته للأدلة الصريحة التي تثبت علو ربنا ﵎. قال ابن القيم ﵀: وكذلك قولهم: ننزهه عن الجهة، إن أردتم أنه مُنزهٌ عن جهة وجودية تحيط به وتحويه وتحصره، إحاطة الظرف بالمظروف فنعم، هو أعظم من ذلك وأكبر وأعلى، ولكن لا يلزم من كونه فوق عرشه هذا المعنى. وإن أردتم بالجهة أمرًا يوجب مباينة الخالق للمخلوق، وعلوّه على خلقه، واستواءه على عرشه، فنفيكم لهذا المعنى باطل، وتسميته جهة اصطلاح منكم توسلتم به إلى نفي ما دلَّ عليه العقل والنقل والفطرة، وسمّيتم ما فوق "العالم" جهةً وقلتم منزهٌ عن الجهات؟! وسمّيتم العرش حيزًا، وقلتم ليس بمتحيِّز؟ وسميتم الصفات أعراض وقلتم الرب منزهٌ عن قيام الأعراض به … الخ كلامه ﵀ (مختصر الصواعق ١/ ١٨٠).
(٢) في الأصل: ابن مسلم الرواس، والتصويب من التهذيب (٨/ ١٩٢) وغيره.
(٣) حديث موضوع، أبان هو ابن أبي عياش متروك، وأبو حفص العبدي هو عمر بن حفص قال الذهبي في الضعفاء (٢/ ٧٨٠): واه. والعلاء بن مسلمة، قال الأزدي: كان رجل سوء لا يبالي ما روى، وقال ابن حبان: يروي =
[ ٢١٨ ]
١٧٨ - وروى ابن جريج عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي قال سمعت عبد الله بن عباس يقول: إنَّ هذا الركن الأسود، يمينُ الله في الأرض يُصَافح به عباده مصافحة الرجل أخاه (^١).
إعْلم أنَّ هذه الخبر ليس على ظاهره، لأن إضافة الحجر إلى أنه صفة ذات هي يمين، يحيل صفاته ويخرجها عما تستحقه، لأنَّ الحجر جسم مخلوق حال في مخلوق وفي الأرض، والقديم سبحانه (^٢) تستحيل عليه هذه الصفات،
_________________
(١) = المقلوبات والموضوعات عن الثقات لا يحل الاحتجاج به، وقال ابن طاهر المقدسي: كان يضع الحديث. والحديث ذكره الديلمي في "الفردوس" (٢/ ٢٨٠٧). وأخرجه الأزرقي في "تاريخ مكة" -كما في كنز العمال (١٢/ ٢١٥) - عن عكرمة موقوفًا.
(٢) ضعيف جدا، أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٥/ ٣٩) والأزرقي في "أخبار مكة" أخبرنا ابن جريج عن محمد بن عباد عن ابن عباس، فقال: نحوه. وقول عبد الرزاق "نحوه" يشير به إلى الرواية التي أخرجها قبله (٥/ ٣٩) عن إبراهيم بن يزيد أنه سمع محمد بن عباد يحدّث أنه سمع ابن عباس يقول: الركن -يعني الحجر- يمين الله في الأرض، يصافح بها خلقه مصافحة الرجل أخاه، يشهد لمن استلمه بالبر والوفاء، والذي نفسُ ابن عباس بيده ما حاذى به عبدٌ مسلمٌ يسأل الله تعالى خيرًا إلا أعطاه إياه. وفيه إبراهيم وهو الخوزي، متروك. وسند المصنف فيه عنعنة ابن جريج. وأخرجه الخطيب في تاريخه (٦/ ٣٢٨) مرفوعًا عن جابر بن عبد الله، وفي سنده إسحاق بن بشر الكاهلي، كذبه الأئمة.
(٣) "القديم" ليس من أسماء الله الحسنى، إنما هو من التسميات التي جرت على ألسنة أهل الكلام والفلسفة، فبإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو: المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم، للعتيق، وهذا حديث، للجديد، ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم، كما قال تعالى ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ يس: ٣٩، والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول: قديم. (انظر شرح الطحاوية ص ١١٤). =
[ ٢١٩ ]
ويفارق هذا ما تقدمه من إثبات اليمين في الخبر الذي قبله، وأنَّ ذلك صفةٌ ذات، لأنّه لا يستحيل إضافتها إليه، لأنها غير مستحيلة عليه، لأن إضافة اليمين إليه كإضافة اليد إليه، وذلك جائز، ومثل هذا غير موجود ها هنا.
يبين صحة هذا من كلام أحمد أن فسَّر قوله ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، قال معناه: هُو إله من في السماوات وإله من في الأرض، وهو على العرش. فلم يحمل قوله ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ على ظاهره بل تأوله وبين أنه على العرش، فوجب أيضًا أن يمتنع من إطلاق صفة ذات في الأرض، تلمس في جهةٍ من الجهات.
وقد قيل في تأويله أوجه أحدها: أن هذا على طريق المَثَل، وأصله أنَّ الملك كان إذا صافح رجلًا قبَّل الرجلُ يده، فكأن الحجر لله سبحانه بمنزلة اليمين للملك يُسْتَلَم ويُلْثَم (^١). وقد رُوي في الخبر "أن الله ﷿ حين أخذ الميثاق من بني آدم، وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربكم قالوا بلى، جعل ذلك في الحجر الأسود، ولذلك يقال: إيمانًا بك ووفاءً بعهدك" (^٢).
_________________
(١) = والصواب أن يستعاض عن هذا الاسم بما جاء في قوله تعالى ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]. وبما جاء في قول رسوله -ﷺ-: " … اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء … " رواه مسلم (٤/ ٢٠٨٤). واتباع ما جاءت به الشريعة أولى من اتباع ألفاظ أهل الكلام. وقال العلامة الألباني ﵀ في تعليقه على الطحاوية: لكن أفاد الشيخ ابن مانع هنا فيما نقله عن ابن القيم في "البدائع" أنه يجوز وصفه سبحانه بالقدم بمعنى أنه يخبر عنه بذلك، وباب الأخبار أوسع من باب الصفات التوقيفية. قلت: (أي الألباني): ولعل هذا هو وجه استعمال شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الوصف في بعض الأحيان.
(٢) قاله ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" (ص ١٤٥).
(٣) لعله يشير إلى ما أخرجه الحاكم (١/ ٤٥٧) عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد =
[ ٢٢٠ ]
وقد قيل فيه وجهٌ آخر: وهو أنه يُحتمل أن يكون معنى قوله "الحجر يمين الله في أرضه" إنما أضافه إليه على طريق التعظيم للحَجَر، وهو فعلٌ من أفعال الله تعالى سمَّاه يمينًا فنسبه إلى نفسه، وأمر الناس باستلامه ومصافحته، ليظهر طاعتهم بالايتمار وتقربهم إلى الله سبحانه، فيحصل لهم بذلك البركة والسعادة.
وقيل فيه وجه آخر: وهو أنَّ معنى قوله "يمين الله" أمان الله، لأن الحجر من جملة البيت وقد قال سبحانه ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ولا بأس بهذه الوجوه للمعنى الذي ذكرنا، من امتناع إضافة ذلك إلى الله سبحانه.
ويبين صحة هذا: ما روي عن النبي -ﷺ- الحجر الأسود من ياقوت الجنة وإنما سَوَّدته خطايا بني آدم" (^١).
_________________
(١) = الخدري -﵁-: حججنا مع عمر بن الخطاب فلما دخل الطواف استقبل الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- قبلك ما قبلتك، فقال له علي بن أبي طالب: بلى يا أمير المؤمنين! إنه يضر وينفع، قال: بم؟ قال: بكتاب الله ﵎، قال: وأين ذلك من كتاب الله؟ قال: قال الله ﷿ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، خلق الله آدم ومسح على ظهره فقرره بأنه الرب وأنهم العبيد، وأخذ عهودهم ومواثيقهم وكتب ذلك في رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال له: افتح فاك قال: ففتح فاه فألقمه ذلك الرق، وقال: أشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، وإني أشهد لسمعت رسول الله ﵌ يقول: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق، يشهد لمن يستلمه بالتوحيد"، فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع، فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن. قال الحاكم: ليس من شرط الشيخين، فإنهما لم يحتجا بأبي هارون عمارة بن جوين العبدي. وقال الذهبي بعده: أبو هارون ساقط. وقال في الميزان: قال أحمد: ليس بشيء، وقال ابن معين: ضعيف لا يصدق في حديثه، وقال النسائي: متروك. وقد صح منه قول عمر -﵁- أني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، كما سيأتي.
(٢) إسناده ضعيف، أخرجه ابن خزيمة (٤/ ٢٢٠) عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: "الحجر الأسود ياقوته بيضاء من ياقوت الجنة، وإنما سوَّدته خطايا المشركين، يُبعث يوم القيامة مثل =
[ ٢٢١ ]
وأيضًا قول عمر: "لإني لأعلم أنَّك حَجَرٌ لا تضُرُّ ولا تنفع (^١).
وهذا لا يقال في صفات القديم (^٢).
_________________
(١) = أُحد، يشهد لمن استلمه وقبله من أهل الدنيا". وفيه أبو الجنيد خالد بن الحسين الضرير، قال ابن معين: ليس بثقة، وقال ابن عدي (٣/ ٩١١): عامة حديثه عن الضعفاء أو قوم لا يعرفون.
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٤٧١، ٤٧٥) ومسلم (٢/ ٩٢٥) عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر ابن الخطاب -﵁- قال للركن: أما والله إني لأعلم أنك حَجَرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي -ﷺ- استلمك ما استلمتك، فاستلمه. وأخرجه مسلم (٢/ ٩٢٥ - ٩٢٦) من طرق أخرى عن عمر -﵁-.
(٣) وفي ختام هذا الفصل نقول، إنَّ مذهب سلف الأمة هو إثبات صفة "اليد" لربنا جل شأنه، ولا يلتفت إلى تأويلات بل تحريفات الجهمية وأشياعهم. وقَد ردَّ العلامة المحقق ابن القيم ﵀ في كتابه الفذّ "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" على من قال بتأويل هذه الصفة أو تعطيلها من عشرين وجهًا (٢/ ١٥٣ - ١٧١) وقال في خاتمة الفصل: ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع، ورودًا متنوعًا متصرفًا فيه، مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقة، من الإمساك والطي والقبض والبسط والمصافحة والحثيات والنضح باليد والخلق باليدين والمباشرة بهما وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، وتخمير طينة آدم بيده، ووقوف العبد بين يديه، وكون المقسطين عن يمينه وقيام رسول الله -ﷺ- يوم القيامة عن يمينه وتخيير آدم بين ما في يديه فقال اخترت يمين ربي، وأخذُ الصدقة بيمينه يُربيها لصاحبها، وكتابته بيده على نفسه إن رحمته تغلب غضبه، وأنه مسح ظهر آدم بيده ثم قال له ويداه مفتوحتان اختر، فقال اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة، وأن يمينه ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض، وأنه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، وأنه يطوي السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يطوي الأرض باليد الأخرى، وأنه خط الألواح التي كتبها لموسى بيده، وقوله: الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلي. فهل يصح في عقلٍ أو لغة أو عُرف أن يقال قدرة الله؟ أو نعمته العليا ويد المعطي التي تليها؟ فهل يحتمل هذا التركيب غير يد الذات بوجه ما وهل يصح أنْ يراد به غير ذلك؟ وكذلك قوله "اليد العليا خير من اليد السفلى" =
[ ٢٢٢ ]